تسجيل الدخول

المحاضرة 6 - التفسير - تفسير سورة البروج (16:12) - المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم تقنياً ومجالاته ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، هذا كتاب الله روح قلوبنا خير الدروس تعلم القرآن. بشرى لنا أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكم في مادة التفسير. ونحن في تفسير سورة البروج، قد تقدم معنا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: 10]، أنه وعيد من الله تعالى للذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات وأحرقوهم بالنار، وأن هذه الآية فيها وعد ووعيد؛ فوعدهم الله إذا تابوا، وأوعدهم إذا لم يتوبوا.

وقلنا إن عذاب جهنم هو العذاب الحاصل بسبب كفرهم، وعذاب الحريق عذاب زائد على عذاب الكفر بسبب أنهم أحرقوا عباد الله المؤمنين بالنار. وقال بعض المفسرين: العذاب الأول عذاب برد الزمهرير وهو من عذاب جهنم، والثاني عذاب إحراق وشدة الحر. وقيل: عذاب جهنم إشارة إلى عذاب الآخرة، وعذاب الحريق في الدنيا؛ لأنه ورد أن نار الأخدود بعدما أحرقوا المؤمنين ارتفعت عليهم وأكلت هؤلاء الطغاة.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: 11] فيه بيان لثواب المؤمنين بعد بيان عقوبة المجرمين، وهذه عادة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب، وعرفنا أن الفوز الكبير هو الفوز العظيم الذي لا فوز يشبهه، هو الفوز برضا الله ودار كرامته.

والآن إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: 12-13]. فلما ذكر تعالى عقاب المجرمين وثواب المؤمنين، ذكر شدة بطشه وأنه سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، فإنه هو المبدئ المعيد. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم إيذاناً بأن لكفار قومه نصيباً موفوراً من هذا البطش والعذاب، فاتعظوا يا كفار قريش ويا مشركي العرب، إن بطش الله شديد.

وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم كي يخبره أنه معه ضدهم وأنه يؤيده عليهم. إن بطش ربك بأعدائك، إن بطش ربك بالمجرمين عموماً لشديد. والبطش هو الأخذ بعنف وشدة، ويعبر به أيضاً عن العقاب المؤلم الشديد، كما في تفسير السمعاني والبغوي وتحرير التنوير لابن عاشور. والمعنى: أن أخذ ربك يا محمد صلى الله عليه وسلم من أعدائه من الجبابرة والظلمة الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره وصدوا عن سبيله، إن بطشه بهم لشديد عظيم قوي بالغاية في الشدة والقوة والعنف، لأن ربك قادر على كل شيء وهو ذو القوة المتين، ما شاء كان كما يشاء كلمح البصر أو هو أقرب.

ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ وهو تحذير من الله لعباده أن يحل بهم عذابه ونقمته نظير الذي حل بأصحاب الأخدود إذا كفروا وكذبوا الرسل. وقد قال ابن عباس رضي الله عنه: إن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة والجبابرة شديد. وإذا كان البطش هو الأخذ بعنف وشدة فإنه يتضاعف ويتفاقم، وفي هذا أن عقوبته تعالى لأهل الجرائم والذنوب العظام والجبابرة الظلمة عنيفة، إذا كان عندهم عنف وشدة فالله أشد، وأنه بالمرصاد للظالمين.

أشار إلى هذا المعنى القرطبي رحمه الله وغيره، وفي الحديث أن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم الآية التي في سورة هود وهي قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]. والحديث في الصحيحين؛ فالله تعالى يملي للظالم حتى يزداد طغيانه ويترادف كفرانه وتتعدد جرائمه، حتى إذا أخذه؛ أخذه أخذ عزيز مقتدر.

فليحذر الظالمون من الإمهال، ولا يظنوا أنهم يفوتون الكبير المتعال. وقال شريح القاضي رحمه الله: سيعلم الظالمون حق من ظلموا ... إن الظالم ما ينتظر العقاب والمظلوم ينتظر النصر أما والله إن الظلم لؤم ... وما زال المسيء هو الظلوم إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم ستعلم في الحساب إذا التقينا ... غداً عند الإله من الملوم

جملة: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ تعليل لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: لأن لهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق، لأن بطش الله شديد بطشه بمن فتنوا المؤمنين. فموقع "إن" في التعليل أغنى عن فاء السببية، ولذلك لم يقل "فإن بطش". لأجل موقع "إنّ"؛ إنّ بطش، وبطش الله يشمل البطش الأول في الدنيا، والبطش في الآخرة، وإيجاد الأجيال وإخلافها بعد إهلاك أوائلها واندثروا ولا كأنهم كانوا، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾.

نعود مرة أخرى إليكم، حياكم الله. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾. ما معنى يبدئ ويعيد؟ يعني أن الله ابتدأ خلقه، هو الذي ابتدأ الخلق لا غير، ليس أحد إلا الله الذي بدأ الخلق، ﴿قُلِ انظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: 20]، ثم الله عز وجل ينشئ النشأة الآخرة ويعيد الخلق مرة أخرى في البعث كما بدأهم أول مرة في الإيجاد.

إنه هو يبدئ ويعيد؛ فيحدث خلقه ابتداءً ثم يميتهم ثم يعيدهم أحياءً بعد مماتهم كهيئتهم قبل أن يموتوا. يبدئ ويعيد؛ يبدئ الخلق في الدنيا ثم يعيده في الآخرة، فهو المتفرد سبحانه وتعالى بإبداء الخلق وإعادته لا مشارك له في ذلك. وقيل في معناها أيضاً: يميت ثم يحيي، وقيل: يخلق ثم يبعث، وقيل: يبدئ العذاب ويعيده، فيبدئه في الدنيا على الكفار ثم يعيده عليهم في الآخرة، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا ثم يعيده عليهم في الآخرة.

وقيل: يبدئ عذاب أهل النار ثم يعيده عليهم ويكرره أضعافاً مضاعفة، ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 30]. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فحماً، ثم يعيدهم خلقاً جديداً، والاحتراق عملية مستمرة. وقيل: يبدئ ما كلف من أوامره ونواهيه ويعيد ما جزى عليه من ثواب وعقاب. هذا معنى آخر في يبدئ ويعيد؛ يبدئ ما كلف من أوامره ونواهيه يشرع ما يشاء ينزل من الحلال والحرام ما يشاء، ويعيد ما جزى عليه من ثواب وعقاب؛ فيبدئ تكاليف في الوجوب والتحريم ونحو ذلك، ويعيد الجزاء عليها بعد ذلك.

جاء هذا عند الطبري وكذلك في النكت والعيون والتفسير البسيط وزاد المسير والقرطبي، ولا منافاة للأقوال هذه، فالله تعالى من قوته وقدرته التامة أنه يبدئ الخلق ثم يعيده كما بدأ بلا ممانع ولا مدافع؛ فهو الذي بدأ الأشياء وإليه تنتهي الأشياء، الأشياء منه وإليه في كل شيء، الخلق من الله وإليه، الشرائع من الله وإليه، كل الأمور من الله وإليه. حتى القرآن منه بدأ إنزالاً وإليه يعود في آخر الزمان، عندما يُسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى منه آية في المصاحف ولا في الصدور، يغار الله على كتابه عندما تعطل العمل به تماماً في آخر جيل من البشرية هذا شرار الخلق، يعود القران إليه عز وجل.

