بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ايها الطلاب والطالبات، ايها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في هذا الدرس الثاني عشر من دروس التفسير في أكاديمية زاد.
نحن في تفسير سورة النازعات، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الفريقين، فقال بعد ذكر الطامة الكبرى وأن الناس يتذكرون أعمالهم يوم القيامة: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 37-39]، و﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ [النازعات: 40]. وذكرنا أن هذه الآية قد عدلت مسار كثير من الصالحين في من مضى، فسلكوا سبيل الهداية بسببها.
وأما من خاف مقام ربه؛ يعني القيام بين يدي الله، ونهى النفس عن الهوى؛ فالزمها الواجبات وترك المحرمات، وجعل نفسه تبعا للشرع. والهوى سمي بالهوى فيما قيل؛ لأنه يهوي بصاحبه إلى النار.
الآن وصلنا في التفسير إلى جزاء هذا الفريق: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41]؛ يعني المرجع والمستقر والمصير. وفي هذه الآية دلالة على أن الخوف من مقام الله يوم القيامة يمنع من الإقدام على المعصية. وقد قيل إن قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى﴾ نزلت في أناس من المشركين؛ منهم النضر بن الحارث وأمية بن خلف وغيرهم، ولكن حتى لو ثبت هذا فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقوله عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ قيل نزلت في مصعب بن عمير رضي الله عنه، وكان قد وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يوم أحد وقتل شهيدا، وكان صاحب لواء المهاجرين.
وهكذا يكون المصير، إذن فعرفنا أن الطامة من أسماء يوم القيامة لأنها تطم على كل هائلة وعظيمة من الأمور، وأنها إذا جاءت يتذكر الإنسان ما سعاه في الدنيا من خير أو شر، وأن الجحيم تبرز ويكشف الغطاء عن جهنم فينظر إليها الخلق عيانا، وأن الآيات فصلت حال الفريقين، فبدأت بالذي تجاوز الحد؛ ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ﴾ وعتا وتمرد ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ولذاتها وشهواتها وقدمها على طاعة الله واتبع نفسه هواها ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ والمنزل والمصير والمستقر.
وأما من امتلا قلبه خوفا من الله وخوفا من قيامه بين يدي ربه يوم القيامة فكف نفسه عن المعاصي وزجرها عن اتباع الهوى ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ والمرجع والمستقر.
نتحدث الآن عن تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: 42]. لازال الموضوع متصلا في مسألة الرد على منكري البعث، ومن خلال النقاشات السابقة التي ذكر فيها قدرة الله تعالى وقيام الساعة وانقسام الخلق إلى الفريقين، يأتي السؤال من المكذبين: متى سيكون ذلك؟ إذا كانت حقا فأخبرنا عن موعدها.
يسألونك؛ التعبير بفعل المضارع يدل على تجدد هذا السؤال وتكرره، يسألونك وليس سالوك، وهذا السؤال ليس سؤال خوف من الآخرة أو سؤال استفادة، لا، هذا سؤال استهزاء واستخفاف، هذا سؤال الاستبعاد والتكذيب، وربما يدل أيضا على تهور وجرأة مذموم جدا، كأنهم يقولون: متى هاتها عجل بها؟ كأنهم يقولون: لا نخافها وليست حقا أصلا ولو كانت حقا لأتيت بها.
الذين لا يؤمنون بالبعث ما عندهم خوف من الله ولا من الدار الآخرة، عندهم اجتراء ويستخفون بالساعه وما وراها، كما قال الله عن الساعة والقيامة: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: 18]. والله سبحانه وتعالى حليم، قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [فاطر: 45]. بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا، لا ملجا ولا مهربا.
قال ابن عباس: سال مشركو مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تكون الساعة استهزاء، فانزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾. أيان استفهام عن الزمان، مرساها من الرسو والقرار والثبوت؛ يعني متى تتحقق؟ متى تقوم؟ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾؛ أين المنتهى فيها؟ متى زمانها؟ فقال الله ردا عليهم: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: 43]. سنعرف بعد قليل إن شاء الله معنى هذه الآية.
بسم الله حياكم الله أيها الإخوة والأخوات. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ لابد من رد عليهم، قال الله في الرد: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ ما الفائدة من تعيين وقت مجيئها لهؤلاء المكذبين؟ ليس من وراء ذلك نتيجة، هل لو عين لهم متى تقوم الساعة سيؤمنون بها، سيستعدون لها، سيعملون من أجلها؟ الجواب: لا. فكان النبي صلى الله عليه وسلم لما أكثروا عليه من السؤال عنها كانه صارت عنده رغبة في تعريف ذلك، فقال الله: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾؛ لا تسأل عن ذلك وليس لهم فائدة من معرفته، هم أصلا من المكذبين.
قال عروة بن الزبير رحمه الله: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسال عن الساعة حتى نزلت: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات: 43-44]. وقيل إن المعنى: فيما أنت من ذلك حتى يسألونك بيانه، لست تعلمها فلماذا يسألونك عنها؟ فيكون هذا الإنكار على المشركين في مسألته النبي عليه الصلاة والسلام: عين لنا متى تقوم الساعة، قل لنا متى تقوم الساعة؟ فيقول الله له: فيما أنت من ذكراها.
وقال بعض العلماء يجوز الوقف على قوله في: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾؛ والمعنى فيما هذا السؤال؟ يسألونك عن الساعة أيان مرساها، فيما سؤالهم هذا؟ في أي شيء؟ فيكون إنكارا على سؤالهم، ثم تبتدئ فتقول: أنت من ذكراها؛ بعثتك من أشراطها، بعثتك تذكير بها، بعثتك علامة عليها. وهذا أيضا معنى لطيف، وبعثة النبي عليه الصلاة والسلام أول أشراط الساعة الصغرى، فكفاه ببعثته دليلا على دنوها واقترابها، ولا معنى لسؤالهم عنها، ينبغي عليهم ما داموا قد عرفوا ظهورك وبعثتك أن يستعدوا لها فقد اقتربت، فإن ظهورك أول أشراطها. لكن هذا المعنى استبعده بعض المفسرين، قال: يخالف ظاهر السياق ويفكك نظم الكلام.
على أي حال؛ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ لو كان في تعيين علمها للعباد مصلحة ومنفع لما بخل بذلك ربنا علينا، ولكن كان في إخفائها المصلحة، طوى الله علم ذلك عن جميع الخلائق، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، لا يعلم متى الساعة لا جبريل ولا ميكائيل ولا حتى إسرافيل الذي ينفخ في الصور لتقوم الساعة، لا يعلم متى تقوم.
ما هو الدليل على أن الله استأثر بعلمها؟ آيات كثيرة؛ منها الآية التي في هذه السورة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات: 44]، هذا الجواب: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾؛ الجواب عن سؤالهم: علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو. إلى ربك منتهاها؛ يعني إليه ينتهي علمها ووقت قيامها، فليس علمها اليك يا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا إلى أحد من الخلق، بل مردها والمرجع في تعيينها إلى الله عز وجل.
ولذلك لما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». لا الرسول البشري ولا الرسول الملكي؛ ما جبريل ولا محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ المنتهى أصله مكان انتهاء السير، ثم أطلق على المصير لأن المصير لازم للانتهاء، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾ [النجم: 42]. ثم أطلق على العلم، والمعنى: لا يعلمها إلا الله، فقوله: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ يعني علم وقت حصولها؛ لأن سؤالهم ما هو؟ أيان مرساها.
ويجوز أن يكون منتهاها في قول: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ معناه بلوغ خبرها، كما يقال: أنهيت إلى فلان حادثة كذا، وأنهى إلي نبأ كذا، وانتهى إلي خبر كذا، إذا المنتهى بلوغ الخبر. إلى ربك منتهاها؛ يعني وقت حصولها لا يعلمه إلا الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: 34]؛ يعني تفرد به. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجْلِيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 187]. وستقف إن شاء الله مع علم الساعة والغيب بعد قليل بإذنه تعالى.
حياكم الله، مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات. الغيب لا يعلمه إلا الله، من الفوائد الاعتقادية المهمة المستفادة من هذه الآيات تفرد الله عز وجل بعلم الغيب: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65]. مسألة نهاية العالم وقيام الساعه اشتغل بها حتى بعض الكفار، والكلام رائج عنها في هذا الزمان، لكن تقحموا ما لا يعلمونه، وشرعوا في تعيين متى تقوم الساعة، وقالوا سنة كذا وكذا، وألفت في ذلك مؤلفات، وقامت على ذلك روايات، وأنتجت في ذلك أفلام، ودخلت في هذا وكالات أنباء عالمية وصارت قضية صرعات.
يعني في سنة 2012 كان ملايين من الناس يترقبون نهاية العالم في 21 ديسمبر، شهدت خمس دول في أمريكا الجنوبية احتفالات غير مسبوقة ابتداء من يوم الجمعة ولمده ثلاثة أيام ارتقابا لإشاعة نهاية العالم يوم 21 سبتمبر 2012، قالوا سيرتطم بالارض جسم ضخم جدا يقلبها راسا على عقب. وكان في 10% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية وعدد يعني يؤمنون بهذا.
فلا نزال نسمع بين الأوان والأخرى كلاما مثل هذا. والله الذي أنزل القرآن على عبده محمد صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من ألف سنة قال فيه: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 63] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: 34]. وفي الحديث: «ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» رواه البخاري.
فكل من حدد يوما أو شهرا أو أسبوعا أو سنة فهو كذاب متقول على الله بغير علم، لأن الله اختص علم الساعه بنفسه لنفسه، وأطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على أمارات علامات أخبرنا بها عالم الغيب، فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول. وفي حديث جبريل: فأخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». قال: فأخبرني عن أماراتها؛ إذ كنت لا تعلم، أخبرني عن علاماتها يعني هذه العلامات تبين لنا قرب حصولها ودنو وقتها. قال: «أن تلد الأمة ربتها»؛ أي سيدتها، وقيل تكثر السراري وأولادهن، وقيل هذا كناية عن العقوق. «وأن ترى الحفاة العراة العالة يعني الفقراء رعاة الشاة يتطاولون في البنيان»؛ فتبسط الدنيا لأهل الفقر من أهل البادية حتى يتباهون في البنيان، وقد وقع هذا في عصرنا بجلاء ووضوح.
