يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن وصفيه، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين. مرحبًا بكم أيها الإخوة، أيها الأخوات، مرحبًا بكم طلاب وطالبات أكاديمية زاد بإذن الله إلى هذا الدرس الجديد المتجدد من دروس التفسير.
كنا قد أخذنا في الدرس الماضي الشطر الأول من تفسير سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾، ومن هنا سيبدأ الشطر الثاني من هذه السورة بإذن الله. قال تعالى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.
ابتدأ الله عز وجل هذا المقطع بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾، أي أخبرني، وهو تقبيح وتعجب لحال الناهي وفعل المستكبر هذا المستنكر. ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ كيف ينهى؟ ومن ينهى؟ ينهى عبدًا عن الصلاة، فهذا من أعجب العجب: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. من هو هذا؟ هو أبو جهل، هذا الذي ينهى النبي ﷺ عن الصلاة هو أبو جهل، ومن نهى عن الصلاة في كل زمان ومكان فهو استمرار لهذا المنهج الذي سنه أبو جهل.
قال العلماء: هو أبو جهل، كان قد نهى رسول الله ﷺ أن يصلي، فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال ثقيلًا: نعم. قال: واللات والعزى، يحلف لأن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما جئتهم منه إلا وهو ينقض على عقبيه ويتقي بيديه. قال: فقيل له: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضًا عضًا». وهذه من حماية الله لرسوله وحبيبه ﷺ، وهو موقف مفجع مر بأبي جهل.
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ أي فما ظنك أيها الناهي إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله، أو أمر بالتقوى بقوله وأنت تزجره وتتوعده على صلاته؟ أي كيف لك أيها الناهي أن تنهى مصليًا عن صلاته وتقيًا عن تقواه؟ كيف تجرؤ على هذا وكيف تفعله؟ ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ يعني أبا جهل، فقد كذب بالحق الذي بعث الله به محمدًا ﷺ وأدبر عنه، فلم يصدق بهذا الوحي ولا بهذا الحق. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ألم يعلم أبو جهل أن الله يطلع على أحواله فيجازيه بها؟
﴿كَلَّا﴾ وهذه كلمة ردع وزجر، وذكرت لكم أنها كثيرة خصوصًا في السور المكية، زجر وردع لهذا الناهي وهو أبو جهل. ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ أي إن لم يرجع عما فيه من الشقاق والعناد لنأخذن بشدة بناصيته، والناصية هي مقدم شعر الرأس، فلنسحبنه إلى النار كما في قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن وهو كثير جدًا، خصوصًا في تفسير ابن كثير وكذلك في أضواء البيان. القرآن يفسر بعضه بعضًا، وهي من أول درجات التفسير ومن أول مصادر التفسير، فالقرآن قالوا مصدر لتفسير القرآن.
لكن يا أيها الإخوة ما معنى السفع؟ إن الله قال: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾، كثير من الناس يحفظها ولا يعرف معناها. السفع هو القبض على الشيء وجذبه بعنف وشدة، هذا معنى السفع، لذلك قال الله: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ أي لنقبضن على ناصيته بشدة ونجذبه بعنف. وهذه الناصية من صفاتها أنها كاذبة، ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي أن صاحب هذه الناصية كاذب خاطئ، فهو كاذب في مقاله خاطئ في أفعاله، والتاء هنا للمبالغة، أي كما يقال داهية أو علامة أو فهامة أو طاغية أو نحو ذلك، فهي هنا للمبالغة.
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ أي بعد هذا فليدعُ قومه وعشيرته، والتعجيز من يستطيع أن يقارع الله أو يتحدى الله؟ لذلك قال: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ إن استطاع، لكنه لن يستطيع ولن يتحدى الله أحد، فهو على التعجيز له. والنادي ما معنى النادي؟ النادي اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وكان أبو جهل معظمًا في قريش، كان يجتمع في هذا النادي وهو معظم لدى قريش وله نادٍ يجتمع الناس إليه، ويقال النادي لمجلس القوم نهارًا، والمسامر لمجلسهم في الليل، أي إذا كانوا يجلسون في النهار فيقال نادي، وإذا كان جلوسهم في الليل فيقال له مسامر.
ثم يقول الله عز وجل: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ يعني هو إذا دعا ناديه سيدعو الله جل جلاله الزبانية، وهم ملائكة العذاب، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وهذا الوصف أيضًا ورد في سورة التحريم، وهو أيضًا هنا من تفسير القرآن بالقرآن كقوله تعالى: ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. والزبانية طبعًا معروف في كلام العرب، الزبانية هم الشُّرط، مأخوذة من الزبن وهو الدفع، لأنهم يدفعون أهل النار، أعاذنا الله وإياكم من النار وأهلها وأهوالها.
ثم قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. نستكمل هذه الآية بإذن الله بعد الفاصل بالعلم كالآزهار في البستان. اقرأ، إن القراءة هي أول كلمة نزلت من القرآن الكريم على قلب النبي الأمين ﷺ، إن الأمم رئة، هي الأمم القائدة، لأن القراءة والمعرفة تطرد الجهل والتخلف والخرافة. وقد بلغ حب العلماء للقراءة مبلغًا عظيمًا، قيل لأحدهم عند موته: ما تشتهي؟ قال: النظرة في حواشي الكتب.
وقد أظهرت بعض الدراسات أن حوالي سبعين بالمئة من معلومات الإنسان يحصل عليها عن طريق القراءة، ويتعلم الباقي بالاستماع والتجربة وغير ذلك. ولكي تكون قراءتك واعية فابدأ بالمرحلة التأسيسية، حيث تنتقي كتب أهل السنة التي تضمن بها سلامة العقيدة، وإذا قابلتك مصطلحات غامضة فاسأل عنها العلماء. ولدفع النفور من القراءة ابدأ بالكتب السهلة قبل الصعبة، وبالمختصرات قبل المطولات، ولدفع الملل استرح وارح عينيك وتحرك بين الحين والآخر، ويمكن إذا مللت من كتاب أن تقرأ في غيره. ولدفع شرود الذهن عليك بالصبر والمجاهدة والبعد عن المؤثرات الخارجية، واستخدم الترقيم والتلوين لتمييز العبارات المهمة، واكتب الحواشي والتعليقات، ولخص الكتاب واستفد بما تقرأ، لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. نستكمل بإذن الله إلى حيث وصلنا، وصلنا إلى قوله: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾؛ أي لا تطعه يا محمد، أي لا تطع أبا جهل فيما دعاك إليه من ترك الصلاة، واسجد أي صلِّ لله تعالى، واقترب أي تقرب إلى الله جل وعلا بالثناء والطاعة والعبادة. وكما تعلمون، أقرب ما يكون العبد إلى الله في سجوده، ولذلك جاء في الحديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»، فأكثروا الدعاء.
هذا الذي سمعتموه ما تقدم هو التفسير لكل آية إجمالاً ومروراً، ونريد أن نمر على فوائد مهمة في هذه السورة، من أشهرها في الآيات معجزة خاصة من معجزات القرآن؛ فإنه تحدى أبا جهل بما جاء في الآيات، وقد سمع أبو جهل القرآن وسمعه أنصاره، فلم يقدم أحد منهم على السطو على الرسول ﷺ مع أن الكلام يثير غضبهم.
وأيضاً فائدة أخرى، وهي شدة خطاب الله تعالى لذاك العاتي المتمرد أبي جهل، وتوعده هذا الوعيد الشديد يدل على أنه بقدر ما يصيب العبد من الطغيان والتمرد والتعدي يصيبه من عذاب الله، وهي سنة الله ماضية في كل من طغى وتكبر وتجبر. إذا هاتان فائدتان مهمتان مرت بنا أثناء تفسيرنا بهذه السورة، أريد الآن أن أعرج بشيء من التفصيل على ما تقدم.
طبعاً ذكرنا لكم في البداية أن المقصود «أرأيت الذي ينهى» هو أبو جهل، وأن العبد المنهي عن الصلاة هو النبي ﷺ وشرفه الله بالعبودية، وكما تعلمون أن العبودية هي أعظم المنازل: ومما زادني شرفاً وتيهاً ... وكدت بأخمصي أعطو الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي ... وإن صيرت أحمداً لي نبيا
فإن أبا جهل كما مر بنا توعد أن يطأ على عنق النبي ﷺ، أخسأه الله وأخزاه. وقيل في المعنى: أمن هذا النهي عن الصلاة من هذه العقوبة؟ يعني أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى؟ كيف يأمن أبو جهل من عقوبة الله؟ أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى، أي أرأيت يا أبا جهل إن كان محمد ﷺ على هذه الصفة، أليس ناهيه عن التقوى والصلاة هالكا؟ بلى والله إن الذي ينهى عن التقوى والصلاة هالك، المطلوب أن ينهى عن المعاصي والآثام لا عن البر والإحسان.
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾؛ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله عز وجل وأعرض عن الإيمان، ثم يقول: ويل! ألم يعلم أبو جهل بأن الله يرى؟ أي يراه ويعلم فعله؟ هو تقرير وتوبيخ في نفس الوقت، أي أن هذا الاستفهام يفيد التقرير ويفيد التوبيخ.
ثم قال جل جلاله: ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾؛ أي إن لم ينتهِ أبو جهل عن أذاه يا محمد ﷺ، لنسفعاً أي لنأخذن بالناصية، وقيل لنأخذن بناصيته يوم القيامة وتُطوى مع قدميه ويُطرح في النار كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾، وإن كانت في أبي جهل فهي عظة للناس وتهديد لمن يمتنع أو يمنع غيره عن الطاعة.
وأهل اللغة يقولون: صُفعت بالشيء أي قبضت عليه وجذبته جذباً شديداً، ويقال: سُفعت بناصيتي، والناصية هي شعر مقدم الرأس كما ذكرنا لكم، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، كما يقال: هذه ناصية مباركة أي إلى جميع الإنسان، وخص الناصية بالذكر لماذا؟ على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته يقولون: هكذا ناصية كاذبة، ناصية كاذبة خاطئة؛ قيل ناصية كاذبة خاطئة أي ناصية أبي جهل كاذبة في قولها خاطئة في فعلها، وقيل أي صاحبها كاذب خاطئ وهو أبو جهل، وعلى كلا القولين هو محصل في أبي جهل.
قال الله عز وجل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾؛ أي أهل مجلسه وعشيرته فليستنصر بهم، الزبانية أي الملائكة الغلاظ الذين ذكرهم الله عز وجل. وقيل، وروي في الخبر أن النبي ﷺ لما قرأ هذه السورة وبلغ قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، فقال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، فلما سمع ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: خشيت منه؟ قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً يهددني بالزبانية، أما أدري ما الزبانية؟ يقوله خوفاً وهلعاً، ومال إلى الفارس فخشيت منه أن يأكلني. وهذه رواية كما ذكرنا لكم قريباً منها في المقطع السابق.
وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ قال أبو جهل: لأن رأيت محمداً يصلي لو فعلت لأخذته الملائكة عياناً. طبعاً هو قال: لأن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه، فقال النبي ﷺ: «لو فعل لأخذته الملائكة عياناً». وروى عكرمة عن ابن عباس قال: مر أبو جهل على النبي ﷺ وهو يصلي عند المقام، فقال: ألم أنهك عن هذا يا محمد؟ فأغلظ له رسول الله ﷺ وهو يصلي عند المقام، فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني يا محمد؟ والله إني أهل الوادي نادياً، فأنزل الله عز وجل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، وهذا مذكور في أسباب النزول. قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته، وهذا الحديث أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. والنادي في كلام العرب كما ذكرت لكم: المجلس الذي ينتدي فيه القوم أي يجتمعون، والمراد هنا أهل النادي.
ثم قال الله عز وجل في خاتم هذه السورة: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾؛ أي كلا ليس له الأمر على ما يظنه أبو جهل، لا تطعه أي فيما دعاك إليه من ترك الصلاة، واسجد أي صلِّ لله، واقترب تقرب إليه جل وعلا بالطاعة والعبادة، وقيل المعنى إذا سجدت فاقترب من الله بالدعاء.
روى عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وأحبه إليه جبهته في الأرض ساجداً»، ذلك لأنها نهاية العبودية ولله غاية العزة جل جلاله. وفي الحديث الصحيح قال: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم»، والمراد بـ«قمن» أي أحرى وأقرب وأرجى، ولقد أحسن من قال: وإذا تذللت الرقاب تواضعاً ... منا إليك فعزها في ذلها
إذاً هذا هو المراد بهذا المعنى وبهذا البيان في هذه السورة، تكلمنا معكم من بداية هذا المقطع عن المعنى الإجمالي ثم التفصيلي، وباذن الله نستكمل ما تبقى بعد الفاصل.
المخبر مجالسته أنفع مجالسة، ومؤانسته أمتع مؤانسة، إنه الكتاب؛ من خلاله نجالس العلماء والصالحين. قيل لابن المبارك: ألا تجلس معنا؟ قال: «ما أجلس إلا مع الصحابة والتابعين»؛ أي قراءة سيرهم. وقد كان العلماء مشغوفين بالكتب شراء وقراءة.
قال ابن الجوزي: «ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره فكأني وقعت على كنز، ولو قلت إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر». طالب العلم لا تخلو مكتبته من الكتب الأساسية في شتى العلوم؛ ففي التفسير مثلاً تفسير السعدي وتفسير ابن كثير، وفي العقيدة كتاب التوحيد والطحاوية والواسطية مع بعض الشروح، وفي الحديث الكتب الستة مع أهم شروحها، وهكذا بقية العلوم.
وقبل الشراء استشر أهل الخبرة ليدلوك على أهم الكتب وأفضل الطبعات، لا سيما ما حققه العلماء الثقات كالالباني وبكر أبي زيد. احرص على التنويع في شراء الكتب، ولا تقتصر على فن واحد أو فنين، واعتن بكتب النوازل الفقهية والعقدية، ولا تبخل بإعارة الكتاب وحافظ عليه إن استعرته، ولا تستكثر ما تنفقه في شراء الكتب؛ وصدق من قال: تلك النفائس لو تباع بوزنها ذهباً لكان البائع مغبوناً.
هذا هو المقطع الأخير بعد تفسير السورة تحليلياً وموضوعياً، نريد أن نتكلم معكم عن قصة ابتداء النبي ﷺ بالوحي. كما ذكرنا لكم في الأحاديث أنه كان يتحنث الليالي ذوات العدد، أي يتعبد في غار حراء. وبالمناسبة الذي يعرف غار حراء يجد أن أعلى الغار مشرف مباشرة على الكعبة؛ أي الجالس في غار حراء يرى الكعبة مباشرة، فكان النبي ﷺ يتحنث ويتعبد وينظر إلى الكعبة، ما أجلاه من منظر وما أطيبه وما أحسنه!
كان مشغولا ﷺ بالتعبد والخلوة مع ربه جل جلاله، فأفاجأه الوحي وجاءه جبريل بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. خاف النبي ﷺ وفزع، وذهب إلى زوجته خديجة، وهي التي كانت تكبره بالسن، وكان يقول لها خوفاً ولعناً ما يدري ما هذا الوحي الذي جاء: «دثروني دثروني، زملوني زملوني»، يشعر بالبرودة في يوم القارص.
فماذا قالت له خديجة؟ وهذه بالمناسبة فيها فوائد هذه القصة: لم تقل له ما بك؟ ما شأنك؟ ما الذي جرى؟ إنما مباشرة بدأت في تسليته والتسرية عنه ﷺ، فقالت مباشرة: «كلا والله لا يخزيك الله، فإنك تحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر». بدأت تذكر الصفات الجميلة في النبي ﷺ، ما دام هذه صفاتك لا يخزيك الله.
ثم أخذته -وهو لا يدري ما الذي جاءه ﷺ- إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، فلما جاء عند ورقة وحكى له الخبر وذكر له القصة، فقال له النبي ﷺ ما جرى له، فقال: «إنه الناموس الذي جاء به موسى»، أي هذا وحي ودين جاء به موسى. ثم قال: «يا ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك». فتفاجأ النبي ﷺ: أَمُخرِجِيَّ؟ يعني قال: نعم، ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا أُخرج. ما دام أنك رسول وداعية إلى الله فلا بد أن تؤذى وتخرج من أرضك كما أخرج إبراهيم وأخرج غيره من الأنبياء.
والصواب أن ورقة بن نوفل كان على الحنيفية، كان على الدين الصحيح. وبالمناسبة هنا شبهة يثيرها بعض النصارى إيماناً منهم بهذه القصة بقصة التقاء النبي ﷺ بورقة بن نوفل، فيقولون: إن الذي علمه الدين ورقة، وورقة نصراني، إذاً دينكم أيها المسلمون جاء من النصرانية. تولى الرد عليهم طبعاً رابطة العالم الإسلامي في كتاب ألفه شيخنا الدكتور عويد المطرفي رحمه الله واسماه «ورقة بن نوفل في بطون الجنة»، وهو أشار إلى حديث مروي، وهذا الكتاب ليس بالكبير ولا بالصغير لكنه مليء بالفوائد، يثبت حنيفية ورقة بن نوفل ويرد على النصارى في زعمهم؛ فالنبي ﷺ يلتقي بالنصارى ولم يدرس كتبهم وما كان اتلوا من قبله من كتاب كما مر بنا.
وفعلاً في نهاية الأمر، بعد أن دعا النبي ﷺ في مكة ثلاثة عشر سنة، أخرج ﷺ من داره في يوم الهجرة كما تعلمون، والتفت إلى مكة وقال لها: «والله إنك لأحب الديار إلى قلبي، ولو لا أن أهلك أخرجوني ما خرجت». كان عنده وطنية مقدسة ﷺ، وحبب أوطان الرجال إليهم مواطن قضاها الشباب هنالك، إذا حنوا ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذلك؛ فالإنسان مجبول على حب وطنه وحب أرضه، والإخراج من الأرض والوطن قهر يغلب على النفوس.
ومع هذا لما تمكن النبي ﷺ وعاد إلى وطنه وعاد إلى بلده لم ينتقم من الذين آذوه وأخرجوه وسلبوا ما له، إنما قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وقال: «لا تثريب عليكم واليوم يغفر الله لي ولكم وهو أرحم الراحمين». لذلك يا أيها الإخوة هذا هو خلق الأنبياء.
إذا نستفيد من قصة بدء الوحي مع النبي ﷺ ولجوئه إلى خديجة رضي الله عنها وأرضاها، أنها قالت له مباشرة في أمر التسلية: «كلا والله لا يخزيك الله»، وبدأت بالتسلية. قال بعض العلماء: هذه فائدة المرأة، هذه الفائدة من أعظم فوائد المرأة في الإسلام وهي التسلية لزوجها في أمر الدعوة إلى الله؛ فحري بالمرأة مثلاً إذا رأت زوجها مهموماً أو مغموماً ألا تبادره بالسؤال: ماذا بك؟ ماذا حصل؟ ماذا جرى؟ إنما تذكر ما فيه من الصفات الجميلة كما ذكرت خديجة من الصفات الجميلة وتطمئنه وتسلي وتسري عنه، وأن الله لا يخزي من كانت هذه صفاته، فهذا هو المطلوب.
أما الفوائد الأخرى أيها الإخوة من هذه الصورة، فيجد ربنا أن نطرق إلى أعظم فائدة وهي فائدة العلم الشرعي. والعلم الشرعي كما ذكرنا لكم هو العلم الموصل إلى خشية الله؛ البخاري باب: «فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك»، قدم العلم على العمل، وبدأ العلم وبدأ العمل هو العلم كما تعلمون. فهذه الصورة هي أصل في العلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].
كلنا والله أيها الإخوة ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]، ما كنا نقرأ إلا علمنا الله، ما كنا نكتب إلا علمنا الله، ما كنا ندرك إلا علمنا الله، كنا نجهل وكنا في تيه وفي بعد وفي ضلال هدانا الله ورزقنا الله وآوانا الله؛ لذلك علينا دائماً أن نستشعر.
﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. أيضًا يا أيها الإخوة، في هذه السورة صراع بين أدعياء، بين الذين يدعون إلى الله وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وهذا صراع مستمر إلى قيام الساعة. فاختر لنفسك أي الدار تختار، اختر أي الصفوف؛ هل تريد أن تكون من صف الأنبياء والدعاة إلى الله الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟ أم تريد أن تكون -لا قدر الله- من أولياء الشيطان الذين لا يعجبهم معروف في الدنيا، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف؟
لذلك قال الله عز وجل في شأن هذه الأمة، أمة النبي ﷺ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. روي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما قالا: "الحمد لله أن الله قال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ولم يقل: ﴿أَنتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ﴾؛ لأنه لو قال: ﴿أَنتُمْ﴾ لكنا فقط أصحاب النبي ﷺ، لكنه قال: ﴿كُنتُمْ﴾ أي أنتم ومن جاء بعدكم ممن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وآمن بالله".
قال بعض العلماء: لماذا قدم الله أمر الدعوة وأمر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، علمًا أن الإيمان أفضل؟ قالوا: لأنه لا طريق إلى الإيمان إلا بالدعوة إلى الله، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سياج الإيمان وحصنه الحصين، فبلا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر لا يمكن أن يتم الإيمان.
إذاً الخيرية لمن كان من هذه الأمة التي تدعو إلى الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. ونعوذ بالله الذي يعرض عن أمر الدعوة ويعرض عن أمر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحل عليه لعنة الله، نعوذ بالله؛ كما قال الله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: 78]؛ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، ولبئس ما كانوا يفعلون.
وكثيرًا كان الشيخ ابن باز رحمه الله إذا سمع هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ يقول برأسه هكذا: "لا أحسن، لا أحسن، والله لا أحسن"، أحسن قول يحبه الله هو قول الداعي إلى الله. وقال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108].
لذلك يا أيها الإخوة، علينا أن نستنبط هذه الفوائد من هذه السورة ونطبقها في حياتنا. أسأل الله عز وجل أن يجعل اجتماعنا مرحومًا وتفرقنا معصومًا. وإلى لقاء بإذن الله في درس قادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سلطان العتيبي