تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في أكاديمية زاد في مادة التربية الإسلامية وفي مقرر أعمال القلوب، الذي نتحدث فيه عن أعمال التي تتعلق بالباطن، وهي أعمال عظيمة جليلة يحسن بالمسلم أن يعتني بها وأن يراعي هذا الأمر في تعامله مع ربه وما في تعامله أيضا مع الخلق.

من الأعمال القلبية العظيمة التي سنتحدث عنها إن شاء الله في هذه الحلقة: الورع. وما أعظمه من خلق يتخلق به المسلم في تعامله مع الله عز وجل في كل أحواله وفي كل شؤونه. الورع عبادة قلبية عظيمة جدا، بل ذكر كثير من أهل السلف أن الورع عماد الدين وأصل الدين وأصل الطاعة، وذكروا من الكلمات والعبارات التي تعظم من هذه العبادة القلبية العظيمة التي هي الورع.

ما المقصود بالورع؟ الورع في معناه اللغوي هو التحرج من فعل الشيء. تورع الإنسان عن فعل الشيء أي تحرج عن فعله أو تحرج في فعله. فهذا المعنى أخذ شرعا واصطلاحا حتى أصبح الورع الكف عن الحرام، هذا في أصله في الشرع، وإذا تورع الإنسان عن شيء كف عنه وابتعد عنه، فول الورع أن يكف الإنسان عن الحرام، وأن يبتعد عن الحرام ورعا وخشية وخوفا من الله، أن يتورع عن الوقوع في المحرمات خوفا من الله وخشية لله عز في علاه.

ثم بعد ذلك قد يزيد الإنسان مرتبة أعلى في الورع، وهو أنه بعد أن يبتعد عن المحرمات أنه يترك بعض المشتبهات، ممن أو مما اشتبه فيه الحلال بالحرام. ثم إذا ترقى في الورع ووصل إلى أعلى مراتبه، أنه يترك شيئا من الحلال خشية الوقوع في الحرام، يترك شيئا من الحلال خشية الوقوع في الحرام، وهكذا يتدرج الإنسان في الورع وفي تقوى الله عز وجل حتى يعبد الله على بصيرة ويحذر مما نهى الله عز وجل عنه ويجتنب ما حرم الله فيسلم له دينه، يسلم له دينه بهذه العبادة العظيمة التي هي عبادة الورع.

فالورع هو أن يترك الانسان المحرمات ابتداء ويبتعد عنها ويتورع عن الوقوع فيها، يتورع ويخشى الله ويخاف الله عز وجل عن الوقوع في المحرمات. ثم بعد ذلك يترك ما يظن أنه فيه شبهة حرام، أن فيه شبهة حرام فيبتعد عنه الإنسان ويتورع فيه خوفا من الوقوع في الحرام، خوفا من الوقوع في الحرام، ولهذا قال بعض السلف عن الورع: هو ترك ما لا باس به خشية مما به باس، ترك ما لا باس به يعني من بعض ما أحل الله عز وجل خشية والوقوع في الباس، يعني الوقوع فيما حرم الله عز وجل؛ لأن هناك أمور في ديننا كما سياتي، هناك أمور مشتبهات يخفى تخفى على كثير من الناس، فالورع أن الإنسان يتعامل مع هذه الأمور بالخوف والخوف من الله عز في علاه.

وقد ذكر العلماء يعني من ورود الورع في كتاب الله عز وجل، استنبطوا من بعض الآيات في قول الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: 113]. لعلهم يتقون، يعني يتقون ربهم بفعل الواجب وترك المحرم، أو يحدث لهم ذكرا. قال قتاده رحمه الله: أو يحدث لهم ورعا، ورعا في قلوبهم يحجبهم عما حرم الله عز وجل، ويحجب ويمنعهم أيضا في الوقوع في المشتبهات التي قد توصل إلى المحرمات.

والتقوى هي التي المنزلة الأولى التي تكون في قلب الإنسان يتعامل فيها مع الله عز وجل، وهي من أعظم وأجل المراتب أن تتحقق التقوى في قلب العبد، ثم بعد ذلك يترقى العبد في مراتب العبودية القلبية حتى يصل إلى أعلى المراتب وأجلها في تعامله مع ربه، وهكذا الإنسان يترقى في هذه الأمور كما هو أصل الدين؛ الدين يبدأ الإنسان بالإسلام الذي هو إقامة الشرائع الظاهرة، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الإيمان وهو مرتبة أعلى من الإسلام، مرتبة الإيمان مرتبة أعلى يتحقق فيها الإيمان في قلب العبد ويترك ويجتنب المحرمات.

ثم بعد ذلك ينتقل إلى المرتبة الأعلى والاجل، وهي مرتبة الاحسان، مرتبة الاحسان التي هي مبتغى كل مؤمن الذي يحرص على الخير ويتمنى أن يرزق التوفيق في الدنيا وفي الآخرة، يسأل ربه مرتبة الإحسان؛ لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فانه يراك. الإحسان له مرتبتان كما ذكر العلماء: أن تعبد الله كأنك تراه، كأن الله أمامك، وهذه مرتبة عالية وجليلة عندما يصلي الإنسان يكبر ويقول: الله أكبر، كأنه واقف أمام ربه، عندما يقرأ القرآن كأنه يناجي ربه، عندما يذكر الله عز وجل، وهكذا في كثير من العبادات، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه يعني مرتبة أقل، فانه يراك، يعني تخيل واستحضر في ذهنك أن الله عز وجل مطلع عليك ويراك في كل شؤونك وفي كل أحوالك لا تخفى عليه منك خافيه، لا تخفى عليه خافيه، فهو يعلم السر وأخفى، وهكذا يترقى الإنسان في هذه المراتب، في مراتب العبودية ليصل إلى مرتبة عظيمة جليلة يحبه الله عز وجل ويرفعه في هذه الدنيا وفي الآخرة أيضا.

فهذا هذا يعني هذه هي المرتبة العظيمة والجليلة في العبودية وهي مرتبة الورع أو عبادة الورع التي يتعبد بها الإنسان مع ربه عز في علاه، ولهذا قال الحسن البصري يقول: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافه الحرام، ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافه الحرام، تركوا كثيرا هذه المرتبه الثانيه الأعلى يعني زياده على ترك الحرام تركوا شيئا من الحلال مخافه الوقوع في الحرام مخافه الوقوع في الحرام.

ويقول ابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه يقول: إني لأحب أن أعد بيني وبين الحرام سترا، إني لأحب أن أعد بيني وبين الحرام سترا، سترا من الحلال لا أخر يعني هذا الستر لا يخرقه ولا يتجرأ عليه وإنما يترك ساترا بينه وبين الحرام بترك شيء من الحلال ليسلم له دينه، وهكذا كانوا هؤلاء الكمل الأخيار من صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم ومن التابعين والصالحين إلى يومنا هذا يتعبدون الله عز وجل بهذه العبادة العظيمة، ونواصل الحديث إن شاء الله بعد الفاصل.

خلق الله الإنسان وجبله على العيش مع الجماعة والتعامل مع الآخرين فهو لا يستطيع العيش وحيدا مهما توفرت له سبل الراحة والرفاهية، لذا كانت الصحبة أمرا ضروريا للغاية، وقد جاء القرآن والسنة ببيان أهمية الصحبة ومدى خطورتها على الإنسان. ففي الحديث: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». فالصاحب يؤثر في صاحبه ولا شك، فاما أن يؤثر فيه خيرا فيذكره بالله ويأمره بالصالحات ويحثه على الطاعات فيكون من اسباب نجاته يوم القيامة، واما أن يؤثر فيه شره فيأمره بالخبائث ويحثه على المعاصي ويصده عن ذكر الله تعالى فيكون سببا في ضياعه وهلاكه يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 27-29].

ومن أوضح الأمثلة المبينة لأثر الصحبة ما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لتاثير الجليس على جليسه فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثه». فالعاقل يتخير الصالحين والأخيار لمجالستهم والقرب منهم، ويبتعد كل البعد عن صحبة الذين يردونه المهالك ويورثونه الندامة في الدنيا والآخرة. ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: فقد تحدثنا قبل الفاصل عن عبادة عظيمة وهي الورع، ونواصل ما يتعلق بهذه العبادة التي قال عنها الشافعي رحمه الله: زينة العلم الورع والحلم، زينة العلم الورع والحلم. وما أعظمها من كلمة تدل على أهمية الورع في حياة الإنسان وفي علمه وفي عبادته وفي تعامله وفي أخلاقه وفي أدبه وفي كل أحواله وفي كل شؤونه، فهؤلاء العلماء عرفوا هذه القيمة العظيمة الجليلة لهذه العبادة الرفيعة وهي الورع، ولهذا وصفوها بهذه الأوصاف العظيمة بأنها عماد الدين وأنها أصل الدين وأنها أصل الطاعة وأنها خير ما يتعبد به مع الله عز وجل، وهي عبادة الورع.

النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه العبادة في بعض أحاديثه الجليلة العظيمة التي تدل على فعل هذه العبادة، تدل عليها بالمعنى وليس بالمبنى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا باس به حذرا مما به باس»، لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا باس به، أي حتى يترك ما لا باس به حذرا مما به باس، يعني هو يترك شيء مما ليس فيه باس خوفا من الوقوع في الباس والوقوع في الحرام، وهذا يدل ورع الإنسان وعلى خوفه من الله عز وجل وعلى خشيته على نفسه وعلى حفظه لدينه، أنه لا يتجرأ على شيء لا يعلم يقينا أنه من الحلال.

ولهذا جاء في الحديث العظيم حديث نبينا صلى الله عليه وسلم الذي وصفه العلماء بأنه نصف الدين وانه من أصول الإسلام الكبرى، وهذا الحديث حديث عظيم يجب على كل مسلم أن يعتني به، ولهذا وصفه العلماء بهذه الأوصاف العظيمة الجليلة الرائعة، أنه نصف الدين وانه من مباني الإسلام العظام، وانه أصل من اصول الإسلام، حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه وأرضاه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، يوشك أن يقع فيه».

هنا النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الأمور التي في هذه الدنيا هي ثلاثة: حلال بين يعني واضح لا ريب فيه أن الحلال بين، وهذا كثير في ديننا كالمطمومات والمشروبات التي أحلها الله عز وجل كالماء وغيره من المطعومات التي ناكلها، هذه كلها حلال بين لا شك فيه. وهناك حرام بين واضح لا شك فيه كالخمر والزنا والسرقة والربا حرام بين لا شك فيه، فالحلال بين والحرام بين.

لكن القضية في ماذا؟ هناك امور مشتبهات وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا يعلمها كثير من الناس»، لا يعلمها كثير من الناس، لا يعلمونها بمعنى أنه لا يعرف الحكم في هذا الامر؛ لأنه لا لم يطلع على الأحاديث والآثار التي جاءت فيه، يعني يخفى عليه أن هذا حلال أم هذا حرام؛ يعني كثير من الناس الآن لا يعرف مثلا أن أكل الضبع حلال أو حرام أو بعض الحيوانات التي قد تخفى عليه كالجربوع وغيره، فقد يخفى على الإنسان مثل هذه الأمور، هنا هذه من الأمور التي تخفى على كثير من الناس ويعلمها أهل العلم، أو أن هذا الامر ليس له دليل ونص فيه، ليس فيه نص، المسألة ليس فيها نص وإنما يقيسها العلماء ويجتهد العالم في هذا الأمر، كالمسائل الحديثة الآن مسائل البيوع وغيرها التي التي وقعت في أحوال الناس الآن، مسائل حديثة تحتاج إلى اجتهاد من العلماء لأنها لم تكن في الزمن الماضي، فيجتهد العالم.

فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يعلمها كثير من الناس»، أنهم لا يعرفون الحكم الشرعي الذي ورد فيها، أو بمعنى أنه لا يعلم هل هذا حلال أم هذا حرام بعدم معرفته للاجتهاد الحاصل في هذه المسألة، وهذا لابد في الرجوع اليه في الرجوع فيه إلى أهل العلم، وهذا هو الذي ينطبق عليه قول ربنا عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7].

فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه»، فقد استبرأ لدينه هذه المنطقة الوسط التي بين الحلال البين والحرام البين، هذه المنطقة الوسط هي المشتبهات وهي التي يتحقق فيها الورع، يتحقق فيها الورع عند العبد الذي يريد أن يعرف يعني قيمة الورع أو مقدار الورع في قلبه فلينظر إلى حاله في هذه الأمور المشتبهات الآن.

وهذا الآن مع الأسف كثر في حال الناس الآن في المستجدات في المعاملات المالية وفي غيرها، تجد الآن بعض الشركات الأسهم وغيرها تنزل أو بعض المعاملات المالية بعض البيوع في السيارات وفي غيرها، هناك يعني مسائل فيها شبهة، فهنا يظهر الورع، هل الإنسان يقتحم مثل هذه الأمور ودون أن يعني يكون عنده شيء من الورع في قلبه أو شيء من الحذر من الوقوع في المحرم؟ أم أنه يتراجع ويترك شيئا من الحلال الذي يعني قد لا يكون واضحا يتركه ورعا ومراقبة وخوفا من الله عز وجل من الوقوع في الحرام؟ فهذه الأمور المشتبهات وهي المنطقة الوسط بين الحرام وبين الحلال يظهر فيها الورع في قلب العبد، يظهر فيها الورع في قلب العبد، ولهذا من أراد أن يسلم له دينه فليحذر من هذه المنطقة الخطيرة.

التي قد يشترها بعض الناس، كما يقول السلف، فيقلب ويتجرأ على المحرمات، ثم يدخل لا سمح الله في هذه المحرمات بسبب تهاونه وتساهله وعدم الخوف وعدم الورع وعدم الخشية التي كانت في قلبه بجرأته، وهو يعلم أنه قد يكون في هذا الأمر ما يغضب الله عز وجل أو ما حرمه الله عز وجل. لكن عدم وجود الورع في قلبه والخوف من الله في قلبه تجرأ على هذا الأمر، وهنا تأتي -ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في هذا الحديث- قال: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه»، قد حصل على البراءة لهذا الدين من الوقوع فيما حرم الله عز وجل.

ومن منا لا يريد أن يبرا دينه من الخلل، أن يبرا دينه من الخطر ومن الزلل ومن الوقوع فيما حرم الله عز وجل؟ كلنا نريد أن ننجو في هذه الدنيا، كلنا نريد أن نخرج منها ونحن سالمون ونحن غانمون ونحن فائزون بإذن الله يوم القيامة، لأنه ستاتي هذه المسائل وهذه الأمور وهذه الوقائع التي تجرأ عليها الإنسان سيجدها في ميزان أعماله يوم القيامة، وهناك يندم ولا حين مندم.

إذا كانت من جنس الحرام وهو لا يعلم، وهذه الكارثة والمصيبة أنه لا يعلم يقيناً أنها حلال أو حرام، والا لو علم أنها حلال فلا إشكال فدخل في الحلال البين الذي لا إشكال فيه، أو يعلم أنه حرام اجتنبه فهذا من الحرام البين الذي لا إشكال فيه. لكن هنا منطقة الوسط، وهي منطقة المشتبهات التي يظهر فيها إيمان العبد، يظهر فيها ورع العبد، يظهر فيها تقواه وخوفه من الله، هنا يكون التعامل، وهو الذي يريد أن يستبرئ لدينه كما أخبر النبي صلوات ربي وسلامه عليه.

ولهذا في آخر الحديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى أن الذي يدفع الإنسان إلى الاستبراء لدينه والورع والخوف من الله عز وجل هو ما يكون في قلب العبد من تعظيم لله وخوف من الله عز في علاه. ونواصل الحديث إن شاء الله بعد الفاصل بإذن الله.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما زال الحديث أيها الأحبه عن هذه العبادة الجليلة الكبيرة العظيمة، وعبادة الورع، الذي من تعامل فيه مع الله عز وجل في حياته فقد فاز وأفلح ونجى وظفر بالخير العميم العظيم الذي يكون سببا في رفعته يوم القيامة.

ذكرنا قبل الفاصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى». النبي هنا صلى الله عليه وسلم يضرب المثل بالانسان الذي يشتر على الشبهات كراع لرنم يرعى حول الحمى. الحمى هو ما يحميه الملك أو الكبير أو صاحب المال والجاه والمنصب، يحمي مكانا معينا لا يرعى فيه، وياتي هذا الراعي ويرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه لأنه اقترب من مكان الحمى.

وكذلك الإنسان إذا اقترب من منطقة الحرام فإنه يخشى عليه أن يجرئ ويقع في الحرام بعد ذلك، وهذا قد يكون أيضا من خطوات الشيطان، أن الشيطان ينقل الإنسان -الشيطان عليه لعائن الله لا يأتي للإنسان مباشرة ويقول له اكفر افعل الكبائر- وإنما هو ينتقل به، الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، خطوة خطوة ينتقل بالانسان، ينتقل منه ينتقل من الحلال إلى منطقة الشبهات هذه حتى يجعل الانسان يضعف الإيمان في قلبه ويكون عنده جرأة على الأمر الذي لم يظهر له فيه حقيقة الحلال والحرام فيه، فيبدأ يتجرأ.

وهذا قد ينقله مع الوقت إذا ضعف الإيمان في قلب العبد إلى منطقة الحرام، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، يعني دع الشيء الذي تشعر فيه بريبة وأنت لا تدري، يعني مثلا الآن في الشركات التي تنزل في المساهمة، شركات الأسهم هناك يقول شركات مختلطة، فهذا هذه الشركات فيها ريبة. فالإنسان الذي قد يكون محتاجا إلى أن يساهم فيسأل أهل العلم حتى ينجو.

لكن الذي يريد أن يتورع ويريد أن يحفظ نفسه ويحفظ دينه ولا يتجرأ على هذه الشبهات وهذه مرتبة -يعني مرتبة فضيلة، مرتبة عالية- هي من المراتب التي يترقى بها المؤمن في حياته وفي تعامله مع ربه عز وجل، فيبتعد ويدع هذا الأمر لله عز وجل، يدعه لله وخوفا من الله وورعا في أن يقع فيما حرم الله عز وجل، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.

وأيضا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر». الإثم ما حاك في القلب، يعني بمعنى أن الإنسان أحيانا يأتي إلى بعض المعاملات ويشعر أن الأمر فيه إشكال، عالم يفتي بحله وعالم يفتي بحرمته، فهنا يبدأ الإنسان في التردد، فهنا يأتي الورع وتأتي المراتب العليا من الإيمان التي كل إنسان يتمنى أن يصل إليها، أن يترقى بايمانه إلى أن يصل إلى هذه المرتبة.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإثم ما حاك في قلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك، وإن أفتاك الناس وأفتوك» لكن طالما أن هذا القلب -طبعا هذا قلب من قلب المؤمن الذي امتلا خوفا من الله، امتلا خشية، امتلا تعظيما لله عز في علاه- هنا تجد هذا القلب في بعض الأمور في حتى في بعض المباحات تجد أن القلب يضطرب، يخشى، يخاف، لأنه يريد المحافظة على دينه، يريد المحافظة على إيمانه، فهذا هو راس ماله، يعني الانسان لا يغامر براس ماله في تجارة قد يخشى كسادها، فما هو اعظم وأجل هو دين الانسان، راس ماله في هذه الدنيا هو دينه، فلا يغامر بدينه فيقع في امور قد تكون وبالا عليه.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول أيضا: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعني». يعني قد يكون الإنسان في غنى عن مثل هذه الأمور، في غنى عن مثل هذه الأمور، فيبتعد عنها خوفا من الله عز وجل، ومن ترك شيئا لله عوضه الله. وما أجمل يا إخوان أن يتعامل الإنسان مع الله عز وجل بهذا الخلق القويم العظيم، أنه دائما يكون في قلبه شيء من التعظيم، من الخوف، من التوقير، من الإجلال، من الإعظام لله عز في علاه. وهذا يحجبه عن كثير من المعاصي والذنوب التي قد يتساهل فيها بعض الناس، بل قد يحجبه عن شيء من المباحات لأنه يخشى الله ويخاف الله ويريد أن يترقى بايمانه ودينه إلى المراتب العليا، إلى مرتبة الإحسان وأعلى وأجل من ذلك.

فما أجمل أيها الأحبه أن يتعامل الإنسان في حياته مع هذا الأمر، ولو نظرنا إلى أحوال الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين وكبار أئمة الإسلام في تعاملهم مع هذه العبادة العظيمة عبادة الورع، نجد أن الأمثله في قمة الجمال وفي قمة الوضوح في أنهم تمثلوا هذه العبادة في قلوبهم وأن الله عز وجل عظم في قلوبهم حتى ابتعدوا عن منطقة الوسط التي هي منطقة الشبهات. فيبقى الإنسان في المكان الآمن في منطقة الأمان، وهي منطقة الحلال البين، ولا يقع حتى في هذه الشبهات التي قد يكون فيها شيء من الحلال وشيء من الحرام من الأمور المختلطة، لكنه يربأ بنفسه يربأ بنفسه ويحافظ على دينه حتى يسلم له إيمانه ويسلم له قلبه ويسلم له دينه وتقواه.

الإنسان كلما ترفع عن كثير من الأمور التي فيها الاختلاط بين الحلال والحرام وفيها الشبهة، لا شك أن هذا منزلة ومرتبة عالية من التقوى والخوف من الله عز في علاه. ولهذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]. هنا الله عز وجل يمني الإنسان بأنه إذا حصل الخوف في قلبه والتعظيم لله عز وجل بترك شيء من الشبه التي قد تخفى على كثير من الناس، يخشى الله عز وجل ويخاف الله ويبتعد عن مثل هذه الأمور.

ولعل من أروع وأجمل وأفضل الأمثله في هذا الباب هي قصة الصديق رضي الله عنه وأرضاه، الذي هو خير الأمة بعد نبيها صلوات ربي وسلامه عليه، كان للصديق غلام، والغلام يأتي بالخراج، فأتاه يوم بطعام فأكل منه أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، ثم قال له هذا الغلام: أتدرري من أين هذا الطعام؟ قال: لا، ما ساله لأنه معتاد أن هذا الغلام عنده، فقال: تكهنت في الجاهلية -قبل الإسلام- لرجل وأنا لا أعرف الكهانة، فأعطاني هذا المال، يعني كذب عليه في أنه يعرف الكهانة وهو لا يعرفها، فجمع بين سوءتين، بين الكهانة وبين الكذب، فأخذ مال، فيقول: هذا الطعام من هذا المال.

فأدخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه أصبع في فمه حتى استقاء -أكرمكم الله- ما في بطنه، أخرج ما في بطنه، وأراد أن يكثر من ذلك حتى لا يبقى شيء في بطنه من هذا الطعام. فقيل له: ارفق بنفسك، قال: والله لو لم يخرج هذا الطعام إلا مع روحي لأخرجتها، من شدة ورعه وخوفه. ثم قال كلمة عظيمة وجليلة هي التي أوصلته إلى هذا الورع وهذا الخوف من الله، هو يريد مراتب عليا، يقول: قد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أيما جسد نبت من الحرام فالنار أولى به، فالنار أولى به».

فهو خشي أن يكون هذا الطعام مع أنه لا يعلم به ومحذور إن شاء الله عند ربنا عز في علاه، لأن الله عز وجل عذرنا بالنسيان والجهل وعدم العلم، فالله عز وجل عذرنا في ذلك وما كلفنا إلا ما في وسعنا. لكن الصديق رضي الله عنه هو يبحث عن المراتب العليا ولا يريد أن يختلط شيء من الحرام في جسده، لأنه يعرف حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما جسد نبت من الحرام فالنار أولى به». فما أعظم خلق الصديق ومن سار على نهج الصديق. أسأل الله عز وجل أن يلحقنا بصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم مع نبينا عليه الصلاة والسلام في الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يرزقنا الورع في الدين إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.