ولما طلع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحاب وهم يتذاكرون الساعة قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات». فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وأخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم رواه مسلم.
فلا تقوم الساعة حتى تحصل هذه الأمارات، ومن ذلك ظهور الدجال في 40 يوما: يوم كسنه ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر الأيام كأيامكم. الساعة آتية لا ريب فيها وليس
المطلوب الآن الاشتغال، متى تقوم؟ بالاشتغال بالاستعداد لها؛ لأن الأعرابي سأل متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ فقابل سؤاله بسؤال، ومن المبالغة في العمل للساعة قال عليه الصلاة والسلام: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاعت أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل»، حتى تكتب له، حتى تحسب له، مع أنه لن يستفيد، لن تنمو ولن تثمر.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 45]، إذاً أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم نذير تخوف الناس عقاب الله، كما أنك بشير ترغبهم في جنة الله. فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دع ما لم توكل علمه، وأتمم بما أمرت من إنذار وبشارة؛ إنذار مخوف. وخصص الإنذار بمن يخشى؛ لأنهم هم المنتفعون بذلك، منذر من يخشاها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: 11]، فالإنذار عام للجميع، ولكن من الذي ينتفع به؟ أصحاب الخشية. وأما النبي عليه الصلاة والسلام فنذر للبشر، قال الله: ﴿وَلِتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ [مريم: 97]، وقال الله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]، وقال الله: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: 14].
أما الكفرة سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، لا يستفيدون، إنذار النبي عليه الصلاة والسلام ينفع من يخشى مجيء الساعة فيستعد لها ويعمل من أجلها، وأما من لا يؤمن بها فلا تبال به ولا بتعنته وتكذيبه، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101]. هذه الآية فيها بيان مهمة النبي عليه الصلاة والسلام، وأيضاً فيها درس عظيم في نقل الكلام مما لا يفيد إلى ما يفيد؛ يفتح معنا بعض الكفار أحياناً والمجادلات للاستهزاء والسخرية، وعلى أحسن الأحوال لا ينفع الخوض فيها، ونقلهم إلى ما يفيد مهم جداً، ولذلك لما سأل الأعرابي: متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ هذا فن نقل الحوار من غير المفيد إلى المفيد، وينبغي على العباد أن يشتغلوا فيما خلقوا من أجله، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.
وحصل من هذا القبيل مثلاً: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: 189]، سالوا عن أشياء معينة في الأهلة، ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]، سألوا عن سببها، هو الآن لن يشرح لهم فلكياً، هذا لا يهم كثيراً، لكن لماذا خلق الله؟ ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]، ومواقيت للناس والحج، إذاً الداعية له درس عظيم في هذا؛ نقل النقاش مما لا ينفع إلى ما ينفع.
ختم الله السورة بقوله في آية عظيمة: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46]، يعني عندما تقوم سيكون شعور عظيم، سيشعر هؤلاء كأن الحياة التي مرت عليهم والعمر الذي قضوه كله في الدنيا عشية أو ضحاها؛ ساعات، وحتى المكث في القبر كأنهم ما مكثوا في الدنيا ولا في القبر إلا زمناً يسيراً لا يتجاوز قدراً من آخر النهار أو من أوله. عشية هي يعني وقت الظهر والعصر إلى آخر النهار، المغرب، أو ضحاها، الضحى صدر النهار والعشي آخر النهار، فالغداة في لغة العرب أول النهار والعشي آخر النهار، قال تعالى: ﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46]، العشية إلا آخر يوم أو أوله، العشية إذاً من الزوال إلى غروب الشمس، والضحى من طلوع الشمس إلى زوالها، ما يتجاوز نصف نهار.
قال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة، هذا وقت الدنيا كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: 45]، وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: 35]، وقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: 55]. كل هذا الطحن في الدنيا والعراق، والسعي والشغل والكدح والعمل والاموال وكل ما حصل فيها من الذهاب والمجيء؛ كأنها ساعة من النهار، ما أقصر الحياة حين يقوم الخوف! ما أسرع العمر انقضاءً عندما تأتي الآخرة!
كان في هذه الآية موعظة: أفمن أجل عشية أو ضحاها يتركون الآخرة؟ أمن أجل شهوة زائلة يدعون الجنة وثوابها؟ إنها الحماقة الكبرى. الحقيقة أيها الاخوه والاخوات أن هذه السورة سورة عظيمة إيمانية، سورة فيها تذكير وموعظة، سورة تؤسس العقيدة، عقيدة الايمان باليوم الآخر في النفوس، جديرة أن نتعلمها وأن نعلمها من حولنا.
نسال الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفقه في كتابه، وأن يجعلنا ممن يتدبره ويعمل به، وأن يكون شفيعاً لنا يوم الدين. استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ محمد صالح المنجد