تسجيل الدخول

المحاضرة 2 - تفسير سورة النبأ (16:4)

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغب في كل علم نافع، متطلع لزيادة الإيمان، وتريد سهلا يأتيك ميسورا بأي مكان؛ كتاب الله رح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله مع الدرس الثاني من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد.

سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير سورة النبأ، وقلنا إنها سورة مكية، معظم مقصودها ذكر القيامة، وإقامة الحجة على البعث، وصفة يوم الحشر، وعذاب العاصين، وثواب المطيعين يوم القيامة، وقيام الملائكة، وتمني الكافر أن يكون ترابا. وبينا أن قول الله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ: 1-3] معناه عن أي شيء يتساءل هؤلاء المشركون؟ وأن الاستفهام للتفخيم والتهويل والتعجيب من الجدال في حق وأمر واقع مع وضوح أمره وبيانه.

وسبحان الله يا إخوان، هذه مسألة البعث، لو سألت عاقلا كافرا في الدنيا، يوجد مظلوم يموت مظلوما وظالمه قوي حتى يموت، ومقهور يموت كمدا وقاهره قوي حتى يموت، هل يمكن أن ينتهي المشهد هكذا من غير محكمة يعاد فيها الحق إلى صاحبه؟ لا يمكن، حتى العقل المجرد يشهد على وجوب البعث وأن يكون هناك يوم حساب، لأن قوانين الدنيا ومحاكم الدنيا والأنظمة الجزائية والردعية في الدنيا لا يمكن أن تكافئ كل محسن وتعاقب كل مسيء.

إذاً هذا حق قادم، لكن الناس فيه بين مؤمن وكافر، ومصدق ومكذب. قال تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: 4-5] تهديد شديد ووعيد أكيد وردع للذين يشككون ويجحدون ويكذبون بالنبأ العظيم، أنه أمر واقع وسيأتي قطعا، وسيعلمون عاقبة تكذيبهم.

نواصل الكلام في الآيات مستعينين بالله تعالى. قال سبحانه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: 6-16]. لما ذكر الله تعالى عن الكفار إنكارهم البعث والحشر، وأراد إقامة الدلالة على صحة الحشر، قدم لذلك بمقدمة في بيان كونه قادرا على كل شيء سبحانه وعليما بكل شيء. خلق وأتقن، سبحانه، هذه الأشياء من جهة حدوثها تدل على القدرة.

إذاً، استحضروا معي مسألة الرد على المكذبين وإقناع هؤلاء الجاحدين؛ كيف سيتم؟ ما هو المدخل في الإجابة عن تكذيبهم؟ ما هو المدخل في الرد عليهم؟ لاحظوا معي قضية كبرى بدأت بها الآيات، بدأت بها السورة، جحد اليوم الآخر. وهؤلاء الذين يجحدون لا يؤمنون بقدرة الله، لو كانوا يؤمنون بقدرة الله على البعث لأقروا.

إذاً الأمر هنا له مدخل في بيان قدرة الله عز وجل، فكيف كان سياق الآيات في الإقناع بقدرة الله؟ ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾، وذكر الأزواج والنوم والليل والنهار والسبع الشداد والشمس السراج الوهاج والسحاب والمعصرات وإخراج الحب والنبات. هذا بعث من موت، لأن الأرض ميتة، فإذا أنزل عليها ماء من المعصرات خرج الحب والنبات والجنات الملتفة. هذا تمهيد عظيم وإقناع كبير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لمن كان يريد دليلا أو بينة.

إذاً هذا القرآن لا يحكي فقط جحود الجاحدين، لكن يبين كيفية الرد عليهم. نحن الآن في سياق إقامة دلالات على قدرة الله على البعث، والمقدمة هنا في بيان ما خلق، وأن خلقه لهذه الأشياء دلالة على القدرة، هذه القدرة ما دامت موجودة إذاً سبحانه وتعالى يقدر على البعث وإيجاد عالم الآخرة.

فكأن المعنى لما كان النبأ العظيم الذي يتساءلون عنه والبعث والنشور وكانوا ينكرونه، قيل لهم: ألم يخلق من وعد بالبعث والنشور مخلوقات عظيمة عجيبة دالة على كمال قدرته، فلماذا تنكرون قدرته على البعث؟ ألم يجعل الأرض مهادا، ألم يجعلها ممهدة للخلائق ذلولا لهم قارة ساكنة ثابتة؟ لو كانت دائما تهتز وكانت دائما مزلزلة، هل يمكن أن يستقر عليها بناء، أو يتم لهم مشي فيها أو عيش عليها أو بناء أو زرع؟ جعل الله الأرض ممهدة، ليست صلدة كلها لا يستطيعون لها حرفا ولا فيها زرعا، وليست باللين الرخوة التي لا يستقر عليها شيء ولا قواعد ولا بنيان، لكنها على حسب مصالح البشر جعلها الله سطحا ميسرا للجلوس عليها والاضطجاع والمشي والبناء والزرع. هذا أيضا فيه تذكير بالامتنان.

إذاً نلاحظ أن الآيات تسير في سياق القدرة، بيان القدرة، الامتنان. فجعل الله سبحانه وتعالى الأرض ملائمة للمخلوقات التي تعيش عليها، ومن صنع هذا الصنع لا يعجزه أن يعيد الأجسام مرة أخرى.

وقفة قصيرة ثم نتابع درسنا. إن اردت النجاح في الدنيا والسعادة في الاخرة، فاسلك طريق العلم. لكن الافات على هذا الطريق كثيرة، منها الرياء بان يراد بالعلم الشهرة وثناء الناس. قال صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار». ومنها الكبر والعجب، قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر. ومنها الحسد، قال تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19] أي بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم. ومنها الانشغال بالدنيا وملهياتها وأشغالها عن تحصيل العلم النافع. ومنها التعالم والتصدر قبل التأهل، فإن التصدر يمنع من تلقي العلم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا. ومنها الفتور والكسل، قال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك». فالزم طريق العلم، ولا تصدنك الآفات، واحذر من قطاع الطريق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6].

بسم الله. ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ تثبت الأرض رواسي حتى لا تضطرب وتستقر وتسكن. هذه الجبال لها جذور راسخة في الأرض، كما أن الوتد يكون أكثره في الأرض مضروبا تحت وبعضه ظاهر فوق لأجل استقرار هذه الخيمة التي تربط به. ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا، أوتادا لهذه الأرض لتستقر هذه نعم، أفلا تشكرونها، هذه آيات أفلا تؤمنون بقدرتي من أوجدها؟

ثم قال: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ يعني ذكرا وأنثى ليحصل التناسل والسكينة والمحبة والقرار النفسي والاستمتاع والتلذذ. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21] وليحصل التناسل وبقاء الجنس. يمتن الله عليهم أن خلقهم وجعل للانثى ذكرا وللذكر أنثى، ويحصل التعاون والتشارك والانس والتنعم. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189] فكل منهما يسكن إلى الاخر. فاشكروه انظروا في نعمه.

و﴿جَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ هذا الانسان الذي يعمل يزرع ويصنع ويكدح ويتعب لكسب عيشه يحتاج إلى راحة، فكيف تكون راحته؟ جعل له نهارا يعمل فيه وليلا يرتاح فيه. وجعلنا نومكم سباتا، السبات قطع الحركة، النوم سكون لتحصل الراحة. وهذا النوم ليس ثقيلا جدا بحيث لا يمكن القيام منه، ولا خفيفا جدا بحيث يشعر بما حوله، فلا يكون نومه مريحا، كلا، يمكن دفعه وقطعه، وكذلك يكون بالاستغراق فيه استغراقا بقدر معين. إذا قلنا سبات يعني قطعه، فما معنى أن يكون النوم سباتا؟ يعني يقطع عن الحركة لأجل الراحة ويمكن قطعه والقيام منه والاستيقاظ.

الكلام هنا انتقل من الاستدلال بخلق الناس إلى الاستدلال بأحوالهم. ذكر النوم فيه علاقة لطيفة بمسألة البعث، لأن النوم موتة صغرى، وكما يوقظكم من منامكم يبعثكم من مماتكم. والموتة الصغرى التي تموتونها بالنوم ثم يبعثكم فيه ومنه أنه شبيه بتلك الحالة التي سيكون فيها موتة كبرى وخروج للروح بعث بعد ذلك. إذا تقريب، هذا تقريب تدبير نظام النوم ويطرأ عليهم اليقظة أشبه حالا بحال الموت وما يعقبه من البعث.

الله سبحانه وتعالى قرر لهم البعث وصحته وحقيقته من وجوه ثلاثة هنا: الاول من قدر على إنشاء هذه الأفعال البديعة قادر على البعث. الثاني من أبدع هذه المصنوعات على هذا النمط الرائع بعلمه وحكمته ولاجل الغايات الجليلة والمنافع الجميلة لا يمكن ألا يجعل لهذه المخلوقات عاقبة، بل سيجعل لها عاقبة. ثالثا باعتبار نفس الفعل، فإن اليقظة بعد النوم أنموذج للبعث بعد الموت نشاهد يوميا، أفلا يكون فيه تذكرة لمنكري البعث، كأنه يقول لهم: إننا نفعل بكم هذه الأفعال كل يوم، ننيمكم بموتة صغرى ونوقظكم ببعث أصغر، فما لكم تنكرون الموتة الكبرى والبعث الأكبر؟

ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ يعني يغشى الناس ظلامه وسواده، كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 4] إذا غشاها ما غش غطاها. وهكذا الليل إذا جاء يغطي ويغشى الناس ويكون سكنا لهم ليناموا، حتى قال بعض المفسرين إن الله جعل هذا الليل على الأرض بمنزلة اللباس يجلل الأرض كأنها تلبسه ويكون جلبابا لها. والذين خرجوا اليوم في المحطات الفضائية يصورون الليل يعقبه النهار وحال الأرض إذا جاء الليل وكيف يغطي ويغشى، وإذا صعدت الطائرة وغابت الشمس عن سطح الأرض إذا ارتفعت ترى الشمس مرة أخرى وتجد الأرض بعد ذلك كسيت بلباس أسود لا ترى شيئا منها، كل ما تحتك سواد.

وجعلنا الليل لباسا، ما وجه الامتنان هنا؟ أن ظلمة الليل تستر الإنسان عن العيون ولذلك يحتاجه المجاهدون في سبيل الله، يحتاجه حتى من يغشى أهله، يحتاجه الناس في أغراض يحتاجون الليل جدا. والانسان بسبب اللباس يزداد جمالا وتتكامل قوته، فكذلك لباس الليل فيه نوم يزيده جمالا وقوة وندفع عنه فيه أذى التعب الجسماني والنفسي. وفي المقابل: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ مشرقا منيرا مضيئا ليتمكن الناس فيه من التصرف والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات. أشياء متقابلة دالة على القدرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المؤمنين.

وقفة قصيرة أيها الأخوة والأخوات ثم نتابع درسنا. هل كان أجدادنا يتخيلون أن يرسلوا رسالة من المشرق إلى المغرب في لمح البصر؟ هل كان أسلافنا يتصورون أن يلتقوا بالعلماء في أقصى الأرض دون أن يرحلوا إليهم؟ إنها التقنية الحديثة. فالاستخدامها في طلب العلم ميزات، منها سرعة ويسر الوصول إلى المعلومة، وضخامة المعلومات وتنوعها، والتواصل مع العلماء حيثما كانوا. ومن ميزاتها الكبيرة تيسير طلب العلم على المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، فلا غنى لطالب العلم عن الحاسوب بما عليه من مكتبات ضخمة حيث يمكنه البحث في ألوف الكتب في ثوان معدودة، لكن عليه الحذر من التصحيف والتحريف. ولا غنى له عن استخدام الإنترنت في أبحاثه، لكن عليه أن يوثق المعلومات من المصادر المتخصصة ولا يكتفي بالمنتديات ونحوها. والتعليم عن بعد من خلال الإنترنت يسر طلب العلم للمشغولين بالوظائف والأعمال الخاصة، والأجهزة اللوحية بتطبيقاتها وبرامجها سهلت التعب تعلم حيث أنها في كف طالب العلم حيثما حل وارتحل. وكذلك الفضائيات لا سيما العلمية المتخصصة سهل الطالب العلمي في البيوت، فهي من أنسب الوسائل التعليمية للنساء. فلتستفد بميزات التقنية ولتحذر من شرها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطى، ومن يتق الشر يوقه».

بسم الله. ذكرنا الآن عدة آيات من صنع الله تبين قدرته ونعمته، وهناك المزيد في هذه السورة. ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ محكمات عظيمة الخلق، وثيقة البنيان، لها أبواب وأركان، وفيها أبراج، ولها سمك واتساع وارتفاع وأحكام وتزيين بالكواكب. السماء بناء عظيم جدا، ولذلك أقسم الله به: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: 5]. فليتأمل المتأمل في صنع الله في علو هذه السماوات وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بنيانها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها ومقاديرها وأشكالها وأفلاكها وتفاوت مشارقها ومغاربها، بل هي أعظم من خلق الناس. قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: 57].

ولذلك ذكر الجبابرة المتكبرين والكفرة الجاحدين وقال لهم: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النزعات: 27-28]. فلا تغتروا ولا تتمردوا، خلق الله خلقا أشد منكم وأعظم. إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. وهكذا في البحار والهواء وكل ما بين الأرض والسماء. وقل ما تجد سورة في القرآن إلا وفيها ذكر السماء، إما أخبارا عن عظمها وسعتها، أو أقساما بها، أو دعاء إلى النظر فيها، أو إرشاد للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها، أو استدلالا بقدرته تعالى في خلقها على البعث والنشور، أو استدلالا بخلقها على ربوبيته وتدبيره، أو استدلالا بحسنها واستوائها على حكمته، وهو الجميل قد أحسن كل شيء خلقه، ويذكر ما فيها من الكواكب والشمس والقمر والعجائب حتى يسبح هؤلاء الناس ربهم ويخشون ويعبدونه وحده لا شريك له.

لما ذكر السماء انتقل إلى بعض آياتها وما فيها من الأفلاك السيارة، قال: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ أي الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوئها لأهل الأرض كلهم. التعبير بالسراج في غاية المناسبة، الدنيا بيت وسراجه الشمس بالنهار والقمر والنجوم بالليل. والشمس فيها مصلحة عظيمة للخلق؛ الدفء والإنارة والطاقة وإنضاج الثمار وغير ذلك من الفوائد الكثيرة والعديدة جدا. أفلا يدل ذلك على قوته وقدرته سبحانه؟

لاحظوا الترتيب المدهش؛ السماء ثم نزل إلى الشمس ثم نزل إلى السحاب وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ المعصرات السحاب، أو الريح التي تستدر المطر من السحاب. المعصرات تخرج ماء فجاجا سجاجا منصبا متتابعا كثيرا، سماها معصرات كأنما تعصر المطر ويعصر منها المطر كأنما يعصر منها عند نزوله عصرا كما يعصر الثوب. فهذا الماء يتخلل السحاب، السحاب مثقل به، ويخرج منه كما يخرج الماء من الثوب المعصور، معصرات.

لماذا ينزل منه الماء؟ لنخرجه، اللام هذه للتعليل، لأجل أن نخرج به من الأرض التي يسقط عليها حبا ونباتا وجنات ألفافا لمأكلكم ومصلحتكم وفاكهتكم وتغذيتكم ورزقكم ورزق أولادكم وما يناسبكم صيفا وشتاء. لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المبارك حبا يدخر للناس والانعام ويخزن ويقتات عليه، ونباتا خضرا يؤكل رطبا.

غذاء وفاكهة ودواء، وجنات وبساتين وحدائق من ثمرات متنوعة، وألوان مختلفة، وطعوم وروائح متفاوتة. وأحياناً تكون في بقعة واحدة وفيها هذا التنوع، ألفافاً مجتمعة ملتف بعضها على بعض من كثرتها وحسنها وبهائها، تستر من فيها بهذا الالتفاف. فيها أشجار لها سيقان يلتف بعضها على بعض، إذ يخرج من هذا الماء المنصب المتتابع الكثير زروع ونخيل وأعناب، والماء هذا قد ينبتها مباشرة وقد يستقر في باطن الأرض من مياه الآبار والمياه الجوفية ما يستخرج بعد ذلك كي يروي الأرض وينبت، لأن الماء النازل من السماء أيضاً يخزنه الله في الأرض يخزنه فيها.

قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: 22]؛ يعني نحن الذين نخزنه من أجلكم، نحن جعلنا في الأرض صخوراً وحجارة بكيفية معينة تحبس الماء في صهاريج طبيعية ضخمة وخزانات لم تبنوها أنتم. ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه؟ والله سبحانه وتعالى قال: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: 15-16]، من جميع الأنواع تنبتها هذه الأرض، شيء يكون له ساق وبدون ساق، وأشياء ملتفة وحبوب ونباتات.

ماء مبارك تخرج منه هذه الخيرات، إنها منن عظيمة، ومرة أخرى مثل ما استدللنا بقضية النوم والاستيقاظ، الآن نستدل بالماء النازل من المعصرات على أرض ميتة فتحيا وينبت ما فيها وتنبت الزرع. أفلا يقدر من فعل ذلك على إخراج أجسادكم وإنباتها من الأرض وإعادتها مرة أخرى؟ ما قدروا الله حق قدره، ليس كمثله شيء وربنا سبحانه وتعالى عظيم قدير. أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها، أإله مع الله بل هم قوم يعدلون.

إذاً استدل به تارة على نفي الشريك: أإله مع الله؟ واستدل به أيضاً على البعث، فينبغي أن نتواضع لله وأن نؤمن به وبقدرته وأنه يبعث من في القبور. نسأل الله أن يتغمدنا برحمته وأن يزيدنا إيماناً وأن يرزقنا البصيرة إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد يا راغبات في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً.