يا راغب في كل علم نافع، متطلع لزيادة الإيمان وتريد سهلاً، كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الطلاب والطالبات، والإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في هذا الدرس من دروس التفسير في أكاديمية زاد، وهو الدرس الثالث عشر.
كنا قد تكلمنا فيما سبق عن تفسير سورة النازعات، وأن موضوعها الرد على منكري البعث. السورة التي تليها وهي سورة عبس؛ مكية إجماعاً، آياتها أربعون.
سورة الصاخة، وسورة السفرة، وسورة الأعمى رضي الله عنه؛ كل ذلك تسمية بألفاظ وقعت فيها لم تقع في غيرها من السور، أو بصاحب القصة التي كانت سبب نزولها.
ما هي مقاصد هذه السورة وما هي موضوعاتها الأساس؟ تعليم الله رسوله صلى الله عليه وسلم الموازنة الصحيحة بين مراتب المصالح وعدم تفويت الأهم والارجح، الإشارة إلى اختلاف الحال بين المشركين المعرضين عن هدي الإسلام وبين المسلمين المقبلين عليه، التذكير بإكرام المؤمنين وسمو درجاتهم عند الله، التنويه بضعفاء المؤمنين وعلو قدرهم والإشارة إلى خيريتهم وأنهم أعظم عند الله من أصحاب البطر والأشر، الثناء على القرآن وأنه محفوظ مصون من عبث العابثين، والاستدلال على إثبات البعث بخلق الإنسان وإخراج النبات والاشجار من الأرض الميتة، ثم الإنذار بحلول الساعة والتحذير من أحوالها وأهوالها وما فيها من ثواب المتقين وعقاب الجاحدين، والتذكير بنعمة الله على المنكرين عسى أن يشكروه.
فإن قيل: لماذا جعلت سورة عبس بعد سورة النازعات؟ الجواب أن هنالك تشابهاً في موضوعات السورة: قضية الرد على منكري البعث، وذكر بعض آيات الله الدالة على قدرته للاستدلال والرد على من يقول: لا يبعث الله من يموت؟ وكذلك التشابه في ذكر الساعة والقيامة هناك في النازعات: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ﴾ [النازعات: 34]، وهنا في عبس: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: 33]، وكلاهما من أسماء يوم القيامة.
فلنبدأ الآن بسبب نزول السورة؛ عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: أنزل: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: 1] في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني. وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه -يعني عن عبد الله بن أم مكتوم- ويقبل على الآخر -يعني على المشرك- لعله يستجيب.
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر، جزء من الحوار الذي كان يدور بين النبي عليه الصلاة والسلام وهذا المشرك. تقول عائشة رضي الله عنها: ففي هذا أنزل -يعني في إعراض النبي عليه الصلاة والسلام عن ابن أم مكتوم انشغالاً بعظيم من عظماء المشركين كان يدعوه إلى الله- الحديث رواه الترمذي وهو حديث صحيح.
ولا خلاف عند العلماء في أن المراد بالأعمى هو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، قيل اسمه عبد الله وقيل اسمه عمرو. قيل إنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وقيل إنه أبو جهل بن هشام، وقيل أبي بن خلف، وقيل أمية بن خلف، يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم. فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله.
طبعاً عبد الله رضي الله عنه ما كان يرى ولا يعلم بانشغال النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما جاء إليه يقول: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، فجعل يناديه ويكرر النداء ولا يدري أنه مقبل على غيره، حتى ظهرت الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه عن ابن أم مكتوم. ما كان يقصد، لكن أيضاً النبي عليه الصلاة والسلام كان في شغل مع أحد صناديد الكفار يحاول في دعوة الله، كأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في نفسه: هؤلاء الصناديد ماذا سيقولون الآن؟ اتباع العميان والعبيد والسفلة! يعني كأن مجيء ابن أم مكتوم سيؤكد على أمر يردده الكفرة المعرضون من اتباعك، فما أحب النبي عليه الصلاة والسلام هذا المجيء في هذا الوقت لهذا السبب. فعبس وجهه وأعرض عن ابن أم مكتوم واقبل على هؤلاء يكلمهم أو على هذا الكافر يكلمه.
فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات بداية السورة: عبس وتولى. فيها لطف وفيها عتاب؛ أما العتاب فظاهر: عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى، واللطف أين؟ أنه لم يواجهه بالخطاب، لم يواجه نبيه صلى الله عليه وسلم مباشرة، يعني ما قال: عبست وتوليت إن جاءك الأعمى، لا؛ قال: عبس وتولى. وهذا تلطف؛ لأن مواجهة العتاب من رب الأرباب من أصعب الصعاب، لذلك كان يقال: لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم من الوحي شيئاً لكتم هذا عن نفسه، يعني في آيات: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74]، فلما قضى زيد منها وطراً زوجناك، ماذا قال له بشأن هذا؟ ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تخشاه﴾ [الأحزاب: 37]، مثلاً: ﴿وَلَوْ تَقَوَّى عَلَى... وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: 44-46].
الشاهد أن هنالك آيات فيها صراحة وضوح قوة حتى مع النبي صلى الله عليه وسلم فيها عتاب، فلو كان النبي عليه الصلاة والسلام يخفي شيئاً من القرآن لأخفى هذه عبس وتولى. عبس طبعاً العبوس معروف، تقطيب الوجه وتغير الهيئة مما يدل على الغضب. وتولى أعرض بوجهه، وهذا في إظهر الكراهة، طبعاً التولي أصله تحول الذات من مكان إلى آخر، ويستعار لعدم اشتغال المرء بكلام يلقى عليه، فهنا تولى يعني أعرض عن هذا القادم أو هذا السائل، لم يقبل عليه، تولى عنه.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 2] أي لأجل مجيء الأعمى عبس وتولى، وذكر الأعمى هنا استعطاف؛ يعني هذا الأعمى كان ينبغي أن يتلطف معه ويقبل عليه ويولي الاهتمام، وهو أعمى. وقد تكلف وجاء بالرغم من أنه ضرير لا يرى، فكان ينبغي إعطاء الاهتمام والأولوية، وأن المفترض أن عماه يزيد التعطف والترأف ويحدث تقريباً له وترحيباً، وهذا تأصيل للرحمة بالمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة. مزيد من التفاصيل حول هذه الآية وما بعدها بعد قليل إن شاء الله.
إذا انتشرت الفتن وكثرت المغريات، فخير وقاية منها للشباب النكاح، فهو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أغض للبصر وأحصن للفرج» والنكاح سنة، ويجب على من يخشى الوقوع في العنت. ويختار كل من الطرفين صاحب الدين؛ قال صلى الله عليه وسلم للرجل: «فاظفر بذات الدين تربت يداك»، وقال لولي المرأة: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه».
ومن أراد خطبة فتاة فله أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها. ولا يصح النكاح إلا بولي وشاهدي عدل، ولا يجوز إكراه الفتاة على الزواج بمن لا ترغب فيه، كما لا يجوز منعها من الزواج من الأكفاء. ويحرم نكاح المحرمات بالنسب كالأم والبنت، وبالرضاع كالمرضعة وأولادها، وبالمصاهرة كزوجة الأب وأم الزوجة. ويحرم نكاح المتعة وهو المؤقت، والمحلل بأن يقصد تحليلها لمن طلقها ثلاثاً، والشغار بأن يجعل نكاح أيهما شرطاً لنكاح الأخرى.
وللزوج على زوجته الطاعة بالمعروف، وإجابته إلى الفراش، ورعاية أولاده وبيته، وعدم إرهاقه في النفقات الزائدة، وألا تدخل أحداً بيته إلا بإذنه. ولها عليه المعاملة الطيبة، والإنفاق عليها بالمعروف، وتحمل أذاها. وإذا نشزت فله تأديبها في حدود ما شرعه الله. فاستغني بما أحله الله عما حرمه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: 120].
الحمد لله، حياكم الله عودة مرة أخرى ونحن في أجواء الآية: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 1-2]. هل يجوز أن يوصف شخص بالأعمى؟ وهل هذا من التنابذ بالألقاب أم لا؟
الجواب أن وصفه بالأعمى هنا تمييزاً له وتعريفاً به وليس سخرية منه ولا تنقصاً له، بل إن المقام فيه استعطاف، إثارة العطف من أجله وماذا كان ينبغي أن يستقبل به، وأيضاً فيها إظهار عذر عبد الله بن أم مكتوم أنه قطع كلام النبي عليه الصلاة والسلام ودخل في حديث مباشر، والنبي عليه الصلاة والسلام كان مشغولاً بغيره؛ لأن عبد الله بن مكتوم كان أعمى لا يرى فلم يشعر بما كان النبي صلى الله عليه وسلم مشغولاً به، ولو كان يرى ما كان قطع عليه كلامه.
من ناحية أخرى؛ جواز تنقيب الإنسان بوصفه إذا كان يميز به ويعرف به كالأعمى والأعرج والأعمش ونحو ذلك، لا حرج فيه إذا كان على سبيل التعيين والتعريف لا على سبيل الاستهزاء والسخرية.
