يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريده سهلا النوال ميسرا، يأتيك ميسورا بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صاف، ليروي غلة الظمان. هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن. بشرى لنا ذات أكاديمية، للعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات في هذه الرحلة العلمية. يصاحب بعضنا بعضا في طريق طلب العلم، ما أجمله من طريق. هذا هو الدرس الخامس من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد.
وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلطَّاغِينَ مَآبًا لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 21-23] الآيات. وقلنا إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ أي معدة لهم، وهذا دليل على مذهب أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن. وقوله: ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ أي مرجعا يرجعون إليها. وقوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ أي ماكثين في النار مددا طويلة لا تنتهي.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ: 24] أي لا يجدون في جهنم بردا لقلوبهم ولا شرابا طيبا يتغذون به، ولهذا أتبعه بقوله: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25]. والحميم: الماء الحار الذي يحرق، والغساق: الزمهرير البارد، وقيل: صديد أهل النار والعياذ بالله. وقوله: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: 26] أي جزيناهم جزاء وافق أعمالهم، والجزاء من جنس العمل. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: 27] أي لا يخافون أن يحاسبوا، والمعنى أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بأنهم سيحاسبون.
وقوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: 28] أي بما جاءت به الأنبياء، وكذابا أي تكذيبا. قلنا إن قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: 29] أي كل شيء من الأعمال بيناه وكتبناه في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12]. وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 30] يققال لأهل النار: فذوقوا أيها المكذبون هذا العذاب الأليم والخزي الدائم، فلن نزيدكم إلا عذابا أي كل وقت وحين يزداد عذابهم.
هذا كان أيها الطلاب والطالبات ملخصا لما سبق من تفسير الآيات. في هذا الدرس نصحبكم إن شاء الله في رحلة في تفسير بقية سورة النبأ. لما ذكر تعالى وعيد الكفار، بماذا يتبعه؟ أنتم قولوا، في المقابلات في القرآن، المتقابلات من الحكمة الإلهية والعظمة القرآنية أنه عز وجل إذا ذكر أهل الجنة ذكر أهل النار، وإذا ذكر أهل النار ذكر أهل الجنة. إذا وعيد الكفار يتبعه بوعد الأبرار، فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: 31-34] الآيات. أي إتباع عاقبة المكذبين الكافرين وجزاء في الآخرة بتبشير من هم أهل الإيمان وأهل التقوى وأهل الجنة. هذه المقارنة تعقد في الذهن عندما تعرض المتقابلات، وهذا أوقع في النفس ولا شك، يعطيك الصورة كاملة ويجعلك تنتقل من عذاب هؤلاء إلى نعيم هؤلاء لترى الفرق الشاسع، فيزداد عندك النفور من أهل النار وأعمال أهل النار والاشتياق والرغبة في الجنة وأعمال أهل الجنة. فانتقل من ترهيب الكافرين بما سيلاقونه إلى ترغيب المتقين فيما أعد لهم في الآخرة من الكرامة والنعيم المقيم.
إذا من القواعد في التفسير أن القرآن مثاني، وقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابَهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: 23]. فاذا ذكر العقاب ذكر الثواب، وإذا ذكر أهل الخير ذكر أهل الشر، وإذا ذكر الحق ذكر الباطل، مثاني. ومن فوائد هذا أن يسير قارئ القرآن إلى ربه بين الخوف والرجاء، لأنه إذا غلب عليه الرجاء أو صار دائما في الرجاء أمن من مكر الله، وإذا غلب عليه الخوف وصار دائما يعيش أجواءه وقع في القنوط من رحمة الله والياس من روح الله، وكلاهما من كبائر الذنوب. لذلك نستفيد التوازن من طريقة العرض هذه.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ينبغي أن يكون الانسان في عبادته لربه بين الخوف والرجاء، فأيهما غلب هلك صاحبه. لذلك تجد القرآن يأتي بهذا وبهذا لئلا تمل النفوس، وليحصل الاعتدال في السير إلى الله بين الخوف والرجاء، وليكون الإنسان المسلم حين يقرا القرآن راغبا راهبا، وهذا من بلاغة القرآن ومن طريقة القرآن الحكيم في الدعوة وتربيتنا نحن.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ: 31] المتقون الذين اتقوا سخط ربهم، فالتقوى كما نعلم أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشى من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معصيته. أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: تمام التقوى أن يتقي العبد الله حتى يتقيه من مثقال ذرة، حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما، يكون حجابا بينه وبين الحرام. فإن الله قد بين للعباد الذي يصيرهم إليه فقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. فلا تحقرن شيئا من الخير أن تفعله، ولا شيئا من الشر أن تتقيه. وهذا كلام لابن رجب رحمه الله حول هذا في جامع العلوم والحكم.
