يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظامئ، هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن، بشرى، أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات والطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله في هذا الدرس الخامس من سلسلة محاضرات مادة التفسير.
سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير سورة البروج، قلنا إنها سورة مكية اتفاقاً، من أغراضها ومقاصدها بيان ثواب المؤمنين وعذاب الكافرين، وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن إيذاء الكفار بذكر نموذج عظيم من ثبات المؤمنين أمام اضطهاد الكفار، وأن الله سبحانه وتعالى اصطفى أولئك المؤمنين وعذب الكافرين بعذاب الحريق.
قد ابتدأت هذه السورة بقسم عظيم: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: 1]، والبروج النجوم ومنازل الشمس والقمر. وكذلك قسم آخر باليوم الموعود وهو يوم القيامة، وشاهد ومشهود، الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، وقد وردت في ذلك أقوال أخرى يمكن الجمع بينها بأن الله تعالى أقسم بكل شاهد وبكل مشهود، فيشمل كل من اتصف بهذا الوصف من مبصر ومبصر، وحاضر ومحضور، وراء ومرئي.
ثم ذكر ربنا سبحانه وتعالى في هذه السورة قصة أصحاب الأخدود فقال: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 4-8]. هذه جريمة المؤمنين، ما ذنبهم إلا إيمانهم بالله الذي له ملك السماوات والأرض، والله على كل شيء شهيد، ومن ذلك أنه يشهد سبحانه وتعالى ما يفعله هؤلاء الكفار بالمؤمنين.
ونكمل الكلام في تفسير بقية الآيات، يقول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: 10]. الفتنة الابتلاء والامتحان والاختبار، في اللغة فتنت الفضة والذهب إذا أحرقتها بالنار ليتميز الجيد من الرديء كما في لسان العرب ومصباح المنير للفيومي، ويقال فتنت الشيء أي أحرقته، والفتن حجارة سود كأنها محترقة، ومنه قوله عز وجل: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: 13]. ويقال أيضاً في اللغة فتنت الذهب بالنار إذا أدخلته فيها، وكانوا يدخلونها لتنقيته من الشوائب.
وهذه الآية وعيد من الله تعالى للذين ابتلوا المؤمنين والمؤمنات وفتنوهم بتعذيبهم وإحراقهم بالنار كما في الطبري والهداية والبغوي، فهؤلاء أحرقوا المؤمنين والمؤمنات في الأخاديد، وقيل فتوهم عن دينهم، والصحيح أن الآية شاملة للمعنيين جميعاً، فهم فتنوا المؤمنين بصدهم عن سبيل الله وفتنوهم بالإحراق أيضاً، بل إن هذا الإحراق للصد عن سبيل الله، والقاعدة في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا مرجح لأحدهما على الآخر ولا يتضادان فإنها تحمل عليهما جميعاً، هذه من القواعد العظيمة في التفسير.
وأيضاً فإن الآية وإن كانت نازلة في أصحاب الأخدود فهي تشمل كل من فعل بالمؤمنين محنة من هذا النوع في كل زمان ومكان؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. العبرة بعموم اللفظ تعني أن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات في كل عصر ومصر فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق، واللفظ عام والحكم عام.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾، هؤلاء المجرمون الذين فعلوا ما فعلوا ثم لم يتوبوا ولم يندموا ولم يقلعوا ولم يرجعوا إلى الله فلهم عذاب جهنم. سبحان الله، يفتح لهم المجال بالتوبة وقد أحرقوا أولياءه، سبحان الله، الآية فيها وعد ووعيد، فوعدهم الله وعرض عليهم التوبة. يقول الحسن البصري رحمه الله: انظر إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة.
إذاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ من جريمتهم هذه، فلو تابوا لغفر لهم وقبل منهم ولم يعذبهم ولم يحرقهم، وهذا غاية في الكرم والجود، بل إن هذه دعوة عظيمة لكل أصحاب الذنوب مهما بلغوا أن لا ييأسوا من رحمة الله ولا ييأسوا من عفوه، فلا جريمة أعظم من حرق أولياء الله بالنار الذين آمنوا به وعبدوه ووحدوه، ومع ذلك يقول لهؤلاء المجرمين الذين أحرقوهم إذا تبتم فلن يقع عليكم العذاب، وهذا مفهوم الآية.
وقد قال ابن عباس رضي الله عنه كلمة عظيمة جداً يعلق على آيات وردت في دعوة الله عز وجل المشركين به إلى التوبة، فقال ابن عباس: دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، فقال الله تعالى لهؤلاء: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 74].
بل إن الله دعا المنافقين إلى التوبة فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 145-146]. ولذلك المؤمن يرجو رحمة الله، عندما يرى هذا العرض الإلهي العظيم فإنه يقترب من الله ويعود إليه: إلهي لا تعذبني فإني ... مقر بالذي قد كان مني وما لي حيلة إلا رجائي ... وعفوك إن عفوت وحسن ظني فكم من زلة لي في البرايا ... وأنت علي ذو فضل ومني يظن الناس بي خيراً وإني ... لشر الناس إن لم تعف عني
وقفة قصيرة ثم نعود إليكم بعد قليل إن شاء الله.
لا شك أن الرياضة تكسب النشاط والحيوية وتبني الجسم وتقويه وتحصن من الإصابة بالأمراض، كما أنها علاج للاضطرابات النفسية والقلق والتوتر وباب لملء الفراغ في النافع المفيد. وعلى الجانب الأخلاقي فهي تنمي روح التعاون والمنافسة الشريفة واحترام الآخرين، والأصل في الرياضة الإباحة، أما إذا كانت لأهداف وغايات محمودة كتقوية وتنشيط النفس للقيام بالواجبات الشرعية أو مجاهدة العدو، فإنها ترتفع من مستوى الإباحة إلى مستوى الاستحباب.
ولأن الإسلام منهج حياة، فقد وضع للرياضة ضوابط تعصم من الانحراف عن مقاصدها الأصلية، من هذه الضوابط: مراعاة الحُسن عند ممارستها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، وجوب ستر العورات والبعد عن مواطن إثارة الغرائز، عدم اشتمال الرياضة على خطر محقق أو يغلب على الظن تحققه، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، ألا تلهي عن واجب شرعي كالصلاة والصيام، البعد بها عن المكاسب المحرمة كالقمار والمراهنات، عدم الاختلاط بين الجنسين، ألا يغلب عليها التعصب بأن يبنى عليها ولاء أو براء، عدم إيقاع الأذى المقصود بالمخلوقات كاتخاذ الطيور أهدافاً للتدريب أو تعذيب الحيوانات أو التحريش بينها بقصد اللهو. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير».
الحمد لله، مرحباً بكم مرة أخرى. إذاً أيها الإخوة والأخوات، العرض الإلهي العظيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾، هذا التلطف بالعباد ودعوة الجميع إلى التوبة مع أنهم حاربوه وعذبوا أولياءه وأحرقوهم بالنار، وفي الآية دليل ظاهر على أن التوبة من قتل المؤمنين مقبولة، وأن توبة الكافر من قتل المؤمن مقبولة؛ لأن الإسلام يجب ما كان قبله.
وقيل إن المقصود بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ مشركو قريش، ولكن الآية تعم الجميع، وفي الآية دليل على قاعدة الجزاء من جنس العمل، لأنهم أحرقوا أولياء الله فكان جزاؤهم مثل عملهم، جزاء وفاقاً. لكن شتان ما بين نار الدنيا ونار الآخرة، نسأل الله السلامة.
فإن قيل: ما الفرق بين عذاب جهنم وعذاب الحريق؟ لأن الله توعد بهما الطائفة المجرمة التي أحرقت أولياءه، توعدها بعذاب، ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. الحريق اسم من أسماء جهنم، مثل السعير، والنار دركات وأنواع ولها أسماء، فهناك عذاب بالزمهرير في جهنم، وهناك عذاب بالحريق. ولذلك قال بعضهم: فلهم عذاب جهنم بزمهرير، ولهم عذاب الحريق بحرها الشديد. وقيل: عذاب جهنم هو العذاب الحاصل بسبب كفرهم، وعذاب الحريق هو العذاب الزائد على عذاب الكفر بسبب إحراقهم للمؤمنين، فإذاً فلهم عذاب جهنم على الكفر، ولهم عذاب الحريق على الإحراق، فالحريق هو الإحراق الذي حصل في الأخدود، وبنفس اللفظ ولكن أين الحريق من الحريق في شدته ومدته؟ حريق النار في الدنيا يوقدها الخلق، وحريق نار الآخرة يوقدها الله وتسعر ملائكته بأمره، وقودها الناس والحجارة، حريق الدنيا يموت صاحبه وينتهي الإحساس، حريق الآخرة آلام لا يعلمها إلا الله، حريق الدنيا الذي أتى على المؤمنين جعلهم شهداء، لكن حريق النار للكفار ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 30]، ومعه غضب من الله.
وعلى هذا طبعاً فكلا العذابين يحصلان في الآخرة، عذاب جهنم وعذاب الحريق. وقيل إن قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ إشارة إلى عذاب الآخرة، وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ إشارة إلى أن أولئك الكفار قد أحرقوا في الدنيا، خرجت عليهم نار الأخدود كما روي بعدما أحرقوا بها المؤمنين خرجت عليهم فأحرقتهم، فقال بعضهم عذاب الحريق الذي حصل لهؤلاء الكفار في الدنيا وعذاب جهنم لهم في الآخرة. طبعاً قضية احتراق الكفار بالنار التي في الأخدود جاءت في رواية الربيع بن أنس، نجا الله المؤمنين الذين ألقوا في النار بقبض أرواحهم قبل أن تمسهم النار وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم. طبعاً هذا إذا ثبت ولم يكن من الإسرائيليات، إذا ثبت عن الصحابة فله حكم الرفع. على أية حال، هذه رواية من الروايات في التفسير وبناء عليها سيكون المعنى فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق.
متى هذا ومتى هذا؟ في هذه الآيات من العبر أن الله تعالى قد يسلط أعداءه على أوليائه، لكن ليس لأنه يحب هؤلاء الأعداء وأنه لا منزلة لهؤلاء الأولياء عنده، كلا والله، لكنه يريد بأوليائه خيراً عظيماً، وأن يرفعهم إلى مرتبة الشهداء ويعذب أولئك بالنار، ويكون ما حصل منهم من الإجرام سبباً لأخذ الله لهم، فالمصابون من المؤمنين أجرهم عند الله عظيم، وهؤلاء الكفار أملى الله لهم، فلما استدرجوا بهذا وارتكبوا الجريمة العظيمة كان في ذلك أخذهم.
القصة التي حصلت لا شك أنها عبرة للمؤمنين وتثبيت، ويتفكر المؤمنون في كل زمن كيف ثبت إخوانهم في قصة الأخدود ولم يرجعوا عن دينهم رغم تهديدهم بالإحراق، بل إنهم ألقوا في الأخاديد التي أضرمت فيها النيران ولم يرجعوا عن دينهم. إنه مثال الثبات على التوحيد، إنه مثال الاستمرار على الدين والتمسك بالحق برغم وعيد الكفرة المجرمين، الثبات إلى الممات، الثبات إلى النهاية، وما عند الله خير وأبقى.
ولذلك جاءت الآية التالية في بيان وعد المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: 11]. فلما ذكر عقوبة الظالمين ذكر ثواب المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني بقلوبهم وأقروا بتوحيد الله، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهذا هو الإيمان بمفهومه الشرعي، ومن أعمالهم الصالحة أنهم ثبتوا على الدين أمام هؤلاء الطغاة، وكل واحد يثبت على دينه أمام التهديد والوعيد ولو نفذوه فيه داخل في الآية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم، ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، عند الله بساتين عظيمة وأشجار يانعة خضراء ملتفة، تجري من تحتها الأنهار، أنهار اللبن والخمر والماء والعسل، من تحت أشجارها وقصورها، تجري على سطح أرض الجنة ليست في أخاديد كأرض الدنيا، الماء في الجنة لا يحتاج إلى حفر واستخراج، بارز ظاهر بل يجري حيث شاء الإنسان، وفي أي مكان يريدون ماء، ﴿فَهِيَ عَيْنٌ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 6]. عجائب أنهار الجنة كما قال ابن القيم في النونية: أنهارها في غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان فأخبر عز وجل أن لهؤلاء المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار في مقابل ما أعد لأعدائه من الحريق والجحيم، ولذلك كان وعد المؤمنين ونعيمهم فوزاً كبيراً، بل هو النصر الحقيقي الدائم وليس ما حصل للكفار في الدنيا، فقال الله عن نعيم المؤمنين: ﴿ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾.
نلاحظ جانب التقابل في القرآن، الجمع بين الترغيب والترهيب، وإذا ذكر الوعيد للكفار ذكر الوعد للمؤمنين. ﴿ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾، العظيم الذي لا يشبهه فوز، الفوز برضا الله، الفوز بالجنة، الفوز معناه حصول المطلوب وزوال المكروه. الفوز الكبير، النجاة من المرهوب وحصول المطلوب في الجنة، لا يذوقون موتاً ولا مرضاً ولا هماً ولا حزناً ولا نصباً، فوز لأنه فاز بالجنة، هذا الفوز الكبير، ولذلك ما حصل لهم في الدنيا يصبح لا شيء بالنسبة لهذا الفوز الكبير، النجاح والفلاح، هذه الخاتمة الحقيقية، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الفائزين.
نعود إليكم بعد قليل إن شاء الله.
يلجأ الكثير من الباعة والمنتجين إلى وسائل شتى لجذب المشترين، والتي منها تلك المسابقات التي تجريها بينهم ليحظى الفائز منهم بجوائز عينية ونقدية، وربما قامت بمنح المشترين كلهم أو بعضهم هدايا وجوائز دون عقد مسابقة، فما حكم الاستفادة من هذه الهدايا؟ الراجح جواز الاستفادة منها بشرطين: الأول أن يكون ثمن البضاعة حقيقياً بحيث لا يرفع التاجر السعر من أجل الجائزة، فإن رفع السعر من أجل الجائزة فهذا من الميسر وهو لا يجوز. الشرط الثاني ألا يشتري الإنسان سلعة من أجل الجائزة فقط، كأن يشتري حليباً أو عصيراً وهو لا يحتاج إليها لكن ليحصل على الجائزة ثم يريقه ولا يستفيد منه، فهذا من إضاعة المال الذي سيسأل المرء عنه، فعن ابن مسعود...