أيضاً الآيات هذه فيها الحث على الترحيب بالفقراء والإقبال عليهم في مجالس العلم وقضاء حوائجهم وإيلاؤهم الاهتمام وعدم تقديم الأغنياء والأقوياء عليهم؛ فالفقير الضعيف يبتغى، إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم.
كذلك ينبغي على الداعية إلى الله أن ينبسط وجهه عند قدوم هؤلاء ويقبل عليهم ويواجههم بالبشاشة والفرح، سواء كانوا ضعفاء أبدان أو ضعفاء أموال. وإذا تزاحم حق الفقراء والعظماء في وقت واحد، قدم حق الفقراء لشرفهم عند الله، وقد كان للسلف رحمهم الله في هذا أدب حسن، فروي عن سفيان الثوري رحمه الله أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء.
عبس وتولى أن جاءه الأعمى، وما يدريكه يا محمد صلى الله عليه وسلم، لعله هذا الأعمى القادم الذي عبست في وجهه يزكى؟ وما يدريك لعله يتطهر من ذنوبه بالعمل الصالح والانتفاع بما يسمع منك، ويتطهر عن الأخلاق الرذيلة، وتحصل له الزكاة في نفسه ويتصف بالأخلاق الجميلة ويتعظ؟ يزكى؛ التزكية هذه رفع لمستوى النفس، النفس تسمو بالتزكية، ترتفع، تطهر من الدنايا، أقبل على الأمور العظام الكبار الجليلة.
أو يذكر فتنفعه الذكرى؛ يعني يعتبر، يتذكر، يعمل، يتعظ، ينزجر عن محرمات. التذكر حصول أثر التذكير، فهو خطور أمر في الذهن معلوم بعد نسيانه.
تذكر المعنى العام: أنك تعرض عن هذا إعراض من لا ينفعه تعليمه وتذكيره، ولا تدري لعله ينفعه التعليم والتذكير، فعليك أن تعلمه وأن تذكره، وهذه فائدة كبيرة وهي المقصودة من بعثة الرسل. طبعاً المعنى السابق أشار له الطبري رحمه الله، نقل في آثار السمعاني والقرطبي وابن كثير وغيرهم في التفاسير.
الفائدة الكبيرة أن المقصود من بعثة الرسل ما هو؟ يعلمه كتاب الحكمة ويزكيهم، ما هو المقصود؟ يعلمه الكتاب وحكمة ويزكيهم، وكذلك ينبغي أن يكون هذا هو عمل الوعاظ والدعاة إلى الله سبحانه وتعالى.
فإقبالك يا أيها الداعي على من جاءك بنفسه مفتقراً لما عندك من العلم أو لما عندك من الوعظ التوجيه، ينبغي أن يقابل هذا الإقبال بإقبال آخر من عندك، الآن هو جاء مقبلاً، أقبل عليه. وأما تصديك وتعرضك للغني المستغني والجبار البطر الذي لا يسأل ولا يستفتي ولا يتأثر ولا يقبل ولا يرغب في الخير، فهذا غير مجد، وليس عليك ألا يزكى. إذاً، لا يترك أمر معلوم لأمر موهوم، ولا تترك مصلحة متحققة لمصلحة متوهمة. هذا صنديد معرض، ما هو الأصل في الأعراب وهذا مقبل مؤمن، ما هو الأصل فيه الانتفاع؟ فنعرض عن المنتفع والأصل فيه حصول المصلحة وجدوى الكلام معه، ونقبل على هذا المعرض الذي الأصل فيه الآن حالة الإعراب، هذا لا ينبغي أن يكون.
ثم قال تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس: 5-7]. أما من استغنى عنك بماله وقوته ونسبه وحسبه، أما من استغنى عن سماع القرآن وعن الهداية وعن الموعظة فانت تتعرض له وتقبل عليه وتصغي إليه. أما من استغنى فانت له تصدى وتقبل.
إذاً، أما من استغنى عن الإيمان والقرآن بماله وسلطانه وقوته وجبروته وطغيانه فانت له تصدى وما عليك ألا يزكى. يعني لو ما أسلم ولا تأثر وأعرض ورفض ولم يؤمن ولم يهتد، لن تحاسب أنت على ذلك، عليك إلا البلاغ فليس إثم محمولاً عليك ولست مؤاخذاً بإعراضه وعدم هدايته حتى تزداد إقبالاً عليه. ليس عليك بأس يا محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من الدعاة في أن لا يسلم فلان، وأن يعرض فلان، وأن يكفر فلان، وأن يصر فلان، سيحاسبه الله.
