ما زال الحديث أيها الأحبة في العبادات القلبية في هذه المادة في مادة التربية الإسلامية في أكاديمية زاد، وعبادة اليوم عبادة عظيمة جليلة وكبيرة وتستحق من الإنسان أن يقف معها وقفات جادة يراجع نفسه في تعامله مع هذه العبادة، تتعلق بالعقيدة وبالإيمان وبالتقوى.
هذه العبادة هي عبادة التوكل، التوكل على الله، وما أعظمها من عبادة وما أجلها من عبادة! التوكل على الله عز وجل المقصود به يعني في أيسر تعارفه الثقة بما عند الله واليأس بما في أيدي الناس؛ يعني الإنسان عندما يتوكل على الله يثق بالله وييأس مما في أيدي الناس، هو يعلق قلبه بالله، يعلق قلبه بالله ويثق بالله ثقة تامة بأن الله عز وجل هو الذي يجيب المنافع وهو الذي يدفع المضار عز في علاه.
ولهذا من أجمل تعاريف التوكل ما ذكره الشيخ العثيمين رحمه الله عليه، قال: هو صدق الاعتماد على الله عز وجل، صدق الاعتماد على الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار مع الأخذ بالاسباب التي أمر الله بها، مع فعل الأسباب التي أمر الله بها، هو صدق الاعتماد على الله؛ يكون الإنسان صادقاً في توكله على الله، في اعتماده عليه في جلب المنافع؛ كل ما ينفع الإنسان هو يعتمد على الله ويكون صادقاً في ذلك، سواء كان يعني جلب منفعة دينية أو دنيوية؛ مثلاً عندما يعمل الإنسان هو يعتمد على الله عز وجل ويعرف أن هذا العمل هو سبب، التجارة هي سبب، أما الرازق فهو الله عز في علاه.
وفي جلب المنافع وفي دفع المضار أيضاً يعرف أنه لا يضر إلا الله عز وجل، لا يضر ولا ينفع إلا الله عز في علاه، فهو يعتمد على الله ويصدق في اعتماده على الله في دفع المضرة، في دفع المضرة عندما يحل بالانسان مرض يستخدم الإنسان أو يستعمل الدواء هو سبب، الدواء لا يشفي، الدواء هو سبب جعله الله عز وجل، أما الشافي فهو الله عز في علاه، الله عز في علاه.
ولهذا الإنسان في توكله على الله عز وجل يصدق في اعتماده ولا يجرب، وهذه مشكلة عند بعض الناس أنه لا يكون في اعتماده على الله عز وجل هناك يعني فيه شك وفيه عدم صدق في هذا الاعتماد، في صدق اعتماده على الله عز وجل في جلب المنافع وفي دفع المضار.
هذا التوكل أمر الله عز وجل به خير البشر وهو نبينا صلى الله عليه وسلم في كتابه الكريم، وهذا يدل على عظمته وعلى جلالته، هذا الأمر الله عز وجل يقول لنبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: 217-219].
أيضاً يقول الله عز وجل: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 58].
ولا شك أن الإنسان عندما ينظر في هذه الآيات؛ شيء يأمر الله عز وجل به خير الخلق واصفاً واثقاً نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، لا شك أن هذا أمر عظيم عظيم جداً وجليل، وهو أن يعلق الإنسان قلبه بالله، ونبينا وحبيبنا وأمامنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم هو خير المتوكلين على الله عز وجل وأصدقهم في توكله على الله عز في علاه.
لكن هذه الآيات الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهي تربية لنا وإرشاد لنا ودلالة وحث على هذا الأمر العظيم، أن الإنسان دائماً يصدق في توكله على الله وفي تعلق القلب هذا بالله عز وجل في كل أموره، ويعرف أن ما حوله من أمور الدنيا التي تجلب له المنافع أو تدفع عنه المضار ما هي إلا أسباب، ما هي إلا أسباب؛ فقد يعمل الإنسان وقد يدخل في تجارة لكن لا يربح، وقد يستخدم الإنسان الدواء للعلاج ولا يشفى، لأن هذا الأمر يعني يتعلق بالله عز في علاه، هو بيد الله، هو النافع وهو الضار عز في علاه.
فلا بد أن الإنسان عندما يأخذ السبب يتعلق بالله، يتعلق قلبه بالله، ويعرف أن ما كتبه الله عز وجل له سياتي، وما لم يكتبه لن يأتي ولو فعل ما فعل ولو فعل ما فعل، ولذا كانت هذه العبادة هي دليل عظيم جداً على إيمان الإنسان، دليل على إيمان الإنسان، بل هي من اعظم صفات المؤمنين الذين ارتفع الإيمان في قلوبهم وزاد الإيمان في قلوبهم.