إن للمتقين ماذا؟ إن للمتقين، وين اسم إن؟ اسم إن منصوب. أين اسم إن؟ مفازا. إن مفازا للمتقين. قدمهم إشادة بهم وأنهم أهم من العاقبه والمفاجأة البشارة العظيمة التي ستكون لهم. إن للمتقين مفازا، منجا من النار. ما المفاز؟ الفوز والنجاة من المكروه والظفر بكل محبوب. والله تعالى في القرآن يأمر أحيانا بتقوى يوم الحساب وأحيانا بتقوى النار، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189]، و﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131] فجمع بين الأمر بتقواه والأمر بتقوى النار، وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 281] فأمر بتقوى يوم الحساب. إذا تقوى الله واتقوا النار واتقوا يوم الحساب مؤداها واحد، فالمتقون هم الذين قاموا بأوامر الله واجتنبوا نواهي الله.
أيها الطلاب والطالبات، بعد قليل إن شاء الله سنتابع واياكم تفسير سورة عم. أنيق المنظر، طيب المخبر، مجالسته أنفع مجالسة، ومؤانسته أمتع مؤانسة، إنه الكتاب من خلاله نجالس العلماء والصالحين. قيل لابن المبارك: ألا تجلس معنا؟ قال: ما أجلس إلا مع الصحابة والتابعين. يعني قراءة سيرهم. وقد كان العلماء شغوفين بالكتب شراء وقراءة، قال ابن الجوزي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابا لم أره فكاني وقعت على كنز، ولو قلت إن إني طالعت عشرين ألف مجلد لكان أكثر. وطالب العلم لا تخلو مكتبته من الكتب الأساسية في شتى العلوم، ففي التفسير مثلا تفسير السعدي وتفسير ابن كثير، وفي العقيدة كتاب التوحيد والطحاوي والواسطية مع بعض الشروح، وفي الحديث الكتب السته مع أهم شروحها، وهكذا بقيه العلوم. وقبل الشراء استشر أهل الخبرة ليدلوك على أهم الكتب وأفضل الطبعات، لا سيما ما حققه العلماء الثقات كالألباني وبكر أبو زيد. احرص على التنويع في شراء الكتب ولا تقتصر على فن أو فنين، واعتن بكتب النوازل الفقهية والعقدية ولا تبخل بإعارة الكتاب وحافظ عليه إن استعرت، ولا تستكثر ما تنفقه في شراء الكتب، وصدق من قال: تلك النفائس لو تباع بوزنها ذهبا لكان البائع المغبونا.
بسم الله، مرحبا بكم أيها الأحبة، ونتابع واياكم هذا الدرس. وفي قوله تعالى: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ [النبأ: 32] هذا تفسير للاية التي قبلها: ان للمتقين مفازا، ما هو المفاز؟ فسره حدائق وأعنابا. لاحظوا مفاز منصوبه، حدائق بدل، وأعنابا. الحدائق جمع حديقة، الحديقة البستان كثيف الأشجار الملتف شجره، الأخضر الذي اشتدت خضرته. إن للمتقين مفازا حدائق، ليست حديقة واحدة، حدائق بساتين جامعة لأصناف الأشجار الزاهية من الثمار، وأعنابا. والأعناب طبعا من أنفس الفواكه والثمار والأغذية لأنها تصلح غذاء وفاكهة، يشرب عصير العنب ويؤكل الزبيب ويتفكه بالثمرة، فسبحان خالق المنافع.
