يا راغباً في كل علم نافع، ينم العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، زاد أكاديمية، ينبوعها صافٍ ليروي غلّة الظمآن، هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن، بشرى نازلة، أكاديمية للعلم كالآزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نحن في الدرس السابع من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. سبق في الدرس الماضي الكلام عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: 12]. وقلنا في تفسيرها إن الله تعالى ذكر شدة بطشه، والبطش هو الأخذ بعنف وشدة، وأنه سبحانه لا يعجزه شيء؛ فهو المبدئ المعيد الذي يحدث خلقه ابتداءً ثم يميتهم ثم يعيدهم أحياء بعد مماتهم كهيئته قبل مماتهم، فهو سبحانه يحيي ويميت بلا مانع ولا مدافع.
وبينا معنى قوله «الغفور الودود» أنه يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه، فالله يحب التوابين ويحب عبده بعد المغفرة، والود أصفى الحب وألطف. ولما ذكر تعالى أنه غفور ودود، بين عظمته وتمام سلطانه بذكر عرشه العظيم، وأنه فعال لما يريد، فقال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: 15].
فـ «المجيد» إما صفة للعرش، وإما صفة لله سبحانه وتعالى. وإذا قلنا «ذو العرش المجيد» يعني صفة للعرش، فهذا العرش عظيم خلقه الله تعالى عالٍ على جميع الخلائق. وإذا قلنا «ذو العرش المجيد» يعني المجيد صفة لذوي، فالمجيد من أسماء الله تعالى، بمعنى صاحب المجد العظيم والمُمجَّد؛ أي لكثرة صفات كماله وسعتها وعدم إحصاء الخلق لها، وكثرة خيره ودوامه.
وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16]، أي مهما أراد فعله لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه، ولا يغالبه ولا يغلبه غالب، ولا معقب لحكمه، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وذلك لعظمته وقهر وحكمته وعدله.
في هذا الدرس نختم الكلام عن تفسير السورة بإذن الله تعالى. قال عز وجل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ [البروج: 17-18]. لا يزال سياق الآيات في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته فيما ألحقه المشركون به من الأذى، وتهديد ووعيد هؤلاء المشركين من أن يحل بهم ما حل بالأمم السابقة المكذبة، وأن الذي نصر رسله من قبل سينصر رسوله صلى الله عليه وسلم من بعد. وفي هذا تقوية لعزته صلى الله عليه وسلم وشحذ لهمته في الدعوة إلى الله وتبليغ رسالاته.
فيقول عز وجل: هل جاك يا محمد صلى الله عليه وسلم حديث الجنود؟ وهل هنا بمعنى «قد»، «هل أتاك حديث الجنود؟»؛ هذا استفهام تقريري، يعني قد جاءك. وأتى بخبر الجموع الكافرة المكذبة الذين تجندوا على الله ورسله وأوليائه بالأذى والمكر. لقد علمت يا محمد صلى الله عليه وسلم خبر هؤلاء، فإن كان قد أتاك علم ذلك وعرفت ما أحل الله بهم من البأس وأنزل عليهم من النقمة التي ما ردها أحد عنهم لما نزلت بهم عندما كذبوا أنبياء الله ورسله، فاصبر؛ فإن الله قادر على أن يلحق بهم الذين آذوك ما ألحق بأولئك، فاصبر كما صبر الرسل من قبلك وبلغ كما بلغوا، فإن عاقبة من لم يصدقك ويؤمن بك ويعادي كذب هؤلاء الجنود المذكورين الذين عرفت خبرهم.
وفي الآية تقرير لقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. والجنود جمع جند، وهو العسكر المتجمع للقتال، فالعسكر المتجمع للقتال يسمى جنداً، وجمع جند جنود. وأطلق ذلك على الأمم التي تجمعت لمقاومة الرسل، وقد قال عز وجل: ﴿جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ [القمر: 45]، وهؤلاء قد تجمعوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب ثم هزمهم الله عز وجل.
وقد بين الله عز وجل في الآية منهم الجنود: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. فذكر فرعون واكتفى بذكره مع أنه واحد، لكن المقصود هو وجنوده وأتباعه لأنه كان ملكهم ورئيسهم وهم تبع له وتحت طاعته وأمرته، فالمعنى: هل أتاك حديث الجنود فرعون وجيشه وقومه؟ وثمود القبيلة كلها التي قاومت نبيها صالحاً.
