تسجيل الدخول

المحاضرة 4 - تفسير سورة النبأ (30:21)

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

أيها الإخوان والأخوات الدارسون والدارسات في مادة التفسير هذه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في هذا الدرس الذي نواصل فيه الكلام في تفسير سورة عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ.

سبق الحديث في الدرس الماضي عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: 17-20]. وبينا أن معنى قوله تعالى: إن يوم الفصل كان ميقاتا؛ يعني وقتا ومجمعاً، وكذلك الفصل بين المؤمنين والكفار، فريق في الجنة وفريق في السعير، فالله تعالى يفصل في هذا اليوم بين عباده.

وقوله تعالى: يوم ينفخ في الصور؛ أي للبعث، فتاتون أي إلى موضع العرض أفواجاً؛ أي أمماً فوجاً فوجاً، كل أمة مع إامامهم ونبيهم، وزمراً زمرا من كل مكان للحساب. وقوله تعالى: وفتحت السماء فكانت أبوابا؛ أي لنزول الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: 25]. وقيل تقطعت فكانت قطعاً كالابواب.

وقوله تعالى: وسيرت الجبال فكانت سرابا؛ أي هباءً لا شيء، كما أن السراب كذلك يظنه الظمآن ماء وليس بماء. وطبعا هذا بعد مراحل تنسف الجبال من أصولها وتزول عن مواضعها وتتحول إلى عهن وتذلها الرياح فتنسفها نسفاً.

نتكلم بمشيئة الله تعالى في هذا الدرس عن قوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ: 21]. إذا هو سبحانه في أول السورة قال: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ: 1-3]. وهو نبأ البعث، كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون حقيقته ويشهدون يوم يأتيهم ويعينون ما فيه من الأهوال.

ثم ذكر آيات في الدلالة على قدرته: ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً. الآيات فيها تذكير بقدرة الله، ومن خلق هذه قادر على أن يبعث هذه الأجساد. ثم ذكر حقيقة يوم الفصل، ثم فصل فيما يكون يوم الفصل من العذاب والنعيم، فبدأ بذكر العذاب فقال: إن جهنم كانت مرصادا. ذات ارتقاب ترقب من يجتازها ورصدهم؛ لأن الكفار يسحبون إليها سحبا، والمسلمون يعبرونها الموحدون، فتاخذ من العصاة من شاء الله أن تأخذه وتلتقط لقطا من الصراط ويهون فيها هويا، ويعذبون ما شاء الله أن يعذبوا، ثم يخرجون بعد ذلك.

فجهنم والعياذ بالله خلقت ووجدت وكانت مرصادا للطاغين تنتظرهم وترقب لهم، موعد معها سينتهون إليها، وهي معدة لهم مهيأة لاستقبالهم مرصادا لابثين فيها أحقاباً مدداً طويلة. مرصادا من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبه، والمرصد اسم مكان من جهة صيغة الكلمه هذه صيغة اسم مكان، رصد يرصد مرصد أو مرصاد المكان الذي يرصد فيه العدو، فجهنم ترصد الكفار تنتظر الوقت الذي تاخذهم فيه.

إن جهنم كانت مرصada لماذا سميت جهنم بهذا الاسم؟ لأنها ذات جهمه وظلمه بسوادها قعرها البعيد، أعاذنا الله وإياكم منها. لماذا ابتدا بذكر جهنم قبل ذكر الجنة؟ لأن المقام مقام وعيد، أصل السورة في أولها: عما يتساءلون عن النبا العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون، في تهديد لهم، ولذلك بدا بذكر النار، لأن السورة أصلاً في ذكر تكذيب المشركين بالبعث.

هذه الآية فيها دليل على مذهب أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وإذا كانت النار معدة فالجنة أيضا كذلك. ان جهنم كانت مرصادا للطاغين مابا، الطاغي اسم فاعل طغى يطغى، طغى في دينه بالكفر وفي دنياه بالظلم طغيانا. للطاغين ماب أي مرجعا يرجعون إليها، فهي مستقر وموئل، ماب أيابهم إليها، سيعودون إليها، معادهم إليها وموعدهم فيها.

لابثين فيها أحقاباً؛ قوله لابثين فيها أحقابا، لابثين لابث لبث يلبث لابث اسم فاعل، لابثين جمع مذكر سالم يعني ماكثين فيها مددا طويلة، لان كلمة لبث بقي مده. لابثين فيها أحقابا، والأحقاب جمع حقب، والحقب المدة الطويلة جدا لا تنقطع لابثين فيها أحقابا تأبيدا يمكثون فيها أبدا.

الأحقاب جمع حقب بضمتين حقب، قالوا في تعريفه الزمن الطويل نحو 80 سنة وأكثر، فاذا حقب ليس لا تقال عن سنة سنتين خمسه عشره، حقب المدة الطويلة. دل القرآن على أن الكفرة في جهنم في مدد أبدية لا نهاية لها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُونُوا اللَّه لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 168-169]. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 64-65]. وقال: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: 23].

إذا عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذا الارتباط من الارتباطات بين التفسير والعقيدة، أن النار والجنة مخلوقتان موجودتان الآن لا تفنان أبدا. ومن زعم أن النار تفنى فزعمهم غير صحيح، لكن من قال إن مواضع في النار تفنى وهي أماكن الموحدين المعذبين فيها من العصاة، إذا خرجوا منها، فان مواضعهم لا تكون سعة لأهل النار، لا تبقى فتفنى هذه المواضع لتضيق على من بقي فيها لتضيق على من بقي فيها.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا وإياكم من النار، وأن يباعد بيننا وبينها وأن يعتق رقابنا منها.

بسم الله، حياكم الله أيها الإخوان والأخوات، ونواصل درس التفسير في سورة عم، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِطَّاغِينَ مَآبًا * لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 21-23].

قال تعالى بعد ذلك: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ: 24]. لا يجدون في جهنم برداً لقلوبهم ولا شراباً طيباً يرويهم. قال الحسن وعطاء: لا يذوقون فيها برداً أي روحاً وراحة. قال مقاتل: لا يذوقون فيها برداً أي ينفعهم من حر، ولا شراباً ينفعهم من عطش.

وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: البرد النوم، تقول العرب: منع البرد البرد، يعني منع البرد يعني في الشتاء مثلاً البرد الذي هو النوم. لكن الطبري رحمه الله علق على هذا فقال: والنوم وإن كان يبرد غليل العطاش فقيل له من أجل ذلك البرد فليس هو باسمه المعروف. وذكر رحمه الله أن تأويل كتاب الله يكون على الأغلب المعروف من كلام العرب دون غيره.

وهذه قاعدة مهمة في التفسير، ما هي؟ تأويل يعني تفسير كتاب الله يكون بناء على الأغلب المستعمل في كلام العرب المعروف دون غيره. فإذا يحمل كلام الله تعالى -لأنه نزل بلسان عربي مبين- على المعروف الأغلب من كلام العرب، دون النادر أو الشاذ أو الضعيف. طبعا لا يحمل على معنى رقيق ولا على لفظ ضعيف.

وأحيانا تاتي روايات عن بعض الصحابه أو التابعين في التفسير لا تصح أصلا، يعني أصلا السند فيه نظر، وإذا اختلفت الأقوال في التفسير، فإننا بعد مراجعة صحتها، ننظر من وجوه الترجيح أي الأقوال على المعروف من كلام العرب مطابق للمشهور في استعمال هذه الكلمة عند العرب من الأوجه المطردة دون الشاذة والضعيفة، على الأكثر استعمالاً دون القليل النادر. هذه قاعدة لطيفة من قواعد التفسير أو الترجيح بين الأقوال.

فقوله تعالى: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25]. قال بعدها: إلا حميما وغساقا. قال ابن عباس: الحميم الحار الذي يحرق عذاب النار والعياذ بالله، البرد القارس قيل في الغساق الزمهرير يحرقهم ببرده، وقيل في الغساق صديد أهل النار كما ذكر البغوي رحمه الله. فالغساق شراب منتن الرائحة شديد البروده فيجمع عليهم ربنا بين الماء الحار شديد الحرارة والماء البارد شديد البرودة، المتناقضات والمتعاكسات ليزدادوا عذابا، ليذوقوا العذاب من ناحيتين: شدة الحرارة وشده البرودة. وقد اشار الى هذا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في تفسيره.

قوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: 26] أي جزيناهم وفق أعمالهم. قال مقاتل رحمه الله: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب اعظم من الشرك ولا عذاب اعظم من النار. وروى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس: وفاق وافق أعمالهم، وهذا الدليل على القاعدة المعروفة، ما هي يا معشر الطلاب والطالبات؟ ما هي؟ الجزاء من جنس العمل.

فمن أحسن في هذه الدار وبادر بفعل المعروف كان أهل لجزاء الله في الآخرة: ﴿جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: 36]. ومن أساء وصنع المنكرات كان أهلاً لعقاب الله في الآخرة. قال تعالى: جزاء وفاقا. فالجزاء يماثل العمل من جنسه في الخير والشر.

فمن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن ضار مسلما ضار الله به، ومن شاق شاق الله عليه، ومن خذل مسلما في موضع يحب نصرته فيه خذله الله في موضع يحب نصرته فيه، ومن قتل نفسه بحديدته فحديدته في يده يجأ -يعني يطعن بها- في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا، وهكذا.

وفي الخير أيضا: من ستر مسلما ستره الله، من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، من أقال نادماً في بيع مثلاً أقاله الله عثرته يوم القيامة، من أنفق في الخير ينفق الله عليه، من عفا عن حقه عفا الله عنه يوم الدين، فمن عفا وأصلح فاجره على الله، من صفح وسامح صفح الله عنه وتجاوز وسامح، من غفر غفر الله له، ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: 14].