الله عز وجل يقول في كتابه الكريم في صفات المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، إنما أداة حصر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، ثم قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]؛ يعني مع الوجل والخوف الذي يكون في قلوبهم من سماع القرآن وتلاوة الآيات عليهم، أيضاً هم في الوقت نفسه على ربهم يتوكلون في أنهم يطلبون ويرجون من الله عز وجل ما عندهم من الخير، ويعلم أنه مهما فعل فإذا لم يرد الله عز وجل له هذا الأمر فانه لن يتحقق، فانه لا يتحقق أبداً.
ولهذا يحرص المسلم دائماً في كل شؤونه وفي كل أعماله التي يفعلها سواء في جلب خير أو في دفع شر، فانه دائماً يعلق قلبه بالله، يذهب إلى الطبيب ليطبيب نفسه وهذا من الأخذ بالأسباب، لكن يعلق قلبه بالله ويعرف أن الشفاء ليس بيد الطبيب وإنما بيد الله، وإنما هذا الطبيب هو سبب، هو سبب، كما أن العلاج سبب، ذهب إلى عمله إلى تجارته ويعلم يقيناً بأن الرازق هو الله، بأن الرازق هو الله، يعلق القلب بالله.
ولهذا كما قال أحد السلف في كلمة جميلة: الجوارح تعمل والقلوب تتوكل؛ الجوارح تعمل يأخذ الإنسان بالأسباب والقلوب تتوكل؛ يعني لا يعلق الإنسان قلبه بغير الله، لا يعلق الإنسان قلبه بغير الله، فوالله لو لم يرد الله عز وجل لك هذا الأمر لن يتحقق ولو اجتمعت الدنيا كلها لتحقيقه لك، لن يحصل لك إلا ما كتبه وقدره الله عز وجل لك أو عليك.
وبعد، نواصل أيها الأحبة الحديث عن هذه العبادة القلبية العظيمة وعبادة التوكل، وهي من أجل العبادات واعظمها، من أجل العبادات القلبية وأعظمها، فيحسب بالمسلم أن يعرف حقيقتها، أن يعرف حقيقة هذه العبادة، لأن هناك خللاً عند الناس في هذه العبادة من جهتين.
قد يكون الخلل بأن الإنسان يتعلق بالأسباب يتعلق بالأسباب، وهذا خلل كبير جداً خلل كبير جداً هذا في جانب العباده وقد يدخل حتى في الشرك أحياناً إذا كان الإنسان علق قلبه بهذا السبب، علق قلبه بهذا السبب، وهذا أمر خطير جداً أمر خطير أن الإنسان يعلق قلبه بالسبب.
والخلل الآخر أن الإنسان يترك السبب يترك السبب ويقول: أنا متوكل أنا متوكل، هذا إفراط وهذا تفريط، وكلاهما خلل، والعدل هو التوسط في هذا الباب أن الإنسان يأخذ بالأسباب ويتوكل على الله كما قلنا قبل قليل في المقولة الجميلة أن الجوارح تعمل والقلوب تتوكل.
والأسباب ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم ليعلمنا أن الإنسان يعني هذه سنة كونية لابد من الأخذ بها ولا يحصل عند الإنسان خلل فيها؛ الله عز وجل يعني في قصة أيوب عليه السلام لما أراد الله عز وجل شفائه ماذا قال وهو طريح الفراش مريض ما يقارب من ثمانية عشر سنة؟ قال الله عز وجل عندما أراد الشفاء له ونجاه من هذا البلاء، قال الله عز وجل: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: 42]، الله عز وجل قادر على أن ينبع الماء الذي شفي بسببه أيوب عليه السلام دون أن يضرب برجله الأرض.
لكن أراد الله عز وجل أن يبين أن الأخذ بالسبب هو يعني أمر من شريعة الأمم كلها، أن هذه سنة كونية جعلها الله عز وجل في الأمم كلها ليس خاصاً بديننا، وإنما هذا في كل الاديان، هذا كالعقيدة يكون السنن الكونية في كل الأديان.
فقال الله عز وجل: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾؛ يعني اضرب برجله الأرض فينبع منها هذا الماء المغتسل البارد والشراب الذي يكون فيه الشفاء.
أيضاً الله عز وجل ذكر في قصة مريم لما جاءها المخاض إلى جذع النخلة قال الله عز وجل لمريم عليها السلام وهي امرأة أولاً ضعيفة وثانياً في حال نفاس، ومع ذلك يقول الله عز وجل لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]، وهذا والله من أعجب العجب، وهذا في دلالة عظيمة جداً على أهمية الأخذ بالسبب، لأن سنة كونية جعلها الله عز وجل في الأرض وإلا جذع النخلة لو تمالاً عليه الرجال ما استطاعوا أن يهزوه، لكن الله عز وجل يبين لابد الإنسان أو العبد أن يفعل السبب لياتي قدر الله عز وجل.
هذا جانب يعني قضية يعني الاهتمام بالسبب مع تعلق القلب بالله عز وجل، ترك السبب هذا خلل وهذا ما حصل وبسببه نزلت آية في كتاب الله؛ كان بعض الوفود إلى الحج في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يأتون ولا يحضرون معهم الزاد فيقولون: نحن المتوكلون نحن المتوكلون، لا يأتون لا بطعام ولا بشراب، فإذا جاؤوا إلى الحج سالوا الناس، تكفف الناس في طعامهم وشرابهم.
فالله عز وجل أنبهم على ذلك وبين الخلل في هذا الأمر فقال الله عز وجل في آيات الحج: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: 197]، أمر تزودوا خذ الزاد خذ طعامك وشرابك حتى لا تذهب ماء وجهك في سؤال الناس، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 197].
هنا أمر بالتزود ثم بين أن أعظم زاد يتزود به الإنسان في هذه الدنيا هو التقوى، وهذه خاتمة جميلة للآية والربط بين الامرين أن الإنسان يتزود لكيام بدنه ليتزود بالطاعة والعبادة التي تنفعه وترفعه عند ربه، فهذان أمران عظيمان.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم الصحابة مثل هذا الأمر لما جاء الصحابي ومعه بعيره عند مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، أعقلها الناقة أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ يعني إني أعقلها أخذ بالأسباب وأتوكل أدخل المسجد وأتركها بعد أن عقلت عند باب المسجد أو إني أطلقها وأقول أنا متوكل وأدخل المسجد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكل»، اعقلها خذ بالسبب اربط الناقة ثم بعد ذلك ادخل إلى المسجد ثم توكل على الله عز وجل تعلق قلبك بالله وإلا قد يحصل ما يسوء الإنسان حتى وهو موجود في ماله وفي نفسه.
لكن هذا دلالة عظيمة على أهمية الأخذ بالأسباب، أهمية الأخذ بالأسباب لكن القلوب معلقة بررب الأسباب ومسبب الأسباب عز في علاه.
ولهذا ذكر العلماء يعني أقساماً للتوكل؛ أن الإنسان قد يتوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهذا هو الخلل العظيم، كمن يعني يعلق قلبه أو يتوكل على ولي ولا على قبر ولا على ملك أو على نبي، وهذا والله من الخطوره بمكان، هذا شرك، هذا شرك أن يطلب المدد أو يطلب الشفاء أو يطلب الرزق من غير الله عز في علاه.
لا شك أن هذا نوع من أنواع الشرك الخطير جداً المخرج من الملة المخرج من الملة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].
أما أن يطلب الإنسان من غيره ما يقدر عليه دون أن يعلق قلبه به هذا من التوكيل؛ كأن يعني يبحث الإنسان عن واسطة له في أمر ما أو يكلف إنسان أن يقضي له حاجة في أمر ما، هذا من التوكيل الذي لا يدخل به العمل القلبي، لا يدخل به العمل القلبي وإنما هو من الأخذ بالأسباب الدنيوية، الأخذ بالأسباب الدنيوية.
أما تعليق القلب بأمر لا يقدر عليه إلا الله هذا أمر خطير جداً وهذا يخرج الإنسان من دين الله، يخرج الإنسان من دين الله، كمن يدعو الآن يدعو الحسين أو يدعو علي أو يستغيث بالصالحين وبالأولياء وبالقبور، هذا ولا شك أنه فعل فعلاً منكراً وعظيماً جداً لا يرضى عنه الله عز وجل.
يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». يتركه الله عز وجل في دعائه لهذا الولي أو لهذا القبر أو لهذا الملك أو لهذا النبي، يتركه الله عز وجل تركته وشركه. والترك بمعنى الحرمان، بمعنى عدم الثواب، بمعنى عدم القبول؛ يتركه الله عز وجل وشركه. وهذا أمر خطير جداً إذا وقع فيه العبد، فهذه من الأمور التي يجب أن يعتني بها الإنسان في توكله على الله عز وجل، ولا يقع لا في الإفراط ولا في التفريط، فلا بد أن يلزم الجادة، وخير الأمور أوسطها.