والاستفهام في الآية «هل أتاك حديث الجنود» أيضاً فيه معنى التنبيه؛ قلنا هذا يعني استفهام تقريري أي قد أتاك، وأيضاً يحمل معنى التنبيه، لأن الشيء إذا جاء بأسلوب الاستفهام انتبه الإنسان له أكثر. لا شك أن هؤلاء الجنود جيش عرمرم. والجنود فيها بيان أن هؤلاء جنود مجندة بسلاح عظيم وعدد كبير وبطش وجبروت فرعون وثمود. وطبعاً الآية وإن كانت موجهة للنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنها تضمن تهديداً ووعيداً للمشركين الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه قد يحل بهم ما حل بأولئك.
وهنا سؤال: ما الحكمة من ذكر فرعون وثمود على الخصوص من الأمم المكذبة؟ فالأمم المكذبة كثيرة. الجواب بعد الفاصل إن شاء الله.
بشرى نازلة، أكاديمية للعلم كالآزهار في البستان. الزواج هو الصلة التي ارتضاها الإسلام لإعفاف النساء والرجال واستمرار النسل لمواصلة عمار الأرض وإصلاحها، وهو عقد مودة فيه سكن للنفس وارتياح للقلب، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
والمرأة المسلمة حين تقبل على الزواج فهي تقدم على مرحلة جديدة في حياتها، تعد مرحلة مهمة وجليلة الشأن، فلا بد أن تعرف متطلبات نجاحها؛ فإن جزءاً كبيراً من سعادة بيتها واستقراره بيديها إن هي أحسنت التهيئة والاستعداد لهذا الأمر. ومن حسن الاستعداد الاهتمام بحسن الاختيار على أسس صحيحة، وأهمها الدين والخلق، والاستخارة إشارة للوصول إلى القرار الأقرب إلى الصواب، والاستفادة من فترة الخطبة في التأكد من مصداقية الخاطب وسلوكه، والاستعداد نفسياً وبدنياً لمسؤوليات وشؤون بيت الزوجية، وإثراء فهمها ووعيها بمرحلة الزواج ومتطلبات نجاحها سواء بالقراءة أو بتجارب الناجحات ووصاياهما، أو بالالتحاق بدورات تثقيفية في هذا الأمر، ومعرفة حقوقها وما يجب عليها تجاه زوجها.
وإن حسن تبعلها لزوجها ليس لنجاح زواجها فقط، بل هو قربة وعبادة لله تعالى. وتعلم المرأة أن بيت الزوجية هو مملكتها الجميلة ومستقر سعادتها ومحض أطفالها، وبحسن تصرفها في تدبيره ورعايته تتضاعف سعادتها وتنال رضى الله وجميل ثوابه. بشرى نازلة، أكاديمية للعلم كالآزهار في البستان.
الحمد لله، حياكم الله مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات والطلاب والطالبات. ختمنا الفاصل السابق بسؤال: ما الحكمة من ذكر فرعون وثمود على الخصوص من الأمم المكذبة؟ والجواب: أولاً ثمود في بني العرب، وقصتهم عند كفار قريش وكفار العرب مشهورة وهم يمرون على مساكنهم بالنهار والليل. أما أمر فرعون فإنه كان مشهوراً عند أهل الكتاب وغيرهم، ومعلوم أن المعادين للنبي صلى الله عليه وسلم...
وسلم في ذلك الوقت، كانوا إما من مشركي العرب أو من أهل الكتاب من اليهود وغيره. وفرعون طبعاً من المتأخرين في الإهلاك بالنسبة لثمود، فثمود كانت قبل فرعون بمدة، فأتى لهم بمثل في الإهلاك من قوم من العرب يعرفونهم، ويمرون على مساكنهم بالليل والنهار في طريق سفرهم وقفلهم. وأتى لأهل الكتاب بخبر يعرفونه جيداً في إهلاك الله لفرعون، وهذا فيه تهديد ووعيد شديد لقريش ومشركي العرب الذين كذبوا النبي ﷺ، ولليهود وغيرهم ممن وقفوا له بالمرصاد وجحدوا نبوته.
فهو يقول لهؤلاء، لكل المكذبين بالنبي ﷺ: لستم أشد قوة من فرعون وثمود، ومع ذلك أصابهم الدمار والهلاك وعليهم العذاب. ثانياً، فرعون وثمود من أكبر الأمم التي كذبت رسل الله؛ فأما قوم فرعون فتالوا على موسى عليه السلام الذي بعثه الله لاعتتاق بني إسرائيل من ذل العبودية لفرعون، ولما دعاهم موسى عليه السلام إلى عبادة الله غاظ ذلك فرعون الذي زعم أنه إله القبط وابن آلهتهم.
وأما ثمود، فالله قد أعطاهم قدرة وقوة، وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين حاذقين متكبرين، ويتخذون من القصور سهولاً، وعندما كذبوا صالحاً عليه السلام رسولهم، أهلكهم الله برجفة وصيحة، فهلكوا عن بكره أبيهم، فأصبحوا في ديارهم جاثمين خامدين ميتين.
ولما ذكر ذلك، أعقبه سبحانه بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [المدثر: 31-34]. لما ذكر ما ذكر من التهديد، قال: بل هؤلاء المشركين في شك وريب وكفر وعناد، وسيستمرون في التكذيب، ولا تنفع معهم الآيات، ولا تجدي لديهم العظات، ولا يعتبرون بمن قبلهم من الأمم المكذبة كالويلات كفرعون وقومه وثمود وغيرهم.
وهذا هو حال الكفار ونهجهم مع المؤمنين في جميع الأزمنة؛ فالمعنى أن بل الذين كفروا من مشركي مكة وغيرهم في تكذيب، لكن الحال والشان والواقع أنهم في تكذيب لله ولكتابه القرآن، ولا يعتبرون بما حصل لمن قبلهم من الكفرة، هم أعرضوا عن الاعتبار بما أصاب فرعون وثمود وأصروا على التكذيب. والسبب الذي أهلك الله فرعون وثمود من أجله، فكذبوا بما جئت به من القرآن. فانتقلت الآيات من الكلام عن حال الأمم السابقة إلى إعراض قريش عن الاعتبار بحال هذه الأمم، وأنهم مستمرون على التكذيب منغمسون فيه.
وهذا فيه بيان لما كانت عليه مشركو العرب من الطغيان. لاحظ قوله: ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾، داخلون في هذا التكذيب؛ لم يقل يكذبون -وقد ذكرت في آية أخرى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾- ليس فقط أن هذا من أفعالهم، لكنهم يغمسون فيه أشد الانغماس، فقال هنا: ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾، هذه حالهم المطبقة والتكذيب محيط بهم من كل جانب، منغمسون فيه انغماساً.
ما الفرق بين ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ و﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾؟ تكذيب بدون ألف ولام، التنكير يدل على التعظيم والتهويل، يعني بل الذين كفروا في تكذيب عظيم، فقوم لا يقلون تكذيباً عن ثمود، فهم غرقى في التكذيب، مغمورون فيه، ويستحقون العذاب. ولذلك جاء تكملة التهديد بقوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، محيط عليم، محيط بأخبارهم وأعمالهم، محيط ليس فقط بالعلم والقدر، أيضاً محيط بهم إحاطة فيها محاصرة لهم من كل جانب، لا يمكن أن يفلتوا منه، ولا أن يخرجوا عن سلطانه ولا عن علمه ولا عن عقابه.
بالتالي، فهذه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14]؛ فهو قادر أن ينزل بهم ما أنزل بفرعون وثمود من العذاب، لا يعجزه شيء ولا يمنعه أحد، فقدرته مشتملة عليهم، وهو سبحانه محيط بهم وبأفعالهم يحصيها عليهم وسيجازيهم بها، فهو قادر قاهر لا يفوتونه ولا يعجزونه. وفي الآية وعيد شديد وتهديد للكافرين من عقوبة من هم في قبضته وتحت تدبيره.
وهنا سننتقل النقلة إلى زمننا وعالمنا؛ لما نرى اليوم طغيان الكفرة والتكذيب من هذه الأمم للإسلام، والتمرد على الله، والمعاداة لشرعه ودينه وللمسلمين، والحرب على الله ورسوله ودينه وعباده المؤمنين، سنقول الكلام نفسه بشأن كفار عصرنا: إن الله محيط بهم، وأنه مهما بلغوا من القوة، ومهما صعدوا إلى الكواكب، ومهما امتلكوا أنواع السلاح في قيعان البحار وآفاق السماء وأنحاء الأرض، فإنهم لن يخرجوا عن قبضة الله ولا عن تدبيره، لا يخرجون عن سلطانه ولا عن قدرته، وإن الله محيط بهم أينما كانوا براً وبحراً وجواً.
الآن هم في مرحلة المهلة والإمهال، وسيأخذ عز وجل ولن يفر لهم. قد يسلط بعضهم على بعض في حرب عظيمة، وقد يصيبهم بانهيار اقتصادي شامل يذهب بأموالهم ومكاسبهم وما بنوه وجنوه، وقد يسلط عليهم آفات من عنده من السماء أو الأرض فيسحتهم بعذاب، وقد يسلط على بعضهم بعضاً. على أية حال، كل التهديدات التي جاءت في القرآن للكفر والمشركين تسقط اليوم على كفرة عصرنا، فأين هم من بأس الله؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن ينصر الدين وأهله على المشركين.
وقفة قصيرة ثم نعود إليكم إن شاء الله. «من صمت نجا»؛ كف عليك هذا، «فليقل خيراً أو ليصمت»، توجيهات نبوية كريمة بحفظ اللسان وإمساكه عن الشر والأذى، فالمسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده. لذا فإن من كمل عقله أمسك لسانه إلا من خير؛ فاللسان كالنفس، إن لم تشغله بالحق انشغل بالباطل.
فمن إشغاله بالحق أن يكون في الذكر والدعاء وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العلم والدعوة إلى الله تعالى، وإلا فسوف ينشغل بالغيبة والنميمة والكذب وقول الزور ونشر الباطل والقول على الله بغير علم، ولكل انشغال جزاء. قال ﷺ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم». فكل ما خرج منه يرصد ويكتب ويجمع ويحفظ لينشر يوم الدين؛ فإما خيراً يجازى عليه أجراً وثواباً، وإما شراً يجازى عليه إثماً وعذاباً. قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
فالمسلم العاقل أشد ما يكون حذراً من زلات لسانه، فإنه مما يورث الندامة يوم القيامة، فما أعظم الحسرات حين يرى الإنسان حسناته وقد ذهبت إلى ميزان غيره! قال رسول الله ﷺ: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار».
ونحن في ختام تفسير سورة البروج؛ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾. من ورائهم؟ ماذا تعطي هذه الكلمة؟ من ورائهم وهم في غفلة عنه، ومن ورائهم وقد أحاط بهم، ومن ورائهم يتربص بهم وسينزل بهم بأسه وهم لا يشعرون؛ من ورائهم محيط. حتى إذا أرادوا الفرار والإفلات لا يمكنهم ذلك، سيجدون الإحاطة التامة. كل هذا مواساة للمؤمنين وعلى رأسهم النبي ﷺ، وانتقال من حكاية أحوال الأولين في التكذيب وإهلاكهم، إلى هؤلاء المتأخرين.
ثم إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. بل هذه فيها الانتقال، وهذا في رد على تكذيب الكفار للقرآن وإبطال قولهم، وفيها إبطال لقول الكفار بأن القرآن شعر وكهان وسحر، فقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾. نلاحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه المجيد، ووصف عرشه بأنه المجيد، ووصف القرآن كتابه بأنه مجيد: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾.
هذا الذي جئت به يا محمد ﷺ فكذبوا به؛ كتاب شريف عظيم كريم كثير الخير والعلم والبركة، أعظم كتب الله المنزلة، وأبلغ هذه الكتب في نظمه وإعجازه وهديه وأحكامه. كيف يكذبون به كيف يكفرون به إذا كان الكتاب بهذه المنزلة؟ فلماذا يتمردون عليه ويصادقون جاءهم بدلائل بينات؟ كيف يستمرون في التكذيب به ويصفونه بأنه أساطير الأولين وأفّاك مفترى وقول كاهن وقول شاعر؟ ولذلك رد الله كلامهم الباطل ونوه بالقرآن في مجده وشرفه، وجمع له صفات الكلام وصفات الكمال.
وهذا القرآن لا شك أن المؤمن به وحامله ومن يقوم به ويتلو حق تلاوته ويعمل به ويمتثل لأمره ونهيه سيكون له نصيب من المجد والعزة والكرامة والرفعة؛ فهذا من جزاء من يؤمن به ويقبل عليه. ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، يعني مثبت في لوح محفوظ عند الله. هذا اللوح العظيم الذي خلقه الله، خلق الله اللوح والقلم قبل أن يخلق السماوات والأرض، فالقرآن هذا في الملأ الأعلى محفوظ في اللوح عند الله، لا زيادة ولا نقصان، ولا تحريف ولا تبديل، ولا تطاله وتناله أيدي المحرفين.
مهما فعلوا في الدنيا الآن من محاولات، كم محاولة فعلوا في تحريف القرآن كلها بطلت، وما راجت ولا صارت مطبقة ولا أخذ الناس بها، بل بقي القرآن في صدور المؤمنين يتناقلونه جيلاً عن جيل، من صغارهم إلى كبارهم. وما استطاع الكفرة رغم كل المحاولات وكل استعمال وسائل التقنية اليوم في محاولات تحريف القرآن؛ كل محاولة وكل وسائل التقنية لم تجدِ شيئاً.
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، والله تعالى جعله أيضاً محفوظاً في صدور عباده؛ ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. وقد قال تعالى في آيات أخرى إنه ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾، مكنون مصون محفوظ، وهذا هو اللوح المحفوظ لا يمسه إلا المطهرون. وقال: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، وأيضاً في صحف الملائكة، في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة.
في لوح محفوظ، قراءة نافع وحده من السبعة «محفوظٌ» بالرفع، صفة للقرآن: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٌ﴾، فإذاً هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، فالقرآن نفسه محفوظ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. والقراء الباقون من السبعة «محفوظٍ» بالجر، صفة للوح؛ فاللوح نفسه محفوظ من أيدي العابثين، واللوح لا يمكن للشياطين أن يصلوا إليه. قال تعالى عن القرآن: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، إنهم عن السمع لمعزولون.
فالقرآن إذاً محفوظ من شياطين الإنس ومحفوظ من شياطين الجن، لا تقدر الشياطين على أن تنال منه ولا أن تزيد فيه ولا أن تنقص. فالقرآن محفوظ، واللوح الذي كتب فيه القرآن عند الله محفوظ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ومن حفظه حفظ محله، وحفظ من الزيادة والنقصان، وحفظ معانيه من التحريف، وألفاظه من التبديل؛ كل أنواع الحفظ. وهذا من خصائص القرآن التي ليست للكتب السابقة التي وقع فيها التبديل والتغيير والكتمان.
قال تعالى عن اليهود: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾. وقال عن تحريف النصارى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تَخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾، فحرفوه بوسائل كثيرة حتى منها النسيان والإهمال، غير أنهم يكتبون ويقولون هذا من عند الله وهو ليس من عند الله. أما القرآن فقد تكفل الله بحفظه.
نحن نؤمن باللوح المحفوظ، ولا يلزمنا أن نعرف من أي مادة هو، ولا أن نتفلسف في تفصيل أشياء لم يخبرنا الله عنها. يقول المقري رحمه الله: اشتملت هذه السورة على أمور؛ على وصف سبحانه بالعزة المتضمنة للقدرة والقوة وعدم النظير: ﴿وَمَا نَقَبُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. والحمد المتضمن لصفات الكمال مع محبته وإلهيته عز وجل: «الحميد»، وملكه السماوات والأرض المتضمن لكمال غناه وسعة ملكه: «الذي له ملك السماوات والأرض وشهادة على كل شيء»، المتضمن لعموم اطلاعي على ظواهر الأمور وبواطنها، وإحاطة بصري بمراياتي وسمعي بمسمعاتي وعلمي بمعلوماتها: «والله على كل شيء شهيد».
ووصفه بشدة البطش المتضمن لكمال القوة والعزة والقدرة: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. وتفرده بالإبداع والإعادة المتضمن لتوحيد الربوبية وتصرفه في المخلوقات بالإبداع والإعادة والقيادة لقدرته، فلا يستعصي عليه منها شيء: «إنه هو يبدئ ويعيد». ووصفه بالمغفرة المتضمن لكمال جوده وإحسانه وغناه ورحمته. ووصفه بالودود المتضمن لكوني حبيباً إلى عبادي محباً لهم. ووصفه بأنه ذو العرش الذي لا يقدر قدره سواه، وأن عرشه المختص به لا يليق بغيره أن يستوي عليه. ووصفه بالمجد المتضمن لسعة العلم والقدرة والملك والغنى والجود والإحسان والكرم، وكونه فعالا لما يريد المتضمن لحياته وعلمه وقدرته ومشيئته وحكمته سبحانه.
هذه السورة كتاب مستقل في أصول الدين، في العقيدة، في التوحيد. ختمها بالتحذير والوعيد: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾، وأن الكفار المتأخرين في إحاطته سبحانه وتعالى. وختمها بأن كلامه مجيد، أحق بالمجد من كل كلام، كما أن المتكلم به له المجد كله، فهو مجيد وكلامه مجيد وعرشه مجيد سبحانه وتعالى. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن آمن بالقرآن وعمل به، إنه سميع مجيب. إلى لقائنا القادم، استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ محمد صالح المنجد