هناك أنهار تتفجر من خلال هذه الحدائق، والحدائق كما قلنا بساتين النخل والأعناب والأشجار المحوط عليها بالأسوار والحيطان، هذه من صفات الحديقة، ولحدائق حيطانها وأسوارها بها سميت حديقة فهي محدقة، والحيطان بها محدقة، وإلا لم يقل لها حديقة. خص الأعناب لشرفها وكثرتها في تلك الحدائق وأيضا كثرة منافعها، حتى شوف الأعناب سبحان الله أيضا مثل النخل، الرطب كالعنب فاكهة، والتمر والزبيب غذاء إذا جففه. وألوان العنب أنواع، ألوان يتفاوت في الحلاوة، إذا أعناب ليس نوعا واحد من العنب.
طيب، وغير هذا: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ [النبأ: 33] الآن كله حال من المفاز. الكواعب جمع كاعب، وسميت كاعبا لأنه قد تكعب ثديها أي استدار مع ارتفاع، وهذا دال على شبابهن وقوتهن ونضرتهن. والأتراب الأقران في السن التي على سن واحد متقارب. ومن عادة الأتراب أن يكون متالفات متعاشرات، ولذلك إذا كانت الفتيات في سن واحد أقرب إلى الألفة. والسن الذي فيه هؤلاء الكواعب مع بقية أهل الجنة كله ثلاثة وثلاثون سنة، في أعدل سن الشباب. أترابا لا تختلف إحداهن عن الأخرى كبرا، كما في نساء الدنيا، ولو حصل اختلاف ربما تكون إحداهما محزونة إذا لم تساو الأخرى، لكنهن أتراب. وإذا صار التنعم في الجنة صار التنعم بهن ومعهن جميعا واحدا.
لكن كما نعلم نساء أهل الدنيا من أهل الجنة أفضل من الحور العين اللاتي في الجنة. الله عز وجل وصف الكواعب الأتراب في آية أخرى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ قَدْ قَصَرْنَ أَعْيُنَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ﴾ [الصافات: 48] ولم يتعدين في النظر إلى غيرهم. ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص: 52]. وقال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: 48-49] مصون مستور في غاية النقاء. وقال: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: 35-37] متحببات إلى أزواجهن بالكلام الجميل الحلاوة والملاحة أترابا لأصحاب اليمين، ولهم فيها أزواج مطهرة. وقال فيهن: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 56] ثم قال: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 58]، وقال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: 22-23].
وقد تسأل بعض النساء، المرأة ماذا لها في الجنة في مقابل الرجل الذي له أقل شيء من الحور العين اثنتان وقد يكون له سبعون وما بينهما وربما أكثر بحسب المنزلة؟ أولا ما في الجنة أعزب، فلو ماتت بلا زواج أو مطلقة أو أو لن يكون حالها في الجنة أنها وحيدة أبدا، لابد أن تزوج، ما في الجنة أحد غير متزوج، ليس في الجنة أعزب. والله عز وجل يرضيها ويعطيها حتى ترضى. ولا بد، ما يمكن من عمل صالحا من ذكر وأنثى. وعندما نقارن بين الحور العين ونساء الدنيا فإن المرأة المؤمنة في الجنة تفضل الحور العين بصلاتها وصيامها وذكرها ودعائها وتلاوتها وطاعة زوجها وبرها بابويها وعطفها على أولادها، فالمرأة الصالحة في الدنيا تكون خيرا من الحور العين في الآخرة وأطيب وأرغب لزوجها. وقد قال عليه الصلاة والسلام أخبر أن أول زمره تدخل الجنة على مثل صورة القمر ليلة البدر، والذي يظهر أن نساء الدنيا يكن خيرا من الحور العين حتى في الصفات الظاهرة.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: 34] يعني مملوءة من رحيق للشاربين. كاسا ملأى متتابعة. ما معنى دهاقا؟ تشتمل على عدة أوصاف، دهاقا ملأى، دهاقا متتابعة. والدهق المتابعة والتوالي. والكأس الدهاق المتتابعة على شاربيها بكثره وامتلاء. قال ابن عباس في قوله: وكأس دهاقا هي الممتلئة المترعة المتتابعة. وقال: وربما سمعت العباس يقول: يا غلام اسقنا وادهق لنا.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [النبأ: 35] أي كلاما لا فائدة فيه. اللغو هو الباطل ما يلغى من الكلام ويطرح. ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: 35] أي إثما، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: 25-26] وقال: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: 23] ليس فيها كلام لا غنية ولا فائدة ولا إثم كذب، بل هي دار السلام، كل ما فيها سالم من النقص. وقال قتادة في قوله لغوا ولا كذابا: لا باطلا ولا مأثما. لا يسمعون فيها، قيل في الجنة، وقيل ترجع إلى الكأس، أي لا يجري بينهم لغو في الكأس التي يشربونها ولا تتغير عقولهم فلا يتكلمون بلغو.