من أحسن أحسن الله إليه، من جاد على عباد الله جاد الله عليه، من نصر أمر الله وشرعه وسنته نصره الله وثبته، من وصل صفا أو رحماً وصله الله، من تواضع لله رفعه، الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وهكذا.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: 27] أي لا يخافون أن يحاسبوا، والمعنى أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بأنهم محاسبون، ما كانوا يصدقون بذلك. أنهم كانوا لا يرجون لا ينتظرون ولا يتوقعون ولا يؤمنون. قال مجاهد: لا يبالون، لا يبالون فيصدق بالغيب رواه الطبري.

فإن قيل إن الحساب شيء شاق على الإنسان، والشيء الشاق كيف يقال فيه إنه يرجى المتوقع؟ مثلاً أن يقال إنهم كانوا لا يخشون حسابه. فذكروا وجوها في الجواب: أن قوله لا يرجون معناه لا يخافون، كما قال تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّه وقَارًا﴾ [نوح: 13]. وكذلك فإن المؤمن يرجو رحمة الله، فقوله: إنهم كانوا لا يرجون حسابا؛ إشارة إلى أنهم ما كانوا مؤمنين.

وقيل: الرجاء هاهنا بمعنى التوقع، لأن راجي الشيء متوقع له. وقيل: لا رجاء إلا ومقترن بخوف، ولا خوف إلا ومقترن برجاء، فذكر أحد القسمين لا يرجون ليتضمن القسم الآخر، كأنه قال: إنهم كانوا لا يصدقون بالحساب فلذلك لا يرجونه ولا يخافونه، لا يرجون ما في الثواب ما في الحساب من الحسنات ولا يخافون ما في الحساب من السيئات.

إذاً هؤلاء كما يقال لا يخافون أحداً ولا الله عز وجل، نعوذ بالله من حالهم، لا يرجون حساباً ولا يرجون رحمة الله، لأن الحساب في ناس يرحمهم الله في الحساب، هؤلاء لا يخافون يوم القيامة لا يخافون الله ولا يؤمنون بالحساب فلا يرجون ما فيه من الرحمة أيضا.

وقوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: 28] بما جاءت به الأنبياء، باياتنا بالوحي وبآيات الأنبياء الدالة على صدقهم. وكذبوا باياتنا كذابا يعني تكذيبا، هذا للتاكيد. كذبوا كذابا، لماذا قال كذابا للتاكيد؟ ما هي الآيات؟ دلائل الله في التوحيد والنبوة والمعاد والشرائع، وآيات القرآن والوحي، وآياته سبحانه وتعالى التي يريهم إياها الدالة على قدرته، كذبوا بها ودلالاتها.

﴿وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: 29] في اللوح المحفوظ مسطور. أحصيناه جمعناه وكل شيء أحصيناه في إمام مبين. ﴿وَسَنَجْزِي عَلَى ذَلِكَ﴾ [يس: 12] كل شيء وكل شيء من الخلق والتدبير وأفعال العباد أحصيناه ضبطناه بالاحصاء الدقيق. ﴿يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوفِيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ﴾ رواه مسلم.

وإحصاء الأعمال وضبطها قبل خلق الخلق، كما جاء في الحديث: أن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب. فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة. كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. أمر الله الملائكة بكتابة أعمال العباد: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 10-12]. قال: إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين.

وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد. عن اليمين وعن الشمال، هذا ناث وذا سيئات، كل شيء أحصي لأجل ذلك اليوم. الرقيب العتيد يسجلان كل الأعمال، رقيب حافظ، عتيد حاضر، إحصاء دقيق، الأقوال، الأفعال، الحركات، السكنات، الهم، الخواطر.

إن رسلنا يكتبون ما تمكرون، إنما نعد لهم عدا، وكل شيء فعلوه في الزبر مكتوب في صحف الملائكة، وكل صغير وكبير مستطر. ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا.

ثم قال تعالى: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا﴾ يا أهل النار يا أيها المكذبون، لن نزيدكم إلا عذابا. هذه كما قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على يعني في أهل النار آية أشد من هذه؛ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا، من زيادة إلى زيادة، من زيادة إلى زيادة. قال الحسن بن دينار: سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار فقال: قول الله تعالى: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا﴾.

فذوقوا أمر للإهانة والتوبيخ والتقريع، لن نرفع عنكم العذاب بل سنزيد عليكم. وذكر الله تعالى في آية أخرى أن عذاب كان غراما، ملازما غير مفارق، لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون. والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها، كلما خبت زدناهم سعيرا، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها، إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون، لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يععلمنا ما جهلنا، وأن يفقهنا في ديننا، نعوذ بالله من حال أهل النار. أيها الإخوة والأخوات، نعود إليكم إن شاء الله لإكمال تفسير هذه السورة.