الله عز وجل قال هنا في الآية يبدئ ولم يذكر ما الذي يبدئه، وبالتالي إذاً نقول: يبدئ كل شيء ويعيد كل شيء، والأمر كله بيده عز وجل؛ يعني ليس فقط جسد الإنسان يعني يبدئ خلق ويعيد البعث، لا كل الأشياء. فاعرف أيها العبد من أين أنت وأنك ابتدئت من عدم، واعرف منتهاك وغايتك، إذا عرفنا ذلك رجعنا إلى الله. يبدئ الخلق بالإنشاء ويعيدهم بالإحياء، على كل شيء قدير، فإذاً إمهاله للكفار والظالمين ليس إهمالاً. وعندما يطغون اليوم في الأرض ويبغون اليوم ونرى قتلهم وتشريدهم ونهبهم واستيلائهم وغصبهم، وأنهم يريدون أن يحكموا البشر بشريعتهم شريعة الإجرام وشريعة الظلم، فإن ربك ليس بغافل عنهم، سيأتي أخذه لهم قطعاً.

وهو سبحانه لما ذكر بالبطش والانتقام وذكر بالقدرة العظيمة ذكر أيضاً بأنه غفور ودود، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: 14]. أيضاً عرض المتقابلات في القرآن وبضدها تتميز الأشياء وتتبين؛ فلما ذكر شدة بطشه وانتقامه من المجرمين وأنه لا يعجزه شيء وأنه المبدئ والمعيد، فكيف هو سبحانه مع المؤمنين ومع أوليائه؟ قال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾؛ يغفر لمن تاب إليه ويوده يحبه.

فهو سبحانه وتعالى الموصوف بشدة البطش والموصوف بالغفور الودود. المغفرة أن يستر الذنب ويعفو ويقي شره ولا يؤاخذ به بل يرضى عن هذا التائب ويحبه. بالله عليكم أيها الإخوة والأخوات، لو أن أحداً أساء إلينا إساءة عظيمة، أحلم واحد فينا حتى لو هذا اعتذر، صعب ينسى الجريمة التي فعلها له، ويمكن أن يكون قصار ما يفعل أن يسامحه، لكن أن يحبه هذه صعبة. لو أجرم في حقك إجراماً عظيماً ثم جاء يطلب المسامحة، قصار ما هنالك ربما أن تسامحه لكن كأنك تقول له: اغرب عن وجهي لا أرى لك شكلاً. لكن الله عز وجل مهما أجرم الواحد في حقه إذا رجع إليه وتاب فهو غفور، وليس فقط غفور؛ ودود، يغفر ويحب من تاب إليه.

واعف عنا واغفر لنا وارحمنا؛ العفو إسقاط الحق والمسامحة، المغفرة وقاية شر الذنب، الودود أن يحب ويقبل على هذا العبد الذي تاب. العفو ترك محض، والمغفرة إحسان وفضل وجود، والودود زيادة على هذا ثلاثة أمور تتضمن النجاة من الشر والفوز بالخير والقرب من الله تعالى. جاء في الحديث الصحيح أن الله يدني المؤمن فيضع كنفه، يعني ستره وعفوه، ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته.

الودود المحب للمؤمنين والمحبوب منهم، الله يحب ويحب، حبيب ومحبوب، محبوب من خلقه كما قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54]. ليس العجب من فقير يحب غنياً أحسن إليه، لكن العجب من غني يحب فقيراً ويحسن إليه، وهو سبحانه المتودد إلى عباده بنعمه وجميل أفعاله وكثير إحسانه. يتوب ويقبل، وإذا جاءه العبد يمشي أتاه هرولة، إذا تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً، إذا تقرب إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً. الله ودود محب لأوليائه ومودود محبوب لهم، يحب من أناب وتاب. شعيب عليه السلام: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: 90].

الله عز وجل قال في هذه الآية في سورة البروج: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. قال ابن القيم رحمه الله: وما ألطف اقتران اسم الودود بالرحيم وبالغفور، فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وكذلك قد يرحم من لا يحب، والرب يغفر لعبده إذا تاب إليه ويرحمه ويحبه، مع ذلك فإنه يحب التوابين، وإذا تاب إليه عبده أحبه. والله يحب عبده بعد المغفرة، فالتائب حبيب الله، والود أصفى الحب وألطفه. سبحان الله، إذا انتقل العبد من درجة المحبة إلى درجة المحبوبية وصار حبيباً لله ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، مع أن الله لا تنفع طاعة هذا العبد ولا تضر معصية هذا العبد، ليس الشأن أن تحب إنما الشأن أن تُحَب، فإذا أحبك أخوف عليك. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلطف بنا وأن يغفر لنا وأن يتوب علينا وأن يحبنا. وقفة قصيرة ثم نعود إن شاء الله.

سددوا وقاربوا والقصد القصد تبلغوا.

الحمد لله، مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات. إن ربك رحيم ودود، قال الله تعالى في هذه الآية: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: 14]. معنى ذلك أن العبد المذنب ممكن أن يعود بعد التوبة إلى درجة أعلى مما كان قبلها، وهذا فيه رد على من قال إن المذنب لا يرجع إليه الود، بل يرجع وزيادة إذا حسنت توبته، ورجع مستقيماً يعبد مولاه، وازداد طاعة وقرباً ازداد محبة ووداً. والله يحب التوابين ويفرح بعبده إذا تاب، وهذا يهيج القلب ويأخذ بمجامعه إلى التوبة، فتح الباب ويقال للمذنبين: دونكم أنه تواب، فاقتربوا منه حتى يحبكم، وعودوا إليه حتى تنالوا وده.

المحبة الحاصلة بالتوبة لا تنال بغيرها، وإذا رجع العبد حصل له قرب ووسيلة إلى الله، فلله الحمد والثناء وصفو الوداد، ما أعظم بره، وأكثر خيره، وأغزر إحسانه، وأوسع امتنانه. هنيئاً للتوابين، ودعوة لأصحاب الذنوب والمعرضين أن يعودوا إلى الله؛ لأن لهم منزلة عالية جداً لو رجعوا. هذه الآية ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ لعلها تتصل بقوله من قبل ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: 10]، معناها لو تابوا ستحصل لهم ميزة عظيمة؛ فرحمة الله فضله بلا حدود ولا قيود، إذا أرسلها لا ممسك لها، ولا أحد يردها، ولا يمنعها مهما عظم الذنب وكبرت المعصية، الله سبحانه وتعالى يستقبل عبده ويفتح له الباب.

فيا أيها المسرف على نفسه -وكلنا ذلك- لا تقنط من رحمة الله، وأحسن الظن بمولاك وتب إليه، إذا أوجعتك الذنوب فداوها برفع يد بالليل والليل مظلمة، ولا تقنطن من رحمة الله، إنما قنوطك منها من ذنوبك أعظمه؛ فرحمته للمحسنين كرامة، ورحمته للمذنبين تكرم.

ثم قال عز وجل: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 15-16]. فلما بين أنه غفور ودود، بين عظمته وتمام سلطانه بذكر عرشه العظيم وأنه فعال لما يريد؛ ذو العرش أي صاحب العرش العظيم العالي على جميع الخلائق، إذا كان وسع كرسيه السماوات والأرض فالعرش أعظم من الكرسي، وإذا كان السماوات والأرض بالنسبة للكرسي كحلقة في فلاة صحراء، فالكرسي بالنسبة للعرش كحلقة ألقيت في صحراء، فكيف بعظمة ربنا تعالى؟ فهو أعظم من العرش ومن الكرسي، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].

قال عليه الصلاة والسلام: «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة». خص الله العرش بالذكر لعظمته، ولأنه أخص المخلوقات بالقرب منه تعالى، وقوله عز وجل ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ فيه إضافة العرش إلى نفسه كما تضاف إليه الأشياء العظيمة الشريفة؛ بيت الله، رسول الله، عرش الله، بل يدل على غاية القرب والاختصاص إذا أضاف الشيء إلى نفسه؛ ذو العرش، كذلك إذا قال ذو الجلال والإكرام فهو سبحانه وتعالى متصف بالجلال والإكرام اتصافاً عظيماً. والعرش هذا المخلوق العظيم الذي له قوائم، هذا قد استوى عليه ربنا استواء يليق بجلاله وعظمته. وقوله المجيد، قيل معناه العالي والكريم والعظيم والقوي، أما قوله ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ففيها قراءتان؛ المجيد، وقرأ حمزة والكسائي: المجيد خفضاً صفة للعرش. إذاً المجيد صفة لله، نعم من أسمائه المجيد، والمجيد صفة للعرش، نعم يصلح أن يكون كذلك أيضاً، وكلا المعنيين صحيح. قرأ الباقون غير حمزة والكسائي: المجيد رفعاً صفة لله صاحب العرش، إذاً ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ كلاهما صحيح.

أما اسم الله المجيد، يتضمن كثرة صفات كماله وسعتها وعدم إحصاء الخلق لها، يتضمن كثرة خيره ودوام هذا الخير، له المجد عز وجل لجلال صفاته وعظم أسمائه وكلها حسنى وأفعاله حميدة. وإذا قلنا العرش المجيد، المجيد صفة للعرش، فالمخلوق يصير مجيداً بأوصاف يجعلها الخالق فيه، فالعرش مجيد لأن الله تعالى خلقه على ذلك. أما اتصاف بالمجد وأن من أسمائه المجيد فقد جاء في كلام الملائكة لبيت الخليل عليه السلام: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ [هود: 73]، وفي آخر الصلاة الإبراهيمية إذا جلسنا للتشهد: «إنك حميد مجيد». شرع في آخر الركعة عند الاعتدال أن نقول: ربنا ولك الحمد، أهل الثناء والمجد؛ فالحمد والمجد على الإطلاق لله الحميد المجيد، فالحميد الحبيب المستحق لجميع صفات الكمال، المحمود على صفاته، حميد بمعنى محمود، والمجيد ذو المجد العظيم الواسع القادر الغني ذو الجلال والإكرام.

المجد سعة الأوصاف وعظمتها، الجلال العليم الكامل في علمه، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، القدير الذي لا يعجزه شيء، المجيد الحليم الكامل في حلمه، المجيد الحكيم الكامل في حكمته، وهكذا في أسمائه وصفاته التي بلغت غاية المجد، فليس في شيء منها قصور أو نقصان، الله عز وجل حميد مجيد.

عرشه إذا قلنا بالقراءة الأخرى ذو العرش المجيد، فقد وصف عرشه أيضاً بأنه كريم، فقال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: 116]، فهو عرش كريم، وعرش عظيم، وعرش مجيد؛ لأن الله سبحانه وتعالى خلقه على ذلك لسعته وحسنه وبهائه وجماله، وأوسع شيء في المخلوقات العرش، وأجمل شيء في المخلوقات وأجمعه لصفات الحسن وبهاء المنظر وعلو القدر والرتبة والذات فيما خلق تعالى من مخلوقاته في السماوات والأرض، هذا الكرسي.

وقال عز وجل: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16]. مهما أراد فعله لا يعجزه شيء، لا يمتنع منه شيء، لا يغلبه غالب، لا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل من كماله. وإذا قلنا ذو العرش المجيد، يعني الله عز وجل من أسمائه المجيد لأنه يفعل ما يريد، ذو العرش المجيد فعال لما يريد؛ ما يشاء متى شاء كيف شاء، فعال ما يريد من الإبداء والإعادة، يوفق من شاء للتوبة، ويدخل أولياءه الجنة، ويعذب من يشاء، ويحول بينه وبين التوفيق فيموت على كفره، يمهل العصاة، ويعاجل بعضهم بالعقوبة، ويعذب من شاء منهم، يفعل ما يشاء. روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم. قالوا: فما قال لك؟ قال: قال لي إني فعال لما أريد. لاحظوا كلمة فعال ولم يقل فاعل؛ لكثرة أفعاله تعالى، فعال يفعل كثيراً، ويفعل ما يشاء ولا يرده شيء عما يريده، صيغة مبالغة فعال للكثرة والتفخيم.

سيكون لنا بمشيئة الله تعالى وقفة أخيرة مع الآيات الأخيرة في هذه السورة في الدرس القادم بمشيئة الله تعالى، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.