تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله في أكاديمية زاد، في مادة التربية الإسلامية وفي مقرر أعمال القلوب، ومعنا اليوم إن شاء الله عمل عظيم من أعمال القلوب، التي هي من أجلّ الأعمال وأعظمها التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه ومولاه.

عمل اليوم أيها الأحبة هو الرضا. الرضا الذي هو التسليم وعدم التسخط؛ الرضا الذي هو الإقرار والاعتراف بالفضل لله عز وجل، وأن يكون الإنسان منقادا لله في كل أحواله، وفي كل أموره، وفي كل شؤونه. هذا هو الرضا، إذا امتلا به قلب العبد نال خيرا عظيما لا يعلمه إلا الله.

الرضا أيها الأحبة هو من أفضل الأعمال التي ينالها الإنسان في هذه الدنيا. ولهذا؛ من سأل الرضا، كما قال أحد السلف: من سأل الرضا فقد سأل أمرا عظيما، إذا سأل الله عز وجل أن يرزقه الرضا فقد سأل أمرا عظيما.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث عظيم: «اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس».

الرضا هو التسليم، الرضا هو عدم السخط، هو الاطمئنان لكل ما يأتي من الله عز وجل؛ يطمئن هذا القلب ويرضى، ولا يتسخط بأي أمر من الأمور التي جاءت في ديننا، أو على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم، أو قبل ذلك في كتاب ربنا عز وجل في علاه.

الرضا أيها الأحبة يكون رضا بالله، ورضا بالإسلام، ورضا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ورضا بأقدار الله؛ أن يرضى الإنسان بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وأن يرضى بالقدر خيره وشره. إذا تحقق هذا الامر في قلب العبد، فهو على خير عظيم، وهو من أهل الجنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، كما سياتي معنا إن شاء الله.

فهذا هو الرضا، وهناك أيها الأحبة رضا بالله ورضا عن الله. الرضا بالله هو المقصود به توحيد الله عز وجل؛ أن ترضى به ربا، أن ترضى به ربا وخالقا ورازقا، وأن تقبل بهذه العبادة وأنت طائع، وأنت مقبل على الله عز وجل، مخبت بقلبك لله عز وجل في علاه. هذا هو الرضا بالله؛ ترضى بالله عز وجل، ترضى بأسمائه، ترضى بصفاته، ترضى بألوهيته، ترضى بربوبيته. هذا هو التسليم الحقيقي الذي ينجو ويفوز العبد إذا تحقق في قلبه.

الرضا بالإسلام أيضا أن يرضى الإنسان بهذا الإسلام الذي هو خاتم الأديان، ويتحقق فيه قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلامِ ديناً فَلَن يُقبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: 85]؛ فهو يعرف أنه لن يرضى بغير هذا الإسلام؛ لأن الله عز وجل لا يقبل غيره.

أيضا الرضا بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ أن يكون تابعا لنبينا صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به عليه الصلاة والسلام، وأن يقبل سنته، وأن يمتثل لها، وأن يسير على هديه صلوات ربي وسلامه عليه.

والرضا بأقدار الله، وهو الرضا بالقضاء والقدر، وهو ركن من أركان الإيمان الستة؛ الرضا بأقدار الله عز وجل أن يكون القلب مطمئنا بأن كل ما يأتي من الله عز وجل هو خير، ويسلم ويرضى العبد بأقدار الله عز في علاه. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عظيم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا».

ذاق طعم الإيمان؛ يعني ذاق حلاوة الإيمان باطمئنان قلبه، وأنسه بالله، ورضاه عن الله عز وجل. إذا تحقق في هذا الأمر، ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا.

وهذا لو نظرنا فيها أيها الأحبة، هو تقرير للأصول الثلاثة التي يسأل عنها العبد في قبره؛ فإن الإنسان في قبره يسأل عن دينه: من ربك؟ ما دينك؟ ومن نبيك؟ فإذا رضي الإنسان بهذه الثلاثة، فإن الإجابة تكون حاضرة معه في قبره، وتكون سببا في فوزه وفلاحه ونجاحه ونجاته أيضا يوم القيامة إذا حقق هذه الثلاث.