وهو أن الإنسان يثق بالله عز وجل ويتوكل على الله ويعلق قلبه بالله ثم يأخذ بالأسباب. هنا يأتي الأمر العظيم والجليل الذي هو دلالة على إيمان العبد وأيضاً زيادة الإيمان في قلبه، لأن الله عز وجل ربط الإيمان بالتوكل في آيات كثيرة: ﴿فَتَوَكَّلُواْ عَلَى اللَّهِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]. ربط التوكل بالله عز وجل حق التوكل وأصدقه ربطه بالإيمان إذا كان في قلب العبد. فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا التوكل عليه في كل أمورنا وفي كل شؤوننا، ونواصل بقية الحديث بعد الفاصل إن شاء الله.
ربما تحب أحد الابناء أو البنات أكثر من إخوته، إما لبره أو أدبها أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت للصحابي الجليل النعمان بن بشير، يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله وهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي وانا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذاً فاني لا أشهَدُ على جور.
ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الابناء على إخوته وانه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والانثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره، لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.
ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك اسباب وجيهة تدعو إلى ذلك، كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطي لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. نكمل ايها الاحبه الحديث عن هذه العبادة القلبية العظيمة وهي عباده التوكل، التي هي صفة من صفات المؤمنين حقاً وصدقاً كما أخبر الله عز وجل في كتابه الكريم.
هناك ايها الاحبه ثمرات عظيمة يجنيها الإنسان إذا حقق هذه العبادة، وتوكل على الله عز وجل في كل أموره وفي كل شؤونه، ما ينفعه وما يضره، في جلب ما ينفعه وفي دفع ما يضره. إذا حقق هذا الامر فانه يجني ثمرات عظيمة لا يعلمها الا الله، من اعظم هذه الثمرات أنه يكون في كفاية الله وفي حفظ الله وفي رعاية الله.
إذا حقق هذا الامر فالله عز وجل يقول: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]؛ يعني كافيه. الله عز وجل يكفيك من كل شيء، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. هذا أمر عظيم جداً، إذا الإنسان توكل على الله وعلق القلب بالله عز في علاه، فإن الله عز وجل يكفيه من كل ما أهمه.
ولهذا لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن إبرهيم عليه السلام لما رمي في النار، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ قالها إبراهيم عليه السلام عندما رمي في النار، ذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن إبراهيم عليه السلام لما رمي في النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة حمراء الأسد، لما قال الله عز وجل عنهم في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].
في غزوة حمراء الأسد التي كانت في اليوم الثاني لمعركة أحد، ولم يخرج لها إلا من قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم في يوم أمس في يوم أحد الذي كان يوم السبت، ويوم الأحد كانت غزوة حمراء الأسد بجراحهم ودمائهم خرجوا. فلما جاءهم ذلك الوفد الذي أرسل معه أبو سفيان هذه الرسالة أنهم قادمون إليهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾، فقال الله عز وجل عن حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ﴿فَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 173-174].
هذه نعمة عظيمة أن الإنسان بقلبه يتعلق بالله وبلسانه أيضاً يذكر هذا الذكر: حسبنا الله ونعم الوكيل. وهذا من أعظم الأذكار التي يقولها الإنسان في حال المصائب، وفي حال دفع المضار، أو في حال جلب المنافع، دائماً يكون كافيه هو الله عز وجل، فيلجأ بهذه اللفظة الجميله: حسبنا الله ونعم الوكيل. الله عز وجل نص عليها في كتابه الكريم.
أيضاً يعقوب عليه السلام لما خرج ابناه ابنا يذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه، قال لهم: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرَّقَةٍ﴾ [يوسف: 67]، يخشى عليهم من العين أو من غير ذلك يعني عدد من الإخوة، ثم قال يعقوب عليه السلام وهو نبي يوحى إليه، قال الله عز وجل على لسان يعقوب بعد أن أوصاهم بهذه الوصية، ليست القضية إنسان تعلق بهذا الأمر، قال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40]، الأمر بيد الله، إذا شاء شيئاً حصل. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: 67]، عليه توكلت في حفظكم، وعليه فليتوكل المتوكلون. وهذا والله أمر عظيم، أخذ بالأسباب، نصح أبناءه ألا يدخلوا من باب واحد، ثم بعد ذلك علق الأمر، علق الأمر بالله، قال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. هذا أمر عظيم أيها الأحبة، أن الإنسان يكون في كفاية الله وفي حفظ الله دائماً إذا فعل هذا الأمر، وهذه ثمره عظيمة من ثمرات التوكل.