طبعاً هذا رفق من الله برسوله صلى الله عليه وسلم لأنه كان يحمل هم هداية هؤلاء الصناديد والمشركين، كان حريصاً جداً عليهم، والله يقول له: هؤلاء أهل الإعراب، ليس عليك إثم إعراضهم ولا تسأل عنهم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا فقه الدعوة وأن يجعلنا ممن يحسن التعليم ويقتفي أثر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فيما أدبه به ربه.
نعود إليكم بعد قليل إن شاء الله.
هل تريد أن تشتري سيارة وليس معك ثمنها؟ هل فكرت في شرائها بالتقسيط؟ ماذا يعني البيع بالتقسيط؟ البيع بالتقسيط هو بيع سلعة بثمن مؤجل يؤدى على أجزاء معلومة في أوقات معلومة، مثل ألف كل شهر. وهناك صور للبيع بالتقسيط من أشهرها صورتان:
الأولى: أن تشتري سيارة مثلاً ممن يملكها، سواء كان شخصاً أو شريكة، على أن تدفع ثمنها مقسطاً، كأن يكون ثمن السيارة نقداً خمسين ألفاً، وثمنها بالتقسيط ستين ألفاً، فتختار الشراء بالتقسيط، فهذا جائز لا حرج فيه. دليل ذلك عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام وقية، وكان ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأقرها على ذلك. فهذا الحديث يدل على جواز تأجيل الثمن وسداده على أقساط.
الصورة الثانية: أن تشتري سيارة ممن لا يملكها، وإنما يدفع ثمنها إلى مالكها نيابة عنك، على أن تسدد المبلغ له مقسطاً مع زيادة، كأن يكون ثمن السيارة في المعرض خمسين ألفاً، فتطلب شراءها من جهة فتقوم هذه الجهة بدفع الثمن خمسين ألفاً للمعرض.
على أن تسدد لها ستين ألفاً بالتقسيط، فهذا من الربا المحرم؛ لأن حقيقة هذا العقد أن هذه الجهة، سواء كان فرداً أو بنكاً أو شركة، قد أقرضتك قرضاً ربوياً بفائدة، ولم تشتر شيئاً في الحقيقة لنفسها ليصح بيعه لك.
ولهذا، لو فرض أن البنك اشترى السيارة شراءً حقيقياً وقبضها لديه ثم باعها عليك بالتقسيط بثمن أعلى مؤجل بدون شرط سابق ملزم بالشراء فلا حرج في ذلك. فلا بد من توافر الشروط الآتية لشراء سيارة ونحوها بالتقسيط من البنك: أولاً: أن يشتريها البنك شراءً حقيقياً بحيث تنتقل إلى حيازته، ثم يبيعها بعد ذلك، ولا يجوز بيعها قبل أن تكون في حيازته.
ثانياً: ألا يكون هناك شرط ملزم من البنك بأن يشتريها العميل قبل أن يتملكها البنك. ثالثاً: أن يخلو العقد من اشتراط غرامة على التأخير في سداد الأقساط؛ لأن ذلك ربا محرم، لكن يجوز للبنك أن يحتاط لنفسه برهن السيارة أو الاحتفاظ بوثيقة العقد والاستمارة.
سينتهي العميل من سداد الأقساط. نسأل الله تعالى أن يفقهنا في الدين، وأن يرزقنا الرزق الحسن، وأن يكفينا بحلاله عن حرامه.
بسم الله، إذاً أيها الأخوة والأخوات: ﴿وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ﴾ [عبس: 8-10]، هذه الآن جاءت بعد ما ذكر أعراض المعرضين، إذاً هذا في مقابل: ﴿وَأَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾ [عبس: 5-6] وما عليك ألا يزكى. ثلاثة مقابل ثلاثة: وأما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى، مقابلها ما هو؟ وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى.
إذاً هذا تعليم من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا من فقه الدعوة؛ وأن من جاءك يمشي يطلب الخير، ويسعى في تعلم أمر دينه، ويتقرب منك حباً لك ورغبة فيما عندك من الخير والهداية والعلم، وهو يخشى الله، وقد تحمل المشاق ولم يمنعه فقد بصره من المجيء حرصاً على دينه، فأنت عنه تراها وتتشاغل وتعرض وتعبس وتنشغل بغيره، تلهى. طبعا أصل التلهي التغافل، فسمى الله انشغال نبيه صلى الله عليه وسلم بالصنديد الكافر عن الرجل المؤمن الراغب تلهياً.
ثم جاء التعليق على كل الموقف بالرفض بقوله كلا، لا يكون ذلك. كلا هذه دعوة عظيمة جليلة كريمة رفيعة ينبغي أن تعطى لمن يستحقها ويقبل عليها ويقدرها حق قدرها. الأعراض عن المقبلين والاقبال على المعرضين جوابه كلا. النبي عليه الصلاة والسلام ما اقبل على المعرضين لدنيا، ما كان يريدهم لمالهم ولا كان يتزلف إليهم من سلطانهم، كان مهتمّاً بهم لأسباب فيها وجاهة، يعني لو أسلم هؤلاء لأسلم قومهم وهؤلاء القادة، فلو أنهم صلحوا صلح من تحتهم، ويعني في أسباب فيها وجاهة، وما كان عليه الصلاة والسلام بصدده في مصلحة، لكن في كان في مصلحة أعلى، فإذا تعارضت مصلحتان تقدم، نراعي ماذا؟ نراعي الأعلى منهما.
لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام في لهو ولا في لعب، معاذ الله، لكن كان مشتغلاً أو اشتغل بشيء مصلحته أدنى، فجاء التعليم الإلهي أن اقبل على المصلحة الأعلى. والنبي عليه الصلاة والسلام مجتهد في موقفه أصلاً ليس عاصياً أو مصرا، كلا، يعني لما تعارض الأمران: أن يقبل على هؤلاء لأن لعلهم إذا اهتدوا اهتدى من تحتهم ومن بعدهم، ومع ذلك، مع ذلك الله سبحانه وتعالى قال كلا. طيب هو قصد تألف الرجل الصنديد هذا ومن أم مكتوم مؤمن وهو معنا ولعله وكله إلى ما في قلبه من الإيمان، كما قال: إنّي لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار، ومع ذلك الله قال كلا.
أراد ربنا ألا تنكسر قلوب الفقراء أهل الصفة ومن يأتي بعدهم من الضعفاء، وأن يبين تعالى منزلة المؤمن الفقير عنده وأنه خير من الغني المعرض، وأن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وأن الله تعالى نبه إلى اجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الحال أنه لم يكن هو الارجح والأصوب، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم يجوز له الاجتهاد ويقع منه الاجتهاد والوحي يقره أو يبين ما هو الراجح.
طبعاً كانت اجتهادات النبي صلى الله عليه وسلم عمتها صائبة، يعني الاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه وحي، فأحياناً طبعاً هو إذا نزل عليه وحي بلغ مباشرة، طيب وإذا لم ينزل عليه وحي يجتهد فيقره الوحي أو يبين خلاف ذلك. الحالة الثالثة: أن ينتظر عليه الصلاة والسلام ولا يتكلم بشيء، قد فعل هذا مراراً كما جاء المتضمخ، المحرم المتضمخ بالخلوق أو بالطيب يسأل عن وضعه وحالته وغير هذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام انتظر. فإذاً كل ذلك وقع من النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر طبعاً ما وقع منه البلاغ بالوحي مباشرة.
طيب مسألة أن تتعارض مصلحتان، هذه حالة عملية عملياً كثيرة الوقوع، الاجتهاد فيها له مجال، له مجال طبعاً بلا شك، لكن نلاحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى لا يقر رسوله صلى الله عليه وسلم على ما فيه مخالفة لما أراده عز وجل. حادثة مشابهة على ندرتها طبعاً وقلتها: أسرى بدر وأخذ الفدية من الأسارى، وكذلك في تأديب الله للبشر، فإذا نبه نبيه صلى الله عليه وسلم فغيره من باب أولى.
وهذه طبعاً فيها للدعاة إلى الله دروس عظيمة، لا يكن همكم، لا يكون همكم الاقبال على هؤلاء المعرضين إذا نازع هذا شيء أولى. وفيه درس للدعاة في ترجيح ما رجعته الشريعة، أن الأليق بالداعي إلى الله الاقبال على من جاء بنفسه مفتقراً للخير محتاجاً إليه سائلاً عنه مهتماً به، وأما التصدي للمستغنيين هؤلاء إضاعة وقت في كثير من الأحيان مع ترك ما هو أهم، هذا لا يمكن أن يقوم به الداعية إلى الله.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يرزقنا تدبر كتابه، ونسأله أن يحيينا على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأن يميتنا عليها فهو إمامنا وقدوتنا عليه الصلاة والسلام. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا راغباً في كل علم نافع متطلع لزيادة الإيمان وتريد سهلاً. هذا
الشيخ محمد صالح المنجد