ولهذا؛ نحن أيها الأحبة من الأذكار التي نحافظ عليها لنحقق هذا الامر، ويكون دائما حاضرا في أذهاننا؛ جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أذكار الصباح والمساء أن الإنسان يقول في كل صباح وفي كل مساء ثلاث مرات: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا كان حقا على الله أن يرضيه» إذا حافظ على هذه الأذكار، على هذا الذكر في الصباح وفي المساء ثلاث مرات يقول: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا. ثلاث مرات في الصباح وثلاث مرات في المساء. هذا هو فيه اعتراف وإقرار برضا العبد الذي يحبه الله عز وجل.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في من حافظ على هذا الذكر في الصباح والمساء: «إلا كان حقا على الله أن يرضيه». فما أعظم الرضا الذي يكون باللسان يقر الإنسان ويعترف، وقبل ذلك في قلبه أن يرضى عن الله عز وجل ولا يتسخط، وأن يسلم الأمر كله لله.

هناك أيها الأحبة أيضا الرضا والرضوان، والرضوان هو الرضا الكثير والخير الكثير. الرضا الكثير هو الذي يطلق عليه الرضوان، ولهذا جاء في كتاب ربنا عز وجل: ﴿وَرِضوانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكبَرُ﴾ [التوبة: 72]. ولهذا فيما جاء عن ربنا عز وجل في رضاه عن العباد يكون هنا الرضوان؛ لأنه هو الكثير، وهو الخير العميم والكبير؛ أي يرضى الله عز وجل. ليس الشأن أن نرضى عن الله، بل الشأن أن يرضى الله عنا، ولهذا كان الخير الكثير أن يرضى الله عنا.

فكل ما جاء، وكثير مما جاء عن الله عز وجل هو بصيغه أو بمسمى الرضوان، كما قال الله عز وجل: ﴿يُبَشِّرُهُم رَبُّهُم بِرَحمَةٍ مِّنهُ وَرِضوانٍ﴾ [التوبة: 21]، وأيضا يقول الله عز وجل: ﴿وَرِضوانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكبَرُ ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظيمُ﴾ [التوبة: 72]، ويقول الله عز وجل عن عباده المؤمنين: ﴿قُل أَؤُنبِّئُكُم بِخَيرٍ مِّن ذَلِكُم لِلَّذينَ اتَّقَوا عِندَ رَبِّهِم جَنّاتٌ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها وَأَزواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضوانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصيرٌ بِالعِبادِ﴾ [آل عمران: 15].

فالله عز وجل وعدهم ليس بالرضا وإنما بالرضوان، الذي هو الرضا الكبير والكثير من الرب الرحيم عز في علاه. فهذا أيها الأحبة الرضا، هذه منزلته وهذه مكانته في ديننا إذا تحقق في قلب العبد وفي تعامله مع ربه. ونواصل الحديث عن هذه العبادة القلبية بعد الفاصل إن شاء الله.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

تحدثنا قبل الفاصل عن الرضا، وعن منزلته ومكانته، وعن الذكر الذي جاء فيه في أذكار الصباح والمساء. لا شك أيها الأحبة أن هناك كما قلنا قبل الفاصل رضا بالله ورضا عن الله. ذكرنا أن الرضا بالله هو الإقرار بالتوحيد والعبودية لله عز وجل، والانقياد الاختياري لله عز وجل في كل امورنا وفي كل وفي كل شؤوننا، وهذا هو تحقيق التوحيد؛ تحقيق التوحيد هو الرضا بالله ربا.

رضا الله عن العبد هو أن يراه مؤتمرا لامره منتهيا عن نهيه. فرضا الله عن العبد هو أن يرى الله عز وجل العبد مؤتمرا لامره، وأن يرى رضا الله عن العبد أن يراه مؤتمرا لامره ومنتهيا لنهيه. فهنا الله عز وجل عندما يرى هذا العبد ممتثلا لأوامره، مجتنبا لنواهيه، فإن الله عز وجل يرضى عنه، فان الله يرضى عنه.

ورضا العبد عن الله؛ ألا يكره ما جاء عن ربه ومولاه، وما جرى به القضاء وما جرى به القدر؛ أن يكون الإنسان راضيا، لا يتسخط، لا يكره هذا الامر. قد الإنسان يعني قد يسأل الله عز وجل أن يرفع عنه هذا الامر، لكن لا يتسخط ولا يتكلم بكلمه فيها عدم رضا عن الله عز وجل. هنا يقع الإنسان في مصيبة وفي طامه كبرى، ويقع في عدم الرضا والسخط عن اقدار الله عز وجل، وهذا أمر ولا شك عظيم.

والمؤمن الحق، المؤمن الموفق هو الذي يرضى عن الله عز وجل في كل أموره وفي كل كل شؤونه. الرضا عن الله عز وجل أو الرضا بالله الذي جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا».

ما معنى الرضا بالله ربا؟ كما قلنا قبل قليل: إن الرضا بالله ربا هو الإقرار بالعبودية لله، والانقياد لله عز وجل، وإفراد الله عز وجل بالعباده، وأن لا نصرف شيئا من عباداتنا إلا له عز في علاه. هذا هو الرضا بالله، هذا هو الرضا بالله، وهو أن الإنسان يكون سائرا في كل أحواله وفي كل شؤونه، ممتثلا لأمر الله عز في علاه، طائعا لله، عبدا لله، ذليلا لله. هذا هو الرضا حقيقة، حقيقة الرضا بالله عز وجل.

ولهذا الله عز وجل يذكر في كتابه الكريم في عدد من الآيات يذكر العباد بهذا الامر: ﴿قُل أَغَيرَ اللَّهِ أَبغي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الأنعام: 164]، قل أغير الله اتخذ وليا فاطر السماوات والأرض؟ لا يمكن للانسان الذي انعم الله عز وجل عليه بنعمه الإيمان وبنعمة الاسلام وبنعمة الهداية إلا أن يكون راضيا عن الله عز وجل، ورااضيا بالله عز في علاه.

أيضا من الرضا بالله؛ أن يحب ما أحبه الله، وأن يبغض ما أبغضه الله. هذا هو حقيقة الرضا بالله ربا؛ أن يحب ما أحبه الله، وأن يبغض ما أبغضه الله عز وجل. ولهذا الإنسان في كل أمور عباداته، في كل الأشياء التي تتعلق بدينه، فانه يحب هذه العبادات، يحب هذه الفضائل والأعمال الصالحة؛ لأنه يرضى بالله ربا الذي شرع لنا هذا الأمر، الذي شرع لنا هذا الأمر.

ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله». ينظر الإنسان كل ما يكون متعلقا بالله عز وجل؛ فان الإنسان يحبه ويرضى به، ويشعر بقلبه بميل إلى هذا الأمر؛ لأنه جاء عن الله أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو هذا الأمر فيه حب لله؛ كان يحب الإنسان الصلاة، يحب قراءة القرآن، يحب الذكر، يحب نوافل العبادات، قيام الليل.

أيضا يحب الصالحين الذين يدلون على الخير، يحب العلماء الذين يعلمون الناس الخير، يحب أهل الفضل، أهل الإاحسان، أهل الكرم، أهل الجود؛ يوالي هؤلاء. هذا تحقيق فيه تحقيق للرضا بالله، الرضا بالله يدخل فيه هذا كله، يدخل فيه هذا الأمر كله؛ لأن هذا من محبة العبد لله، ومن رضا الإنسان ومن رضا العبد عن الله عز وجل وبالله، أنه يحب ما أحب الله، ويبغض ما يبغض الله عز وجل.

أيضا من تحقيق الرضا بالله عز وجل أن يكره الإنسان ما يكرهه الله، وأن يبغض ما يبغضه الله عز وجل؛ يكره الفسق، يكره المعاصي، يكره الموبقات والمنكر، يبغضها بقلبه وينكرها، ولا يقترب منها، وإنما الإنسان يجتنبها وينكرها بقلبه. وإذا استطاع أن ينكرها بلسانه، فهذا خير على خير ونور على نور.

ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». بمعنى أن الإنسان يكون كارها لهذا الأمر، يظهر بلسانه بغضه لهذا الأمر، يظهر بغضه لهذا الأمر لأن الله يبغضه، لان الله يبغضه. فان لم يستطع لا بيده ولا بلسانه، فقد اخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن اقل القليل حتى يكون الإنسان راضيا بالله وعن الله، أن ينكر هذا بقلبه، فلينكر بقلبه وذلك أضعف الإيمان؛ لأنه لم يستطع أن.

يفعل ذلك لا بيده ولا بلسانه، فلا بد أن يكون مبغضا لهذه المنكرات والفواحش التي يراها بعينه؛ خصوصا عندما يرى الإنسان هذه المعاصي الكثيرة والمنكرات الجليلة مما يحصل مثلا في القنوات وفي غيرها من منكرات، أو في الأسواق وفي الأماكن العامة، قد يرى الإنسان من المنكرات التي لا ترضي الله عز وجل، فيطبق عليها هذا الأمر، وهو الرضا بالله؛ أنه يكره ما يكره الله عز وجل، ويحب ما يحبه الله، فهو يبغض هذا الأمر، فإن استطاع أن يغير بيده، وإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، ليظهر لله عز وجل الذي يعلم السر وأخفى، والذي هو مطلع على ما في قلوبنا، أن نظهر لله عز وجل في قلوبنا أننا نكره هذا الأمر ونبغضه ولا نحبه ولا نرضاه.

فهذا هو نوع من تحقيق الرضا بالله عز وجل؛ أن نكره هذا الأمر وأن تشمئز منه نفوسنا، وهكذا نفوس الصالحين تشمئز من المنكرات ولا تقبلها، فإذا لم يستطع الإنسان أن يغير بهذه الأمور كلها، فانه ينصرف ويبتعد ويخرج عن هذا المكان الذي تنشر فيه المنكرات أو يعصى فيه الله عز وجل؛ لماذا؟ ليتحقق فيه هذا الرضا بالله والرضا عن الله عز في علاه.

أما إذا ضعف الإنسان حتى في هذا الأمر اليسير، فإنه قد ضعف هذا الأمر في قلبه، ولم يتحقق تحققا كاملا الرضا بالله عز في علاه، فلا بد أن يحرص المسلم على تحقيق هذا الأمر، وهو الرضا بالله في حب ما يحبه الله، وفي بغض ما يبغضه الله عز في علاه، لينال الفضل العظيم والأجر الكبير من ربنا ومولانا، وأن يذوق حلاوة الإيمان؛ لأن الإنسان إذا جعل هذا القلب مخبتا منيبا لله عز وجل، طائعا لله محبا لطاعة الله مبغضا لمعصية الله، فهنا يتحقق في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه يذوق طعم الإيمان، يعني يتلذذ ويستشعر حلاوة الإيمان بقلبه.

لكن الذي يخلط في حياته ويتساهل ويقصر في هذا الجانب، أو يضعف في إنكار المنكرات والفواحش التي يراها، فإنه يضعف الإيمان بالتالي في قلبه، ولا يتحقق الرضا التام عن الله عز وجل في قلبه.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحقق الإيمان في قلوبنا، وأن يرزقنا الرضا.

حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين، وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم، ومن المعاملات التي تورث التباغض بين المسلمين: بيع المسلم على بيع أخيه أو شراؤه على شراء أخيه؛ لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه».

والشراء مثل البيع، فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه، ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمر سيارة بألف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، أو أبيعك مثلها بعشرة؛ فهذا بيع على بيع المسلم، ولا يحل.

ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمر سلعة بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم، قال: أنا أعطيك فيها عشرة، أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه.

والراجح أن البيع على البيع حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع؛ لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه اجمعين، وبعد:

فما زال الحديث أيها الاحبه عن مسألة الرضا، التي هي من أعظم المسائل، وأيضا من أعظم العبادات القلبية التي يتعامل فيها الإنسان مع ربه ومولاه.

تحدثنا قبل الفاصل عن الرضا بالله: رضيت بالله ربا، وهذه هي الجملة الأولى في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

الجملة الثانية هي: ورضيت بالاسلام دينا.

الرضا بالإسلام دينا: أن يرضى الإنسان بدين الإسلام، أن يلتزم بشرائع الله، أن يلتزم بشرائع الدين التي جاءت في كتاب ربنا وعلى لسان نبينا صلى الله عليه وسلم، أن يكون الإنسان مع أحكام الله ومع شرائع الله في هذا الدين كالريشة في مهب الريح، كالريشة في مهب الريح، أن يطبق قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، أن يكون منقادا لله عز وجل، ممتثلا لشرع الله عز وجل، أن يقبل بالإسلام كاملا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208].

ولا يختار الإنسان ما يريد وما يعجبه ويترك ما يخالف هواه، هذا لم يحقق رضيت بالإسلام دينا؛ فالله عز وجل أتم لنا الدين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

أتم الله عز وجل وأكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا هذا الإسلام، فهل نرفض ما رضيه الله عز وجل لنا ولا نقبله؟ هذا والله هو الضلال المبين.

فلا بد أن يقبل الإنسان؛ الله عز وجل أيضا يقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85].

هذا هو من الرضا بالإسلام دينا؛ أن الإنسان يعرف أنه لا دين إلا دين الإسلام، لا دين إلا دين الإسلام، كما أنه لا نبي إلا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا كتاب إلا القرآن؛ فهذا لابد أن يتحقق في حياة المسلم وفي عبادته وفي تعامله مع ربه، أن يعرف أن الله عز وجل لا يقبل بعد بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم من أحد صرفا ولا عدلا إذا لم يتحقق الاسلام في قلبه.

ومن الأسباب ومع الأسف تجد من المسلمين ممن يقول هذه الكلمه بلسانه: رضيت بالإسلام دينا، وهو يظن أن الديانة اليهودية حق، أو الديانة النصرانية حق؛ وهذا والله هو الضلال المبين، والمخالفة الصريحة لقول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85].

ونبينا صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق يقول: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من جثا جهنم».

يعني بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أن يتعبد الإنسان لله عز وجل بدين غير دين الإسلام، ولا يمكن أن يتبع غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يكون له كتاب إلا كتاب ربنا عز في علاه وهو القرآن؛ فهذا الإسلام هو خاتم الرسالات، هو خاتم الشرائع.

فلا بد للإنسان الذي يريد أن ينجو في هذه الدنيا أن يمتثل لهذا الأمر، وأن يرضى بالإسلام دينا، وأن يكون مسلما في كل أحواله وفي كل شؤونه لشرع هذا الدين، وأن لا يتسخط، وأن لا يكره، وأن لا يختار، وأن لا يبغض شيئا من الدين، وإنما يمتثل لامر الله عز وجل ويقول: سمعنا وأطعنا.

هو حال هذا حال المؤمن الموفق؛ أن يسمع ويطيع ويمتثل ويخضع لامر الله عز في علاه، وأن يقبل الإسلام كافه، أن يدخل في الدين كافه، ليس شرطا أن يؤدي كل الشرائع والعبادات التي قد يكون الله عز وجل عذره في بعضها، لكن يقبلها بقلبه، يقبلها بقلبه سواء فعل أم لم يفعل.

أما البغض أو الكره، أو أنه يرى أن هذا ليس بلازم -مثلا في بعض الأعمال في بعض العبادات- يرى أنها ليس بلازم وليست من شرع الله عز وجل، هذا الجحود وهذا النكران هو نوع من أنواع الكفر بالله عز وجل، الكفر بالله عز وجل والذي لا يرضى عن العبد فيه.

وهذا يدخل في قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85].

فلا بد أن يأخذ الإنسان الإسلام كاملا، لابد أن يأخذ الدين والشرائع كامله، ولا يختار ولا يعمل عقله، يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، كما فعل من غضب الله عز وجل ومن لعنهم الله عز وجل، كاليهود والنصارى الذين كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.

لكن المسلم الموفق هو الذي يقول: سمعنا وأطعنا، ويرضى بدين الله ويرضى بما جاء عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الله أو في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ويسلم ويخضع لهذا الدين ولهذا الشرع القويم الذي هو أقوم دين وأقوم شرع.

الله عز وجل جعل هذا الدين جعله خاتم الديانات، وهذا الشرع وهذه الرساله خاتمه الرسالات، والله عز وجل اختصنا بها نحن أمة محمد صلوات ربي وسلامه عليه، وجعلنا من خير الأمم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110].

الله عز وجل فضلنا واختارنا واصطفانا عن بقية الأمم بهذا الدين وهذا النبي صلوات ربي وسلامه عليه، وهذا الكتاب الذي هو مهيمن على الكتب وناسخ للكتب التي قبله، فلا بد للإنسان أن يمتثل لأمر الله عز وجل وللشرع القويم.

أما عندما يسافر الإنسان إلى الغرب أو إلى الشرق عند غير المسلمين، فإنه يضعف أو يستحي من بعض شعائر الدين، وهذا والله من الخذلان وعدم التوفيق، لأن الإنسان إذا تحقق الإيمان في قلبه، فانه يعتز بدين الله، يفخر بدين الله، يعلم أنه خير منهم، وأرفع وأعلى بدينه، ليس بنفسه أو ببلده أو بقبيلته أو بأهله أو بمنصبه، ابدا هو أرفع وأعلى وأجل منهم بدين الله، هو عزيز بدين الله عز وجل، هو في المرتبة العالية بدين الله عز وجل.

لانه يرى أن هؤلاء مساكين، والانسان ينظر إليهم أحيانا بعين الشفقه والرحمه، وان استطاع أن يدلهم على الخير، يدلهم على النور، على الهداية إلى الإسلام، وأن يؤجرهم ويبين لهم الحق ويدلهم على النور الذي في ديننا فهو الخير.

أما أن يضعف أمامهم ويشعر بالانهزام والضعف، والله هذا هو الخذلان وعدم التوفيق، وقد يكون سببا في أن يطمس الله عز وجل على قلب العبد لأنه شعر أنه يستحي من دينه، لأن هذا العبد ضعف أمام الآخر، كما يقولون، أو أمام الكافر، أو أمام الذي لا يدين بدين الإسلام، ضعف أمامه وشعر أن دينه في مرتبة أقل؛ وهذا ضلال مبين، وهذا عدم توفيق، وهذا نقص في العقل إذا أصيب به الإنسان، والله عدم توفيق.

بل المسلم يكون عزيزا بدينه، قويا بإسلامه، ولا يستحي من دين الله عز وجل، بل أنت في المرتبه العالية وأنت الأعز وأنت الأكرم، الله عز وجل ذكر عن هؤلاء المساكين قال: ﴿إِنْ هُمْ إِلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: 44].

شبههم الله عز وجل بالأنعام بالبهائم، أما أنت ففي أعلى المنازل وفي أرفعها وفي أفضلها لأنك تتبع هذا الدين وهذا الإسلام الذي هو خاتمة الأديان، وتتبع هذا النبي صلوات ربي وسلامه عليه الذي هو خاتم الأنبياء، وتهتدي بنور القرآن الذي هو خاتمة كتب ربنا عز في علاه.

هذا هو حال المؤمن الموفق الذي رضي بالإسلام دينا.

نسأل الله عز وجل أن يثبتنا على دينه، وأن يجعلنا ممن رضي بالإسلام دينا، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، ونكمل إن شاء الله ما يتعلق بالرضا في الحلقة القادمة.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الرضا، وأن يرضى الله عز وجل عنا في كل شؤوننا وفي كل أحوالنا، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.