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس»، فذكر منها: «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». فإن كان سيستفيد منها فيما بعد باستعمال لها أو تصدق بها فلا بأس.
الحمد لله، مرحبًا بكم أيها الإخوة والأخوات، ونحن في ظلال قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: 11]. ذلك اسم إشارة للبعيد، لماذا؟ إشارة إلى الجنات في علوها وارتفاعها، ولا شك أنه فوز كبير. وفي هذا طبعًا تحذير عظيم من الظلم الكبير: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 19]، فهناك فوز كبير وهناك عذاب كبير.
الله سبحانه وتعالى ذكر هنا الفوز، وفي القرآن ثلاثة أنواع من الفوز: الفوز العظيم، والفوز الكبير، والفوز المبين. فأعلاها الفوز العظيم، ثم الفوز الكبير، ثم الفوز المبين، كل بحسب درجته. ذكر الفوز المبين في موضعين: في صرف العذاب: ﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام: 16]، وفي الدخول في الرحمة: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الجاثية: 30]. أما الفوز الكبير فقد ذكر في سورة البروج في هذه القصة. أما الفوز العظيم فقد ذكر معه الخلود أو المساكن الطيبة، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72]، فالجنة مع الرضوان هذا فوز عظيم.
إذاً الجنة هي الفوز الكبير والنعيم المقيم، وفيها ما لا تتخيله العقول، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون. فكل نعيم وفرح وقرة عين وسرور قلب في هذه الجنة، كل ما اشتهته النفوس من المطاعم والمشارب والملابس والمنال الحسن والأشجار الجميلة والمباني المزخرفة، غرف مبنية من فوقها غرف مبنية معدة لأهلها، والحور العين والفرش والحرير. فيها كما قال الله في الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فاقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17]» رواه البخاري ومسلم.
إذاً نعيم الدنيا ماذا يساوي بجانب نعيم الجنة؟ لا شيء، لا مقارنة. والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار بالسبابة- في اليم في البحر، فلينظر بما ترجع رواه مسلم. إذاً ما الدنيا بالنسبة إلى الآخرة في قصر مدتها وفناء لذات ودوام الآخرة ودوام لذاتها والنعيم العظيم الذي فيها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر. ما بالك بدار غرسها الله بيده، وجعلها مقرًا لأوليائه، وملأها من كرامته ورحمته ورضوانه، وإذا رأيت ثم رأيت نعيمًا وملكًا كبيرًا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل ذلك.
نتعلم من هذه القصة أن الصبر على الطاعة إلى النهاية والثبات على الدين إلى الممات نعيمه عظيم. نتعلم من هذا أن الله يريد إكرام أوليائه وأنه يهيئهم للمنزلة العظيمة عنده، وقد تقصر أعمال بعض المؤمنين عن المنزلة التي يريدها الله لهم، فيبتليه بأمر من خارج، ليس من أعمالهم، هذا ابتلاء من الكفار لكنهم يثبتون أمامه، فيصبر فيرتفع إلى هذه المنزلة التي قدرها الله لهم. الحقيقة أن درس أصحاب الأخدود درس عظيم جدًا، ذلك الغلام المؤمن والناس الذين آمنوا معه، وأن الإيمان إذا تغلغل في القلوب لا تزحزحه أنواع التعذيب.
وعندما تصل القضية إلى أن المؤمنين يتدافعون في الأخدود، حتى جاءت امرأة معها صبي رضيع، فتقاعست أن تقع في النار لأجل رضيعها، فأنطق الله الرضيع تثبيتًا لأمه فقال: يا أمه اصبري، فإنك على الحق. وعندما يتشابه المؤمنون في مواقفهم يؤيد بعضهم بعضًا، كان الثبات ثباتًا جماعيًا، صحيح التعذيب كان تعذيبًا جماعيًا لكن أيضًا الثبات كان ثباتًا جماعيًا؛ ثبت الله المؤمنين بعضهم ببعض، فنالوا ذلك الفوز الكبير. الدنيا تمضي مهما كانت مدة التعذيب فيها قصيرة، لكن الآخرة نعيمها مستمر. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل الثبات على الإيمان، وأن ينعم علينا بالفوز الكبير والفوز العظيم والفوز المبين. إلى لقائنا القادم استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ محمد صالح المنجد