وقال: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: 36] جازاهم به كافيا وافيا، عطاء تفضلا منه تعالى. حسابا كافيا وافرا شاملا كثيرا، كما تقول العرب: أعطاني فأحسبني، أي كفاني، ومنه حسبي الله أي كافيا، يقال أحسبت فلانا أي أعطيته ما يكفيه حتى قال حسبي. ومعنى جزاء من ربك لهم عطاء حسابا أي بسبب أعمالهم التي وفقهم لها وجعلها سببا لدخولهم الجنة، كما قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 32].
والله يعطي هذا الثواب الجزيل من فضله، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «لن يدخل أحدا عمله الجنة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة». إذا الأعمال الصالحة سبب في دخول الجنة، ولكنها ليست ثمنا للجنة ولا معاوضة ولا مقابلة، فالباء هذه باء سببية وليست باء الثمنية. هذه فائدة نختم بها هذه الحصة الآن، أن الباء سببية وليست ثمنية، ونعود إليكم بعد قليل.
ليس كل ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحيحا، فكيف تعرف الصحيح من غيره؟ عن طريق علم مصطلح الحديث. والحديث النبوي هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف. والحديث الصحيح هو ما رواه عدل تام الضبط بسند متصل وسلم من الشذوذ -أي مخالفة من هو أرجح منه- ومن العلة القادحة، وهي أمر خفي يقدح في صحة الحديث. ومثله الحديث الحسن، غير أن راويه خفيف الضبط. والحديث المقبول -صحيحا كان أو حسنا- يجب العمل به في العقيدة والاحكام وغيرهما.
ويرد الحديث لسقط في إسناده أو للطعن في عدالة الراوي أو ضبطه. والحديث الضعيف لا يعمل به إلا بشروط: ألا يكون شديد الضعف، أن يندرج تحت أصل معمول به، ألا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط. وييجوز رواية الحديث بالمعنى بشروط: أولا أن تكون من عارف بمعناه، ثانياً أن تدعو الضرورة إليها، ثالثاً ألا يكون متعبدا بلفظه كالأفاظ الأذكار ونحوها. فاحذر من.
الأحاديث الباطلة لا تنشرها في مواقع التواصل أو غيرها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين».
الحمد لله، عودة إليكم مرة أخرى في ختام سورتنا: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: 1]. تأملوا معشر الطلاب والطالبات كيف قال تعالى في حق الكفار: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: 26]، وقال في حق المؤمنين: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: 36]. فبين في الأول أن مجازاتهم وفق أعمالهم ولا يظلم ربك أحداً، وبين في الثاني أن هذا النعيم عطاء من الله وتفضل عليهم به. المفاز في الآيات هذه يذكرنا بالمفاز المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]. وفي قوله: ﴿حِسَابًا﴾ إشعار بأن تفاوت أهل الجنة في الجنة بالحساب ونتائج الأعمال، فالجنة درجات.
لاحظوا معي: ﴿مَّن رَّبِّكَ﴾ [النبأ: 37]. من هذه مصدر، فالجزاء منه لا من غيره. الذي أعطاهم هذه العطايا هو ربهم، رب السماوات والأرض، الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، فرحمهم ولطف بهم حتى أدركوا ما أدركوا، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أعطاهم برحمته لهم هذا الجزاء المذكور، جزاء عظيم، جزاء من ربك عطاء حسابا رب السماوات وما بينهما الرحمن.
قال الله: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». فاقرأوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِي لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]. في البخاري ومسلم في الحديث الصحيح أيضاً الذي رواه الترمذي: «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». لما تذكر الجنة في القرآن تشتاق نفوس المحبين. يا حبذا الجنة واقترابها، طيبة وبارداً شرابها.
ما بالنا بدار غرسها الله بيده وجعلها مقراً لأحبابه، وملاها من كرامته ورحمته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: 13]. ووصف ملكها بالملك الكبير: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: 20]. أودعها جميع الخير بحذافيرها، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص.
فإن سالت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران، وإن سالت عن سقفها فهو عرش الرحمن، وإن سالت عن ملاطها، الطين الذي يخلط بالحجارة التي يبنى بها الحائط، فهو المسك الأذفر، وإن سالت عن حصبائها فهو اللؤلؤ والجوهر، وإن سالت عن بناائها فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، وإن سالت عن أشجارها فما فيها شجرة إلا وساقها من فضة أو ذهب لا من الحطب ولا من الخشب، وإن سالت عن ثمارها فأمثال القلال ألين من الزبد وأحلى من العسل، وإن سالت عن أنهارها فيها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.
وإن سالت عن طعام أهلها ففاكهة مما يتخيرون، وكذلك قال تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 21]. وإن سالت عن آنيتهم فآنية الذهب والفضة في صفاء القوارير، وإن سالت عن سعة أبوابها فبين المصراعين مسيرة أربعين من الأعوام وليأتين عليه يوم وهو كضيظ من الزحام، وإن سالت عن سعتها فأدنى أهلها له مثل الدنيا وعشرة أمثالها، وإن سالت عن ارتفاعها فانظر إلى الكوكب الطالع في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار، وإن سالت عن لباس أهلها فهو الحرير والذهب، وإن سالت عن فرشها فبطائنها من استبرق مفروشة في أعلى الرتب، وإن سالت عن وجوه أهلها وحسنهم فعلى صورة القمر، هذا ولا تسأل عن يوم المزيد وزيادة العزيز الحميد ورؤية وجهه الكريم كما ترى الشمس في الظهيرة والقمر ليله البدر.
فيا خاطب الحسناء إن كنت باغياً فهذا زمان المهر فهو المقدم فاقدم، ولا تقنع بعيش منغص فما فاز باللذات من ليس يقدم، وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها ولم يكن فيها منزل لك يعلم، فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان: 51-57].
لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الارض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحاً يعني عطراً بين السماء والارض، ولا نصيفها يعني خمارها على راسها خير من الدنيا وما فيها رواه البخاري. هذا تعزيز للمحجبات، ولا نصيفها خمارها على راسها خير من الدنيا وما فيها رواه البخاري.
فأي نعيم أعظم من هذا النعيم؟ ثم قال تعالى: ﴿رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النبأ: 37]. إذا جزاء من ربك عطاء حسابا رب السماوات وما بينهما. إذا من ربك؟ ربي هذا بدل يتبع المبدل منه، إذا كان ذاك مجروراً فيكون هذا مجروراً. من ربك عطاء حسابا؟ من هو؟ ربي السماوات والأرض وما بينهما الرحمن، لا يملكون منه خطابا. فالذي أعطاهم هذه العطايا هو ربهم، رب السماوات والأرض الذي خلقها ودبرها، الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء لطف بهم.
ثم ذكر تعالى عظمته وملكه العظيم يوم القيامة وأن جميع الخلق يومئذ ساكتون من رهبة له وخشية منه لا يتكلمون، فقال: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ [النبأ: 37]. فلا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا باذنه، كقوله: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، وكقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: 105]. قال المفسرون: لا يقدر الخلق على أن يكلم الرب إلا بإذنه، ما أحد يتكلم أصلاً إلا أن يأذن الله له بالكلام. وقيل: لا يملكون شفاعة إلا باذنه في تفسير الآية.
إذا هذه الآيات فيها من الفوائد بيان كرامة المتقين، فضل التقوى، وصف جميل لنعيم الجنة، ذم الكذب واللغو، تقرير عقيدة البعث والجزاء، الترغيب في العمل الصالح اجتناب العمل الفاسد. نسأل الله أن يدخلنا الجنة برحمته، وأن يعلي درجاتنا فيها، وأن يرزقنا الفردوس الأعلى منها، إنه على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين.
يا راغباً في كل علم نافع متطلباً لزيادة الإيمان وتريده سهلاً النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صاف صف صاف ليروي غلة الظمآن. هذا كتاب الله روح قلوبنا خير الدروس تعلم القرآن. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد