دخولتسجيل الدخول

يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعهم طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، هذا كتاب كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن، بشرى لنا، زادنا كاذبين بالعلم كالآزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الهادي إلى الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن وصفيه محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين. مرحبا بكم أعزائي المشاهدين والمشاهدات، مرحبا بكم طلاب أكاديمية زاد المستوى الرابع في الحلقة التاسعة عشرة من دروس التفسير في هذه القناة المباركة.

وصلنا أيها الإخوة إلى تفسير سورة النصر، وهي سورة مكية ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3]. هذه السورة من أقصر سور القرآن وتحدثت عن موضوع مهم ألا وهو فتح مكة، فتح الفتوح، وهو أعظم فتح على الإطلاق في زمان رسول الله ﷺ.

أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما صلى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». وفي رواية تقول: يتأول القرآن. وهذا أحد معاني التأويل بالإضافة إلى التفسير، أو إلى بيان المعنى والمرجوح إلى الراجح بقرينة تصرف المعنى عنه. كذلك هنا من معاني التأويل التطبيق أو تطبيق الواقع، فلما أنزل الله على رسوله ﷺ هذه السورة قالت عائشة: كان يتأول القرآن، أن يطبق هذه السورة في ركوعه وسجوده، فكان يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي».

وأخرج أحمد عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ علم النبي ﷺ أنه قد نعيت إليه نفسه». وهذا الحديث حسنه الأرناؤوط. وفيه قصة أيضًا؛ في الصحيح أن عمر رضي الله عنه كان يدخل ابن عباس مع كبار الصحابة، فكأن بعض كبار الصحابة وجد في نفسه أن له ابنًا في سن ابن عباس، فلما لا يدخل أبناءهم مع هذا الغلام.

قال ابن عباس: «فدعاني عمر رضي الله عنه يومًا، وما علمت إلا أنه يريد أن يظهر شأني أمام كبار الصحابة، فجئت معهم في مجلس أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه. فقال للصحابة: أي عمر، ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾؟ قالوا: نقول في ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾؛ أمر النبي ﷺ إذا جاء نصر الله والفتح ورأى الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، يسبح بحمد ربه ويستغفره إنه كان توابًا. قال: ما تقول فيها يا ابن عباس؟ قال: أقول فيها نفس رسول الله ﷺ نعيت إليه، أي هي إشارة بقرب وفاة رسول الله ﷺ حين جاء النصر والفتح وجعل الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فكأنها انتهت مهمتك أو رسالتك يا محمد، فاشتغل بتسبيح ربك واستغفاره إنه كان توابًا».

فقال عمر للصحابة رضي الله عنهم: «والله ما أعلم فيها إلا ما قال ابن عباس»، فظهر شأن ابن عباس رضي الله عنه بين الصحابة رضي الله عنهم، ولا غروا عجب، فقد دعا له رسول الله ﷺ بالعلم والتأويل والفقه في الدين، رضي الله عنه وأرضاه. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال: «لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ونعيت إلى النبي ﷺ نفسه، كان لا يقوم من مجلس يجلس فيه حتى يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». وهذه أيضًا كفارة المجلس، يغفر الله ما قال في مجلسه العبد قبل هذه.

قال الحسن: «اعلم أنه أي ﷺ قد اقترب أجله، فأمر بالتسبيح والتوبة ليختم له بالزيادة في العمل الصالح». وقد قيل إن النبي ﷺ عاش بعد نزول هذه السورة سنتين، وهي تعدل ربع القرآن؛ فقد أخرج الترمذي وحسنه عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لرجل: «أليس معك ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟» قال: بلى. قال: «ربع القرآن».

أما بيان معاني هذه السورة وتفسيرها، فإن الله عز وجل حين قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ أي: إذا جاءك نصر الله يا محمد على قومك من قريش، والفتح يعني فتح مكة، بخلاف المعروف عند بعض الناس في سورة ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾؛ فالمراد هناك على الأرجح صلح الحديبية وسمي بالفتح المبين. أما المراد بالفتح هنا في سورة النصر فهو فتح مكة، وكان في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وقد سماه الله فتحًا مبينًا، على خلاف قول أهل التحقيق في أن المقصود بالفتح المبين في سورة الفتح هو صلح الحديبية، وقال بعضهم إنه فتح مكة، وعلى كل حال فكلاهما فتح من الله عز وجل لرسوله ﷺ.

أما الأفواج في قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، فالأفواج هي الجماعات في تفرقة، فقد جاءت في عام الوفود في السنة التاسعة، القبائل كثيرة تعرض وتبسط إسلامها بين يدي رسول الله ﷺ. وعن ابن عباس قال: «بينما رسول الله ﷺ بالمدينة إذ قال الله أكبر الله أكبر، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ جاء أهل اليمن. قيل: يا رسول الله، وما أهل اليمن؟ قال: قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمانٍ، والفقه يمانٍ، والحكمة يمانية». وهذا الحديث أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره، وأصله في الصحيحين. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تلا رسول الله ﷺ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، قال: «ليخرجن منه أفواجًا كما دخلوا فيه أفواجًا»، نسأل الله السلامة.

أما قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، فهو أمر من الله لرسوله ﷺ بالتسبيح وأمر بطلب المغفرة. التسبيح كما تعلمون هو التنزيه، تنزيه الله جل جلاله عما لا يليق به سبحانه وتعالى، والحمد هو الثناء بالكمال مع المحبة والتعظيم. والحمد معناه قريب من المدح، وقال بعضهم: الحمد هو المدح إلا أن الفرق بينهما أن المدح ثناء ليس على وجه التعظيم، أما الحمد فهو ثناء على وجه التعظيم، ولا يكون الحمد في الغالب إلا لله جل جلاله، فلو كان المدح فهو له سبحانه وتعالى وللسائر من خلقه كل بحسبه. ونستكمل بإذن الله بعد هذا الفاصل.

يلجأ الكثير من الباعة والمنتجين إلى وسائل شتى لجذب المشترين، والتي منها تلك المسابقات التي تجريها بينهم ليحظى الفائز منهم بجوائز عيدية ونقدية. وربما قامت بمنح المشترين كلهم أو بعضهم هدايا وجوائز دون عقد أي شيء في مسابقة، فما حكم الاستفادة من هذه الهدايا؟

الراجح جواز الاستفادة منها بشرطين: الأول أن يكون ثمن البضاعة حقيقياً بحيث لا يرفع التاجر السعر من أجل الجائزة، فإن رفع السعر من أجل الجائزة فهذا من الميسر وهو لا يجوز. والشرط الثاني ألا يشتري الإنسان سلعة من أجل الجائزة فقط، كأن يشتري حليباً أو عصيراً وهو لا يحتاج إليها لكن ليحصل على الجائزة ثم يريقها ولا يستفيد منها، فهذا من إضاعة المال الذي سيسأل المرء عنه.

فعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس»، فذكر منها: «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». فإن كان سيستفيد منها فيما بعد باستعمال لها أو تصدق بها فلا بأس.

حياكم الله من جديد، وصلنا وإياكم قبل الفاصل إلى التفريق بين الحمد والمدح. الحمد هو الثناء الاختياري على جهة التعظيم، أما المدح فهو ثناء اختياري أيضاً، وقد لا يكون اختيارياً ولكنه ليس على جهة التعظيم، إنما التعظيم للعظيم جل جلاله.

أما الاستغفار فهو طلب المغفرة من الله عز وجل. ثم قال الله جل جلاله: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [الفتح: 5]، أي الله سبحانه وتعالى شديد القبول لتوبة عباده، وهذا وعد حسن من الله تعالى بقبول التوبة من عباده إن استغفروا وأنابوا، فيوفقهم للتوبة ثم يقبلها منهم من واسع رحمته وعظيم فضله وامتنانه، فما للعباد عليه حق واسع، كلا ولا سعي لديه ضائع؛ إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، وهو الكريم الواسع جل جلاله.

أما فوائد الآيات فهي كثيرة، منها أن الله قدم التسبيح والحمد على الاستغفار، وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: 3]؛ لأن التسبيح راجع إلى وصف الله تعالى بالتنزه عن النقص، فهو متمحض لله تعالى، والتسبيح خاص بالله جل جلاله. أما الحمد فهو ثناء على الله إنعامه، وهو قيام العبد بما يجب عليه لشكر المنعم، فهو مشترك بين الله تعالى وبين العبد. إذاً التسبيح خاص بالله، أما الحمد فهو مشترك بين الله تعالى وبين العبد، بخلاف الاستغفار فهو حظ للعبد وحده لأنه طلب من الله بالمغفرة والتجاوز عن الذنب.

وفرق بعضهم بين الحمد والشكر، وقالوا: إن الشكر يقتضي العمل، أما الحمد فقد يكون بالثناء بالقلب واللسان، أما الشكر فهو بالقلب واللسان والعمل؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13]. وقالت عائشة عن رسول الله ﷺ حين كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ﷺ، كانت تقول له: يا رسول الله، ألم يغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «بلى، ولكن أحب أن أكون عبداً شكوراً». فالشكر اقتضى أن يقوم النبي ﷺ من الليل حتى تتفطر قدماه.

قال بعض العلماء: فكيف نشكر الله على أبصارنا؟ أن نطلقها في الحلال ونقصرها عن الحرام. وكيف نشكر الله بأسماعنا؟ أن نسمع الطيب ونترك الخبيث. وكيف نشكر الله بجوارحنا؟ أن نستعملها فيما أنعم الله به علينا في طاعته وأن نترك معصيته، وهكذا فالشكر يتجاوز الحمد إلى العمل. فجعلها الله تعالى في مراتب ثلاث: لله تعالى أي التسبيح، ثم المشترك بين العبد وبين الله تعالى أي الحمد، ثم ما كان للعبد وهو الاستغفار، وذلك أدب قرآني عظيم.

ومن الفوائد أن الله جل جلاله أمر بالاستغفار في الآيات؛ لأن الاستغفار قد يكون من الغرور الذي قد يدخل القلب من سكرة النصر، وهو مدخل يصعب توقيه في القلب البشري، فمن هنا يكون الاستغفار من غرور النصر. وقيل الاستغفار قد يكون مما ساور القلب من ضيق واستبطاء لوعد الله بالنصر، كما قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. فمن هنا يكون الاستغفار.

قال أهل البلاغة: إن «متى» هنا تفيد الاستبطاء، فكأن أولياء الله استبطأوا نصره، فجاء قطعهم الخطاب القرآني بقول الله: ﴿أَلَا﴾ لإسكات ما كان من الكلام واستئناف لكلام أهم، فكأنهم يقولون: متى نصر الله؟ متى نصر الله؟ متى نصر الله؟ فجاء القطع بقول الله: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. والاستغفار من التقصير في حمد الله وفي شكره جل جلاله، ثم أيضاً الاستغفار لحظة النصر فيه إشعار للنفس بأنها في موقف التقصير والعجز، تطأ من كبريائها بطلب العفو والمغفرة.

وهذا هو الأدب الذي اتسمت به النبوة دائماً، وهو أدب يوسف عليه السلام بعد النصر والتمكين وجمع الأهل والإخوان: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]. وهنا يتوارى الجاه والسلطان.

وهو أيضاً أدب سليمان عليه السلام، وقد رأى عرش سبأ حاضراً بين يديه فقال: ﴿هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40]. وهذا أيضاً هو أدب النبي ﷺ في حياته كلها، وفي موقف النصر والفتح الذي جعله ربه علامة له، إذ انحنى لله شاكراً على ظهر دابته ﷺ ودخل مكة خاشعاً يقرأ كتاب الله.

فلما جاء نصر الله والفتح، سبّح بحمد ربه واستغفر. وقد روي أن النبي ﷺ حين دخل مكة عام الفتح كان يطأطئ رأسه ﷺ على رحله وهو يقول: «الحمد لله وحده»، وإن لحيته لتصطك برحله وهو يقول: «الحمد لله وحده، أنجز عبده، وأنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، هزم الأحزاب وحده». ومر به أحد الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعاً وهو يقول: من زهو النصر يا رسول الله؟ اليوم يوم ملحمة، يوم القتل، اليوم يوم الملحمة والانتصار والانتقام. فقال ﷺ: «بل اليوم يوم المرحمة، بل اليوم يوم المرحمة، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».

ثم ذكرنا لكم أيها الإخوة أن عام الوفود في السنة التاسعة للهجرة، أقبل كثير من وفود العرب على المدينة، على الطيبة التي طابت بوجه رسول الله ﷺ، يدخلون في دين الله أفواجاً كما سماهم الله عز وجل. فكانت الوفود تقبل وفداً بعد وفد من سائر أنحاء جزيرة العرب، وكان النبي ﷺ يتعرف على زعيم الوفد وأمير العشيرة، فكان إذا عرفه استقبله وسلم عليه ﷺ وأجلسه مكانه من الإكرام والضيافة، وكان يفعل ذلك تحبيباً للناس في دين الله وإكراماً لهم.

كان الوفود يتوافدون وفداً إثر وفد، حتى تجمعوا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاموا على الإسلام. وكان صلى الله عليه وسلم يأتيهم ويساامرهم ويعلمهم أمور الدين وأمور الشريعة، والأخوة في الله، وأركان الإسلام، ومناهج الدين.

وفي مرة من المرات تأخر عليهم عن مسامرتهم، فقالوا له: تأخرت علينا يا رسول الله على غير عادتك؟ فقال: «نسيت وردي من القرآن، فأردت ألا آتيكم إلا بعد أن أتمه». وفيه محافظة رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم انشغاله برسالته وأعظم وظيفة، وهي وظيفة الدعوة إلى الله وهداية الحيارى إلى الباري جل جلاله؛ فكان يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم مشتغلاً بالعبادة ومشتغلاً بالدعوة، وهكذا حياته صلى الله عليه وسلم بين العبادة والدعاء.

نستأنف بإذن الله بعد هذا الفاصل. هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: «إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك».

ومن أهمية الوقت أن الله أقسم به في كتابه، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه». وإذا أراد الله بالعبد خيراً أعانه بالوقت، وإذا أراد به شراً جعل وقته عليه.

وفي سيرته أروع الأمثلة على استغلال الوقت؛ فقد كان داود الطائي يصطف الفتيت ويقول: «بين سف الفتيت وأكل الخبز، قراءة خمسين آية». وقال ابن القيم: «أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، وإذا غلب عليه (المرض) وضع». ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات، فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

بشرى تنازل أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان، حياكم الله من جديد. ومن الأشياء التي حصلت في عام الفتح الذي ذكره الله عز وجل في هذه السورة، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة والصحابة معه، أصاب قريش ذعر أن ينتقم منهم صلى الله عليه وسلم، وأن يفعل كما يفعل الفاتحون من النهب والسلب والحرق، فما كان كذلك أبداً صلى الله عليه وسلم.

بل حين دخلوا مكة، أقبل الصحابة رضي الله عنهم إلى الكعبة وجعلوا يطوفون بالبيت الحرام، بالكعبة المحرمة المكرمة، فجعلوا يطوفون ويصلون ويركعون ويسجدون، منظر مهيب كان من الصحابة رضي الله عنهم حول الكعبة. فقالت هند بنت عتبة، وهي التي أكلت كبد حمزة رضي الله عنه، حين رأت هذا المنظر المهيب العظيم: «والله ما رأيت يوماً مثل هذا اليوم». كان هذا المنظر سبباً في إسلامها رضي الله عنها وأرضاها.

وأيضاً هرب أبو سفيان، زعيم قريش في وقتها، وكان صديقاً للعباس رضي الله عنه، وخاف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له العباس: «يا أبا سفيان»، يقول هذا، قال أبو سفيان للعباس: «والله يا عباس لو تمكن مني محمد صلى الله عليه وسلم لتلنني وولدي». قال العباس يقول هذا يا أبا سفيان؟ من لم يعرف محمداً صلى الله عليه وسلم؟ إنها النبوة وليست... يا أبا سفيان.

أقبل أبو سفيان وهو ينظر في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل له رسول الله شأناً، فقال صلى الله عليه وسلم: «من دخل البيت الحرام فهو آمن، ومن دخل داره فأغلق بابه فهو آمن»، فالتفت إلى أبي سفيان ثم قال: «ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن». فكانت حظوة في قلب أبي سفيان، وكانت من أسباب إسلامه، فأصبح صحابياً رضي الله عنه وأرضاه.

وأيضاً ممن أسلم بعد هند وأبي سفيان عمران بن الحصين، وكان الحصين والد عمران، أما عمران فهو صحابي سبق أباه إلى الإسلام. فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم في خيمته، أقبل إليه الحصين والد عمران، فما قام عمران ليسلم على أبيه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر، وظن أن الحصين سيتكلم أو سيء الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل على رسول الله وأعلن الشهادة والإسلام بين يديه صلى الله عليه وسلم، ثم ارتمى الابن عمران على أبيه وجعل يقبل وجنتيه وجبينه ويديه. فإذا أصابت رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة فاستعبر وبكى صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: «أما رأيت عمران حين دخل أبوه لم يقم ليسلم عليه، فلما أسلم وآمن قام وجعل يقبل أباه، فأصابتني في ذلك رقة فاستعبرت وبكيت». هكذا كان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأيضاً ممن أسلم من عام الفتح عثمان بن أبي قحافة، والد أبي بكر رضي الله عنه. فإن أبا بكر دخل مكة وجعل يبحث عن أبيه ووجده طاعناً في السن، مختلط شعر رأسه بشعر لحيته أبيض كله كأن رأسه ثغامة، والثغام هو الزهر الأبيض، وكان أبوه نحيفاً صغيراً قد بلغ من الكبر عتياً. فحمل أباه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله: «يا أبا بكر، هلا تركت الشيخ وأنا الذي آتيه؟»، فالحق له أن آتيه أنا، هكذا معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما رأى النبوة ورأى هذا الأدب وهذه الرقة، قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله»، فآمن وفرح أبو بكر فرحاً شديداً، إلا أن فرحة أبي بكر كانت ناقصة، فقد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، والله لو أن الله قد أفرحك وأقر عينك بإسلام عمك أبي طالب كما أقر قلبي بإسلام والدي عثمان بن أبي قحافة». فهكذا كان يتألم أبو بكر لتألم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه أراد أن يفرح قلب حبيبه ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وكانت يا أيها الإخوة، يا أيتها الأخوات، فتح مكة وهذه السورة من أعظم التوجيهات في أمر الدعوة إلى الله؛ وهي شكر للداعية الأول صلى الله عليه وسلم الذي أمضى ثلاثة وعشرين سنة من حياته في الصبر على الأذى والمشقة والمجاهدة والألم، وفقد القريب والصاحب والحبيب والولد والابنة، كل ذلك تضحيات وصبر في سبيل إيصال الدعوة إلى الله لنا. جاءتنا دعوة النبوة ونحن في راحة وفي سعة، أما هو صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقد باعوا أرواحهم وضحوا بأموالهم وديارهم وأولادهم لأجل الدعوة إلى الله. ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ on بصيرة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108].

قال الله عز وجل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. قال عمر رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنهما: الحمد لله أن الله قال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ ولم يقل: «أنتم»؛ لأنه لو قال «أنتم» لكنتم فقط أصحاب محمد ﷺ، ولكنه قال «أنتم» أي أنتم يا أصحاب محمد ومن جاء بعدكم ممن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر والإيمان بالله.

فالاشتغال بأمر الدعوة إلى الله واجب، الكبير والصغير، والعالم والمتعلم كل بحسبه، كما كان يقول الإمام ابن باز رحمه الله في آخر حياته: «الدعوة فرض عين على كل مسلم ومسلمة في هذا الزمان الذي كثرت فيه المنكرات وجاهر كثير من الناس ربهم بالذنوب والمعاصي، فهي فريضة على كل مسلم ولكن كل مسلم بحسبه يدعو إلى الله بما كان يعلم من العلم، ولا يدعو بعلم لا يعلمه؛ لأن الحكمة مطلوبة في الدعوة والعلم، والبينة مطلوبة في الدعوة فلا يصح أن يدعو الداعي بجهل».

ولكن كما قال النبي ﷺ: «بلغوا عني ولو آية». بلغ الآية التي تعرفها، وبلغ الحديث الذي سمعته، واملأ المجالس في البيوت وفي الأسواق والطرقات بأمر للدعوة إلى الله وبلا إله إلا الله؛ فإن النبي ﷺ كان يقول: «جددوا إيمانكم بلا إله إلا الله، إن الإيمان لأخلق أن يبيد فجددوا إيمانكم بلا إله إلا الله».

وقال موسى لربه جل جلاله: يا رب قل لي ذكراً أذكرك به، قال: «يا موسى قل لا إله إلا الله»، قال: يا رب كل الناس يقول لا إله إلا الله، قال: «يا موسى لو وضعت لا إله إلا الله في كفة والسماوات والأرض وعامرهن غيري في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله».

وكان النبي ﷺ في العشر السنين في مكة وقبلها الثلاث السنين كان يقول: «يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»؛ فإن الفلاح في لا إله إلا الله، ومن كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة.

اللهم اجعل آخر كلامنا لا إله إلا الله وأدخلنا الجنة. اللهم اجعلنا من الدعاة إليك وإلى رسولك ﷺ. اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا التأويل، واجعلنا دعاة إليك وإلى دينك وإلى دين حبيبك ﷺ. هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وإلى لقاء جديد بإذن الله في درس قادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا راغبات في كل علم نافع، متطلعة لزيادة الإيمان، وتريد...