تسجيل الدخول

المحاضرة 3 - تفسير سورة النبأ (20:17)

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات في أكاديمية زاد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله، هذا هو الدرس الثالث من سلسلة محاضرات مادة التفسير. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: 6-16].

وقلنا إن في هذه الآيات بيان قدرة الله عز وجل وعلمه، وأنه أكبر دليل على صحة البعث وإمكان وقوعه. وقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾، أي: ممهدة للخلائق ذلولاً لهم، قارة ساكنة ثابتة. ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾، أرسينا بها الأرض وثبتناها وجعلناها قراراً تصلح للسكن والعمل عليها. وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾، أي: ذكراً وأنثى ليحصل التناسل والسكن والاستمتاع. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾، أي: قاطعاً للحركة لتحصل الراحة من جراء العمل والسعي في المعايش في عرض النهار. وفي هذا تقرير للبعث؛ فالنوم موت يشبه حال الموتة الكبرى من جهة، والاستيقاظ يشبه البعث بعد الموت من جهة أيضاً.

وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾، أي: يغشى الناس ظلامه وسواده، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 4]، وقيل: جعلنا الليل لباساً أي سكناً. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾، أي: مشرقاً مضيئاً منيراً ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب ونحو ذلك. وقوله: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾، أي: سبع سماوات محكمات وثيقة البنيان. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾، أي: هذه الشمس المنيرة على جميع العالم يتوهج ضوئها لأهل الأرض. وقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾، المعصرات الريح، والراجح السحاب لقرينة حرف الجر (من)؛ فلم يقل: وأنزلنا بالمعصرات، وإلا لقلنا الريح تعصر السحاب، لكن: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ فهي السحابة تعصر مطرها. وقوله: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾، أي: منصباً متتابعا كثيراً.

وقوله: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾، أي: لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المبارك حَبًّا يدخر للناس والأنعام، ونباتاً خضراً يؤكل رطباً كذلك، وجناتٍ أي بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة وألوان مختلفة وطعوم وروائح متفاوتة وقد تكون في بقعة واحدة دليلاً على قدرته سبحانه. وقد قال: ﴿أَلْفَافًا﴾ أي مجتمعة. ولاحظنا الترتيب في النزول: السماوات، الشمس، المعصرات، الأرض، والحب والنبات.

قوله سبحانه وتعالى في هذه الآيات تناسق تبينه هذه الآيات؛ لابد أن يكون هناك من خلقه وأوجده ورتبه ونظمه ودبره. وإذا ارتقى القلب في العلم تكشفت له وجوه التدبير والتنسيق والترتيب والتنظيم تذهل العقل وتحير اللب، ولا يمكن أن يكون ذلك مصادفة، كما يقول الملاحدة هروباً من السؤال الكبير: من أين جاء الكون؟ إن لهذا الكون خالقاً، وإن له مدبراً. وإن توالي هذه الحقائق والمشاهد، وإن جريان الأفلاك والكواكب، وإن الحركة التي تتم؛ حركة النمو، والأظمة الموجودة، نظام التنقل، التوالد، هذه الأنظمة الموجودة في المخلوقات أنظمة مدهشة، لابد أن يكون هناك عليم قدير حكيم خبير مدبر لهذه الأمور.

هذا الليل وما وراءه من الستر والإنزواء، والنهار وما فيه من المعاش والوعي والنشاط، والسبع الشداد والسراج الوهاج، ونزول الماء من المعصرات وخروج الحب والنبات؛ إنه لأمر قطعي الدلالة على وجود الخالق الحكيم. ومن هنا يلتقي السياق بالنبا العظيم الذي يختلفون فيه، ويقول لهم: كما أنني خلقت ودبرت هذا الذي ترونه ووصفته لكم في هذه الآيات، فإنني قدير على أن أعيد الأجساد يوم الميعاد. ولذلك بعد ما ذكرها قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ: 17]، هذا الذي تختلفون فيه وتكذبون به. انها نقلة عجيبة واستدلال مدهش ولفت للانظار والأذهان. نعود اليكم بعد قليل إن شاء الله لإكمال التفسير.

يتابع طلاب أكاديمية زاد دروس الأكاديمية ومحاضراتها عبر قناة زاد الفضائية وعبر موقع الأكاديمية على شبكة الإنترنت. وتحظى هذه الدروس والمحاضرات بثناء الطلاب والدارسين لما يجدونه فيها من سهولة في الشرح وإيضاح للأفكار وتبسيط للمعلومات. ويتجلى ذلك فيما ينشرونه من تعليقات يؤكدون فيها فهمهم للدروس والإفادة التي يجنونها من المحاضرات، وفيما ينشرونه أيضاً من صور تعرض تلخيصهم للمعلومات وحلهم للمسائل والأنشطة وأدائهم للواجبات. أكاديمية زاد.. علم يزداد.

بسم الله، وحياكم الله مرة أخرى. نتحدث الآن عن النقلة؛ الدلائل إلى المستدل عليه، من الأدلة إلى المستدل عليه، الأدلة المستدل به، والمستدل عليه ما هو؟ يوم البعث، إحياء الله للأجساد. هنا ترتيب في الإقناع. ذكر أولاً القضية التي فيها الخلاف: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ: 1-3]، ثم ذكر أدلة القدرة على الإيجاد والبعث في ذلك اليوم، ثم قرره أن يوم الفصل كان ميقاتا. ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: 18-20].

وشرع يذكر ما فيه أن الناس لم يخلقوا عبثاً؛ فالذي قدر حياتهم وأرزاقهم، والذي رتب لهم هذا الكون ليعيشوا فيه، ما فعل ذلك سُدى ولا هملاً ولا عبثاً، وإنما لحكمة عظيمة، ليس لأجل أن تكون المسألة أرحام تدفع وأرض تبلع، الله أحكم من ذلك، يعيشون ويموتون ويذهبون في التراب ضياعاً لا يمكن، وإنما لعبادته وحده ليلقوه في ذلك اليوم فيجازيهم، هنالك يوم للحكم والفرقان والفصل بين الظالم والمظلوم، للفصل في الخصومات، للفصل بين أهل الحق وأهل الباطل: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ: 17] وقتاً ومجمعاً وميعاداً للأولين والآخرين للجزاء بعد الحساب. فيوم القيامة مؤقت بأجل معدود، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله عز وجل، كما قال: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾ [هود: 104]. يوم الفصل لتمييز المسيء من المحسن والفصل بينهما: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: 7]. وقال عز وجل: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: 22]. وقال: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: 38]. يفصل الله فيه بين عباده بالعدل من قضائه في مكان فيه يختلفون ويختصمون، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: 25]. وقال: ﴿لَن تَنفَعَكُمْ أرحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: 3]. القرآن يفسر بعضه بعضاً. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يوم يفصل الرحمن عز وجل بين الخلائق. قال في تفسير الآية: إن يوم الفصل. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: 40]، يوم يفصل فيه بين الناس بأعمالهم.

فيوم الفصل إذاً أيها الإخوة والأخوات هو يوم القيامة؛ يوم القضاء بين الخلق، ميقات من الله للثواب والعقاب بعد جمع الخلائق، فصل الحكومات وقطع الخصومات. ولذلك سمى الله تعالى يوم القيامة أيضاً الحاقة؛ لأنه يتحقق فيها الوعد والوعيد والثواب والجزاء وحقائق الأمور. وسماها يوم الدين، والدين بلغة العرب الجزاء والمكافأة والحساب.

إذاً: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [النبأ: 17-18]. ماذا سيحدث في ذلك اليوم؟ قال: ينفخ في الصور كما نفخ فيه لإماتة ينفخ فيه للبعث. ما هو الصور؟ كهيئة البوق، قرن، قرن ينفخ فيه فتأتون إلى موضع العرض وساحة القضاء، يوم تبدل الأرض غير الأرض، وتصبح طبقاً واحداً ثقيلاً كالمرآة، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وإنما هو على مستوى واحد، لا يستطيع أحد أن يخْتف وراء شيء، لا يوجد شيء للاختفاء وراءها، إنها مبسوطة. تأتون أفواجاً زمراً زمراً أمماً أمماً، كل أمة معها إمامها وأمامها نبيها: ﴿يَوْمَ نَدْعُوكُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71]. وفي ذلك اليوم من القلاقل والزعازع ما يشيب له الوليد وتنزعج له القلوب، فتسير الجبال حتى تكون كالهباء المبثوث، وتشقق السماء حتى تكون أبواباً، ويفصل الله بين الخلائق بحكمه وتوقد جهنم التي أرصدها الله للطاغين وأعدها.

يوم ينفخ، ينفخ هذا فعل مبني للمجهول، لم يذكر النافخ، لكننا نعلم من الأدلة الأخرى أن النافخ هو إسرافيل عليه السلام، وأن الأمر بالنفخ هو الله عز وجل، وأن المنفُوخة نفختان؛ النفخ يكون مرتين: الأولى يفزعون فيصعقون ويموتون، والثانية يبعثون ويقومون من قبورهم وترد أرواحهم في أجسامهم. قال: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: 18] الآية فيها اختصار؛ ينفخ في الصور لتنبتون وتحيون وتقومون وترد أرواحكم فيكم وتأتون مسرعين فوجاً فوجاً على رأس كل فوج إمامهم ونبيهم. أيها الدارسون والدارسات، نسأل الله أن ينجينا من أهوال ذلك اليوم. وقفة قصيرة ثم نعود لمتابعة تفسير هذه الآيات.

حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين، وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم. ومن المعاملات التي تورث فوضى بين المسلمين: بيع المسلم على بيع أخيه أو شراؤه على شراء أخيه، لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه». والشراء مثل البيع؛ فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه. ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمرو سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، أو أبيعك مثلها بعشرة، فهذا بيع على بيع المسلم لا يحل. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمرو سِراً بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم. قال: أنا أطيك فيها عشرة أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه. والراجح أن البيع على البيع حرام؛ سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع، لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.

بسم الله، وعودة إلى تفسير آيات سورة عَمَّ. بعد وقوع أشراط الساعة الكبرى، يأمر الله تعالى إسرافيل عليه السلام فينفخ في الصور نفخة الفزع فيطولها، فلا يبقى أحد من أهل الأرض ولا السماوات إلا فزع ثم صعق ومات، إلا من شاء الله كالحور العين والولدان المخلدين في الجنة. ولا يسمع النفخة أحد من أهل الأرض إلا رفع صفحة عنقه وأمال الأخرى، ويستمع هذا الأمر العظيم الذي قد هال الناس وأزعجهم عما كانوا فيه من أمر الدنيا وصعقهم وصدمهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّمَاوَاتِ وَمَن في الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: 87]. وقال: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ [ص: 15]. وقال: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِيرنَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: 8-10]. ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: 13-14] أرض المحشر.

هذا نلاحظ في القرآن إجمال في موضع وتفصيل في موضع أو مواضع تعطي الصورة الكاملة. بعد الصعق والموت، يحيي الله إسرافيل الذي مات، ويأمره سبحانه أن ينفخ نفخة البعث ليقوم الناس لرب العالمين. ذكر الله تعالى النفختين في قوله عز وجل: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَفُونَ﴾ [الزمر: 68-70]. وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم يَنظُرُونَ﴾ [الصافات: 19-20]. وقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: 101-102] نسأل الله أن يجعلنا منهم، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 103]. نعوذ بالله منهم.

ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين النفختين أربعون». قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوماً؟ قال: أبيت -يعني امتنع عن الكلام لا قول مني لأنه ليس عندي علم-. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت. «ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه؛ عجب الذنب العظم اللطيف المستدق في أسفل الصلب العصعص فيه يركب الخلق». الحديث رواه البخاري ومسلم. وجاء عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ». قال المسلمون: فكيف نقول يا رسول الله؟ -يعني إذا واحد سمع النبا الخبر العظيم الصعب المزعج الخطير ماذا يقول؟ ماذا يفعل؟- قال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله ربنا، أو على الله توكلنا». والحديث رواه الترمذي وهو حديث صحيح.

إذاً هذا بالنسبة لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: 18]. وماذا يحدث أيضاً؟ قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: 19] طرقاً ومسالك لنزول الملائكة؛ لأن كل أهل سماء من الملائكة ينزلون لحصار الثقلين في أرض المحشر، فيكون حول الثقلين في أرض المحشر سبعة أطواق من الملائكة. وهذا الحصار الذي ذكره الله بقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: 33] ولا سلطان إلا سلطان له. هذه السماوات العظيمة كانت من قبل شداداً مسمكة، ما ترى فيها من فطور ولا صدوع، تحدث لها حالات عجيبة؛ تتشقق وتتقطع، تصبح أبواباً وتطوى طياً: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: 104]، وتذوب ذوباناً وتصبح ورّدة كالدهان حمراء وتطش على العباد. سبحان الله! شيء عجيب.

التفتيح المذكور في الآية هو الانشقاق المذكور في قوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1]، والانفطار المذكور في قوله: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: 1]. إذاً، في سورة عَمَّ: الفتح، وفي السورتين الأخريين: التشقق والإنفطار، والمعنى متقارب: تفتيح، تشقيق، تفطير. الله عز وجل على كل شيء قدير؛ يعني شق هذا الجرم العظيم الذي سمكه مسيرة خمسمائة سنة عند الله ولا كفتح باب بالسهولة والسرعة. ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: 19] يشققها الله كالابواب، وتصبح من كثرة شقوقها كأنها أبواب مفتحة لنزول الملائكة من خلال هذه الفتحات. هذا التصوير لما يحدث من الشدائد والخطوب لشيء مما يحدث من الشدائد في ذلك اليوم. نسأل الله أن ينجينا من أهواله.

الله عز وجل ذكر فتح السماء في آيات عديدة من القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: 37]. تذوب وتتلون كما تتلون الأصباغ، فتارة حمراء، صفراء، زرقاء، خضراء من شدة الأمر.

فيومئذ وقعت الواقعة، وشقت السماء فهي يومئذ واهية. قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1-2]؛ يعني سمعت وأطاعت، وحق لها أن تطيع. وقال: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُطِرَتْ﴾ [المزمل: 18]، وقال: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: 9]؛ يعني صارت فروجاً وشقوقاً. في تفتيح السماء عبرة، لأنها كانت ملتئمة طبقا واحداً ما عرف فيها من فطور، لكن جاء أوان زوالها، وهذا فيه تهويل ليوم الفصل. ماذا سيحدث أيضاً؟ الآية تقول: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: 20].

فقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: 20]؛ يعني لا شيء، كما أن السراب يظنه الرائي ماء وليس بماء. وقيل: سيرت، نسفت من أصولها وازيلت عن مواضعها. الجبال ذكرها الله في عدة آيات، وذكر لها أحوالاً يوم القيامة عدة أحوال. أول أحوالها الاندكاكة، وهو قوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: 14]. الحالة الثانية: تصبح كالعهن المنفوش، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمَهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: 8-9]. وقال: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: 4-5].

هناك أيضاً حال ثالث بعدها، إذا صارت كالصوف المنفوش الذي ذهب وتمزق. الحالة الثالثة: أن تصبح كالهباء، فتتقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن، وهو قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا﴾ [الواقعة: 5-6]. والحالة الرابعة: أن تنسف بإرسال الرياح عليها، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: 105]. والخامسة: أن ترفع عن وجه الأرض وتطيرها الرياح متفرقة كأنها غبار، سبحان الله.

هذا المذكور في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: 88]، يأتي عليها وقت من نظر إليها من بعد يحسبها لتكاثفها جسماً جامداً، وهي في الحقيقة تمر بسبب مرور الرياح، سيرت مندكة متفتتة ذاهبة، ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة. والحالة السادسة: أن تصبح سراباً لا شيء، من نظر إلى مواضعها لا يجد فيها شيئاً، وسيرت الجبال فكانت سراباً، هذا الموضع. الحالة الأخيرة للجبال المذكورة في سورة عم.

فمن هذه أيها الأخوة والأخوات أهوال عظيمة تجري يوم القيامة، فيأتي كل واحد حافياً عارياً، فينظر فإذا السماء قد انفطرت وانشقت وفتحت، والارض زلزلت ومدت والقت ما فيها وتخلت، واذنت لربها وحقت، والجبال نسفت ودكت وسيرت، والوحوش حشرت، والبحار سجرت وفجرت، والقبور بعثرت، والنفوس زوجت، وعلمت ما قدمت وأخرت وأحضرت، والأمم على الركب جثا، وترى كل أمة جاثية، كل أمة تدعى إلى كتابها، والأبصار قد شخصت والاعناق قد امتدت.

وجهنم قد قربت والجنة أزلفت، وارتكمت سحائب الأهوال، وانعجم البليغ في المقال، وعنت الوجوه للقيوم، واقتص من ذي الظلم للمظلوم، وساوس الملوك للأجناد، وجيء بالكتاب والأشهاد، وشهدت الأعضاء والجوارح، وبدت السوءات والفضائح، وابتليت هنالك السرائر، وانكشف المخفي في الضمائر، ونشرت صحائف الأعمال تؤخذ باليمين والشمال، طوبى لمن يأخذ باليمين كتابه بشرى بحور عين، والويل للأخذ بالشمال وراء ظهر للجحيم في مصال. والوزن بالقسط فلا ظلم ولا يؤخذ عبد بسوى ما عمل، فبين ناج راجح ميزانه ومقرف أوبقه عدوانه.

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]. نسأل الله سبحانه وتعالى النجاة من أهوال يوم الدين، نسأله أن يجعلنا ممن يأتيه بقلب سليم، نسأله الأمن يوم الفزع الأكبر، وأن يؤتينا صحائفنا باليمين، نسأله أن يظلنا في ظل العرش وأن يدخلنا الجنة أجمعين. إلى درسنا القادم استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يأتيك ميسوراً بأي مكان.