أيضاً من ثمرات التوكل حصول الرزق، أن الإنسان إذا توكل على الله عز وجل فإن الله يرزقه، لماذا؟ لأنه علق قلبه بالله، وعرف أن الرازق هو الله. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3] بعد أن ذكر آيات التوكل. فالله عز وجل كريم، إذا عرف من العبد تعلق قلبه بالله عز وجل فالله عز وجل كريم ويعطي بلا حساب.
وفي الحديث العظيم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا والله حديث من أعظم الأحاديث، بل يقول ابن رجب رحمه الله يقول: هذا الحديث أصل في التوكل على الله. ما هو هذا الحديث؟ هو الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير». لو توكلتم على الله بتعلق القلوب بالله مع الأخذ بالأسباب كما ذكرنا سابقاً: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً».
سيرزقكم كما يرزق الطير، هذا الذي ليس عنده عقل ولا هو مكلف ولا يعرف ما ينفعه مما يضر بهيمة، ومع ذلك يرزقه الله عز وجل. تغدو هذه الطيور تسير صباحاً، الغدو هو وقت البكور، تغدو يعني تنطلق في وقت البكور، تغدو خماصاً يعني جائعة، وتروح، والرواح والعودة في آخر النهار، الطيور تعود إلى أوكارها في المساء، وتروح الرواح في آخر النهار، وتروح بطاناً أي شبعان.
وهذا والله إذا كان الله عز وجل رزق هذه الطيور والوحوش والحشرات والدواب، فيعجز عن رزق ابن آدم؟ لا والله، فالله عز وجل رزاق، لكن يريد منا أن نتوكل عليه، أن نعلق هذه القلوب به عز في علاه، أن نعلم أنه هو الرزاق الكريم عز في علاه. فالإنسان إذا علق القلب بالله عز وجل أخذ هذه الثمره العظيمة.
أيضاً يحصل على محبة الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159] كما يقول الله عز وجل في كتابه الكريم، وهذه نعمة عظيمة. أيضاً يحفظ من الشيطان، الله عز وجل يقول عن الشيطان إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون؛ الشيطان ليس له سلطان على من آمن وتوكل على ربه، آمن صدق ثم علق القلب بالله عز وجل في حفظه وكفايته من الشيطان الرجيم.
والله بإذن الله لن يتسلط عليه الشيطان، لأن الإنسان مع الله، وهذا القلب متعلق بالله فهو في كفاية الله وفي حفظ الله عز في علاه. ولهذا الإنسان أيها الأحبة، وهذا حديث عظيم، إذا خرج من بيته يطبق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، عندما يخرج من بيته يقول: «بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله»، يققال له: كفيت وهديت ووقيت، ويتنحى عنه الشيطان، ويقول الشيطان لصاحبه: كيف لك برجل كفي وهدي ووقي؟ وهذا والله من الأذكار العظيمة التي يحرص المسلم عليها وهو خارج من بيته: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولو زاد كما جاء في حديث أم سلمة: «اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم»، فهذا ولا شك نور على نور، وخير على خير، وبركة على بركة.
هناك ايها الاحبة امور منافية للتوكل: التطير، التشاؤم، الذهاب إلى الكهنة والعرافين، تعليق التمائم؛ هذه امور يجب على المسلم أن يبتعد عنها. هذه كلها امور تنافي التوكل بل قد تدخل الإنسان في الشرك، أن يتطير ويتشاءم من كل شيء. وهذا مع الأسف حال كثير من الناس الآن، يحصل حادث يقول: أعوذ بالله، يرى إنساناً كذا يتشاءم منه، تصبحة بوجه فلان، هذه كلمات يجب ألا تقال لأن هذه تخالف وتنافي التوكل على الله الذي هو من أعظم العبادات وأجلها.
أيضاً الذهاب إلى الكهنة والعرافين، هذه طامة ومصيبة كبرى، إن لم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، وإن صدقه فقد أشرك وكفر بالله عز في علاه. وهذه أيضاً من الطوام التي تحصل للانسان إذا وقع في هذا الامر.
ولهذا أنظروا إلى سيد المتوكلين نبينا صلى الله عليه وسلم عندما كان في الغار مع أبي بكر، يقول أبو بكر: لو نظر أحدهم إلى قدميه لرأنا، وهم في الغار، قال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟». هذا هو والله عظمة التوكل على الله التي كانت في قلب نبينا صلى الله عليه وسلم.
أختم ايها الاحبة بدعاء عظيم جداً يحرص المسلم عليه، وهو دعاء روي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ورحمه، كان يقول: اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك، وما أعظمه وأجله من دعاء. اللهم إنا نسألك صدق التوكل عليك وحسن الظن بك. اللهم إنا نسألك يا الله أن تعلق قلوبنا بك في كل أحوالنا وفي كل أمورنا. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني