تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حياكم الله أيها المشاهدون الكرام، أيها الأحبة طلاب العلم، حياكم الله في هذا اللقاء الأول في مادة التربية الإسلامية في الفصل الثاني من أكاديمية زاد. وهذه الماده في الفصل الثاني ستتناول موضوعا جليلا عظيما كبيرا مهمًا في حياة المسلّم، ألا وهو أعمال القلوب. أعمال القلوب في الفصل الأول اخذنا في هذه المادة ما يتعلق بالحقوق الواجبة على المسلم، وفي هذا الفصل سنأخذ إن شاء الله هذه الموضوعات التي تتعلق بأعمال القلوب التي يؤديها المسلم لله عز في علاه.

بدايةً أيها الأحبة، لابد أن نعرف أن لأعمال القلوب شأنا عظيما عند الله عز وجل، فالله يطلع على قلب العبد ويعلم ما فيه. فالله عز وجل لا ينظر إلى صورنا وأموالنا، كما جاء في الحديث الصحيح عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فلا بد أن يعتني العبد أيما عناية بمحل نظر الرب عز في علاه، ألا وهو القلب. فالله عز وجل خلق هذا القلب، هذه المضغة في داخل هذا الجسد، وجعل قضية الصلاح والفساد متعلقة بهذا القلب، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. فقضية القلب قضية مهمة جدا، وأعمال القلوب لابد للمسلم أن يعتني بها أيما عناية.

ولذا كانت أعمال القلوب هي الأصل في حياة المسلم، هي الأصل في حياة المسلم، والجوارح أعمال الجوارح هي تبع لأعمال القلوب. بقدر ما يكون في قلب هذا العبد من إيمان وتقوى وخشية وخوف من الله ومحبة، بقدر ما تترجم هذه المعاني العظيمة في جوارح العبد وتبرز في أعماله. ولذا كان هذا الأمر له شان عظيم في ديننا، والعناية به كبيرة جدا. من أهم أعمال القلوب، وهي كثيرة، سنأخذ شيئا منها في هذا الفصل بإذن الله وفي هذه المادة: من اعظم وأهم أعمال القلوب الاخلاص.

الإخلاص لله عز في علاه، والإخلاص شأنه عظيم، وهو لب الأعمال وأساسها ومصدرها وأعظم ما يكون فيها. فالإخلاص له شان عظيم في ديننا، بل هو الأصل الذي تعود إليه كثير من الأعمال. فالإخلاص هو أصل عظيم، بل هو شرط من شروط قبول العبادة، فإن العبادة لا تقبل إلا بشرطين؛ الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل، والشرط الثاني: هو المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم. فلا تقبل العبادة أيا كانت إن لم يكن العبد في عمله هذا خالصا لله عز في علاه. ولهذا قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. يعني هذا الدين القيم الذي أمرنا الله عز وجل به أن نعبد الله مخلصين له الدين، مخلصين له الدين، ألا لله الدين الخالص. فالله عز وجل لا يقبل من العبد ما لم يكن في عمله هذا مخلصا لله عز في علاه.

لذا كان هذا الإخلاص له هذه المكانة العالية، فهو شرط من شروط العبادة، شرط من شروط العبادة التي لا تقبل العبادة إلا به. وقد ذكر الله عز وجل هذا الشرط مع الشرط الآخر وهو المتابعة في أكثر من آية في كتاب الله عز في علاه، كما قال الله عز وجل في آخر سورة الكهف: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. فليعمل عملا صالحا، هذا شرط المتابعة؛ العمل الصالح لا يكون إلا وفق ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يشرك بعبادة ربه أحدا، هذا هو الإخلاص لله عز في علاه.

كذلك قال ربنا عز في علاه في سورة الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]. يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: احسن عملا أخلصه وأصوبه. أخلصه وأصوبه؛ أخلصه يعني أن يكون فيه خالصا لله عز وجل، وأصوبه الصواب أن يكون موافقا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. فهذان شرطان عظيمان لا تقبل العبادة إلا بهما؛ والشرط الأول وهو الإخلاص هو الذي يتعلق بالعقائد، أما الشرط الثاني وهو المتابعة وهو الذي يتعلق بالفقه وبفروع الدين الذي يتعلمه الإنسان من نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. ولذا يقول بعض السلف: الإخلاص شرط الباطن، والمتابعة شرط الظاهر في الأعمال.

فهذه قضية مهمة جدا أيها الأحبة، لابد أن يعتنى بها أي عناية في حياة المسلم، في تعامله، في عبادته لربه عز في علاه. فهذا شرط عظيم؛ فما معنى الإخلاص؟ طبعا الإخلاص له تعريف في اللغة، تعريفه في اللغة هو من خلوص الشيء نقائه وصفائه. ولهذا قال الله عز وجل في سورة النحل يحدث عن اللبن: في خروج اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصا، خالصا أي سليما من الشوائب في هذا المكان عند خروجه خالصا سائغا للشاربين.

أما الإخلاص في الاصطلاح فله تعاريف كثيرة جدا، لكن من أجهلها ومن أوجزها هو ما قاله ابن القيم الذي يعد هو طبيب القلوب رحمه الله، يقول: هو افراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة. هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة، يعني أن تفرد الله عز وجل في قصدك ونيتك في هذه الأعمال العظيمة التي تؤديها لله عز في علاه. فهذا الأمر عظيم جدا، وهو أن يفرد الإنسان الله عز وجل في قصده، في نيته، في توجهه، فيما يريده من جزاء هو من الله عز وجل، لا يريد من أحد لا جزاء ولا شكورا، وإنما يعمل هذا العمل خالصا لله عز في علاه. فهذا أمر عظيم إن لم يعتني به الإنسان فقد خاب وخسر وضاع سعيه وضل عمله في هذه الدنيا، وتكون النتيجة يوم القيامة عياذا بالله كما قال ربنا عز في علاه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا من عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. لأن الإنسان لم يرد بعمله الله عز وجل، والله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا له، إلا ما كان خالصا له.

ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه». فلا بد أن يكون هذا العمل خالصا لله، وأن تبتغي الأجر من الله عز وجل، وأن ترجو الثواب من الله، لا تريد من أحد لا ثناء ولا سمعة ولا شكورا، وإنما تريد الأجر من الله، وأن يكون هذا العمل خالصا لله مبتغي ما عند الله عز في علاه في عملك كله. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل. نقف عند هذا المكان وناخذ فاصل، ثم نعود بإذن الله تعالى.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. نواصل الحديث عن هذا العمل القلبي العظيم، وهو الإخلاص. ذكرنا قبل الفاصل ما يتعلق بمعناه في اللغة وفي الاصطلاح، وأيضا أهمية هذا العمل أو أهمية هذه العبادة القلبية العظيمة، وما لها من الأثر العظيم في قبول الأعمال عند الله عز في علاه. وذكرنا أن الإخلاص هو الشرط الأول في قبول الأعمال. ولا شك أن الإخلاص هو جزء من النية، جزء من النية التي يحاسب الله عز وجل العبد عليها؛ إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فالنية أعم وأشمل من الإخلاص، الإخلاص هو جزء من النية.

فالنية تطلق على معنيين؛ المعنى الأول هو التمييز بين العبادات. التمييز من معاني النية أو من ثمرات النية وفوائد النية التمييز بين العبادات؛ فالانسان ينوي مثلا هذه صلاة ظهر، هذه صلاة عصر، ينوي هذه الصدقة هي صدقة عامة، هي زكاة. فالذي يفرق بين هذه الأعمال هي نية الإنسان. وأيضا يدخل في من مقاصد النية التمييز المقصود بالعمل، يعني ماذا يريد الإنسان من عمله؟ هذه أيضا داخله في النية، وهو الذي يشمل الإخلاص، وهو الذي يشمل الإخلاص.

فهناك مثلا ترى شخصين ساجدين؛ أحدهما ساجد لله عز في علاه، والآخر ساجد لقبر. ما الذي فرق بينهما؟ فالعمل واحد، والذي فرق بينهما هو النية، الذي فرق بينهما هو مقصد هذا الساجد ومراده من سجوده. فالنية إما أن تفرق بين العبادات، أو تفرق بين المقاصد؛ مقاصد الإنسان في عمله. ولهذا كانت هذه النية لها هذا الأثر العظيم في دين الله عز وجل، فالله عز وجل يحاسب الإنسان على نيته ومقشده وماذا يريد؛ هل يريد بهذا العمل ابتغاء وجه الله عز في علاه، أو يريد بهذا العمل الرياء والسمعة وغير ذلك من الثناء الذي يكون عند الناس؟

هذه النية أيها الأحبة، أو هذا الإخلاص الذي يكون في هذا العمل، له ثمرات عظيمة جدا في دين الله عز وجل، له ثمرات عظيمة. فإن الإنسان إذا استحضار هذه النية وأخلص العمل لله عز وجل، هذا العمل حتى ولو كان قليلا، ولو كان قليلا، فان هذه النية تكثر هذا العمل وتكبر وتعظم هذا العمل عند الله عز وجل. لأن الله عز وجل يطلع على قلوبنا وما فيها من حب الخير وابتغاء الأجر والفضل من الله عز في علاه. ليست القضية كثره الأعمال، وإنما القضية هو ما يتعلق بقلب الإنسان وصفائه وإخلاصه لله عز في علاه.

ولهذا روي عن بعض السلف أنه قال عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، يقول: ما سبقهم أي الصحابة أبو بكر بكثير علم ولا عمل، وإنما بشيء وقر في صدره. وإنما بشيء وقر في صدره؛ التعظيم لله عز وجل، ابتغاء الأجر من الله عز وجل، الإخبات، الإنابة، التوكل، المحبة التي في قلب العبد لله عز وجل. هذا الذي يجعل الإنسان يجعله قريبا من الله عز وجل، وتعظم الأعمال التي يبتغي بها ما عند ما عند الله.

فأعظم ثمرة من ثمرات الإخلاص التي يجنيها العبد في عمله: القبول؛ أن هذا العمل يقبل عند الله. فكم من انسان قد يتعب ويجتهد ويشقى، ولكن ليس له إلا التعب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب، وكم من صائم حظه من صيامه الجوع والعطش» عياذا بالله عز وجل عياذا بالله. لماذا؟ لأنه عندما قام أو عندما صام نظر إلى المخلوقين ولم ينظر إلى الخالق عز في علاه، لم يكن خالصا في عمله لله، لم يكن خالصا في عمله لله، فشاب هذا العمل شيئا من عدم ابتغاء وجه الله، عدم النظر إلى الله عز وجل تعظيما وإجلالا وابتغاء الأجر من عند ربنا عز في علاه. فنقص هذا الأجر أو لم يحصل، وإذا غلب هذا الأمر في قلب العبد قد يحبط العمل تماما ولا يقبل منه.

كما قال الله عز وجل مخاطبا نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وحاشاه عليه الصلاه والسلام أن يقع في هذا العمل، لكن هو تربية للأمة، يقول الله عز وجل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]. وحاشاه صلوات ربي وسلامه عليه أن يقع في هذا الأمر، لكن هو تربية للأمة كلها بأن تخشى وتخاف من ابتغاء غير الله عز وجل في عملها، وأن يكون القصد لله في كل أعماله وفي كل شؤونه.

ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه». فالله عز وجل يقبل من العمل ما كان خالصا له، ما كان خالصا له، فإذا خالط هذا الإخلاص شيئا من الرياء ومن السمعة، فإن الله

وجل غني عن عمل هذا العامل. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه عز في علاه: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». يتركه عز في علاه، يترك هذا العامل ويترك عمله أيضا ولا يقبله؛ لأنه أشرك مع الله عز وجل غيره، والله عز وجل لا يقبل إلا ما كان خالصا له عز درجات. وهذا حق عظيم من حقوق ربنا أن يكون هذا العمل خالصا له وألا نشرك معه شيئا.

من ثمرات النية الصالحة والإخلاص لله عز وجل في العمل أن الله عز وجل يضاعف هذا العمل، ويضاعف الحسنات التي تكون للعبد في عمله هذا. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها». فما من عمل تعمله ولو كان يسيرا، إذا كان العبد مخلصا لله عز وجل في هذا العمل، فإن الله يضاعف له الأجور.

وكلنا سمع بحديث المرأة البغي التي سقت الكلب، عمل يسير جدا يعني لا يتصور في عقول الناس أو في أفهام الناس أن هذا العمل من الأعمال الجليلة العظيمة، بل هو عمل يسير جدا يفعله كثير من الناس بحكم العادة والألف. لكن انظروا ما حصل لهذه المرأة من أجر عظيم عند الله عز وجل، أن الله عز وجل شكر لها عملها هذا فغفر لها.

وكذلك قصة الرجل الذي نحى غصن الشوك عن الطريق، عمل قد يفعله الإنسان بعادته وطبعه ولا يتصور ما فيه من الأجر العظيم عند ربنا عز في علاه. لكن لما وقر في قلبه من حب الخير وتعظيم الله عز وجل ونفع الناس وعدم أذيتهم يبتغي الأجر من عند الله عز وجل، فالله عز وجل شكر له عمله ذلك فغفر له وأدخله الجنة. ومن يتخيل ومن يتصور مثل هذه الأعمال اليسيرة أنها تكون سببا في دخول الإنسان الجنة بهذا العمل اليسير والبسيط؟ فالإنسان يحرص دائما حتى في الأعمال اليسيرة والبسيطة أن يبتغي وجه الله عز وجل في هذا العمل.

ولهذا روي عن ابن المبارك رحمه الله، عبد الله بن المبارك الإمام الجليل العظيم التابعي الكبير، أنه قال: رب عمل صغير تكبره النية، ورب عمل كبير تصغره النية. الإنسان قد يعمل عمل صغير مثل ما ذكرنا في قصة المرأة البغي التي سقت الكلب، وأيضا الرجل الذي نحى غصن الشوك عن الطريق، عمل صغير لكن كبرته النية، التعظيم الذي كان في قلب هذا العبد يبتغي ما عند الله عز في علاه ولا يرجو من الناس لا جزاء ولا شكورا، قد لا يكون أحد راه وهو يعمل هذا العمل وإنما يريد ما عند الله، فكبرت النية هذا العمل اليسير.

وأحيانا العمل العظيم الكبير قد يدخل فيه شيء من عدم الإخلاص لله عز وجل فيصغر هذا العمل. قد يحج الإنسان وهو عمل عظيم كبير جليل، قد يحج لكن يبتغي أيضا الثناء والسمعة أنه حج كذا سنة، أنه كثير الحج، أنه كذا، فقد يضعف أو يقل الأجر عند الإنسان في عمله هذا بسبب هذه النية، وهذا مصداق لقول ابن المبارك رحمه الله: ورب عمل كبير تصغره النية.

نواصل الحديث عن ثمرات الإخلاص الذي يحصل الإنسان هذه الثمرة العظيمة من خلال هذه النية الصادقة الخالصه لله عز وجل في عمله وإن كان يسيرا. توقفنا عند قول ابن المبارك رحمه الله: رب عمل صغير تكبره النية، ورب عمل كبير تصغره النية.

أيضا من ثمرات الإخلاص لله عز وجل في العمل مغفره الذنوب. فالله عز وجل قد يتجاوز عن العبد بسبب عمل يسير عمله فتقبله الله عز وجل؛ لأنه كان خالصا لله عز في علاه، فقد يكون هذا العمل هو سبب نجاته، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]. فقد يكون هذا العمل عمله العبد إما بلسانه أو بجوارحه، وتمحض فيه الإخلاص، فكان هذا العمل هو سبب نجاته.

وأشهر مثال وأعظم مثال لهذا الأمر هو حديث صاحب البطاقة، الذي جيء به يوم القيامة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم على رؤوس الخلائق، فنشر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجلا مد البصر فيها من الموبقات وفيها من المصائب وفيها من الخطايا والزلات شيء عظيم. ثم يقول الله عز وجل: أتنكر من هذا شيئا؟ هل تنكر هذه الأعمال التي في هذه السجلات العظيمة؟ فيقول العبد: لا يا رب. فيقال له: لا ظلم اليوم عليك. فتخرج له بطاقة، بطاقة مكتوب فيها: لا إله إلا الله.

فيستغرب العبد، ما هذه البطاقة أمام هذه السجلات العظيمة التسعة وتسعين؟ في تصور العبد وفي ذهنه أنها لا تقوم في مقابل هذه السجلات العظيمة. ولكن عندما قال هذا العبد: أين تقع هذه البطاقة من هذه السجلات؟ فتوضع البطاقة في كفة، والسجلات هذه العظيمة في كفة، فتثقل البطاقة وتطيش السجلات بـ«لا إله إلا الله»؛ لأنه قالها خالصا من قلبه. وهذه الكلمه عظيمة جدا، ولهذا يحرص المسلم على تكرارها دائما، وهي من أعظم الأذكار، وردت في أذكار الصباح والمساء، وردت في الأذكار المطلقة، يكررها العبد وهي من أعظم الحسنات كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. فيقول هذه الكلمة لا يدري متى ينطق بهذه الكلمة وتكون خالصه من قلبه، فلعله يكون في حال قريب من حال صاحب البطاقة، فتأتي هذه الكلمة التي قالها في يوم من الأيام وقد لا يذكر هذا اليوم، لكن يوم القيامة تخرج له هذه الكلمة فتكون سببا في نجاته وفي فوزه وفي فلاحه وفي أيضا محو سيئاته، فترجح هذه الكلمة على هذه الذنوب والمعاصي.

وما أعظم هذه الكلمة، الكلمة العظيمة التي هي كلمة التوحيد! وإن الحسنات يذهبن السيئات وأتبع السيئة الحسنة تمحها. فلا شك أن الذي يحافظ على مثل هذه الكلمة أنه بإذن الله عندما يقولها خالصه من قلبه وهو يعلم ويعي ويتفكر في معنى لا إله إلا الله وما فيها من نفي وأثبات وما فيها من شروط، فإنه بإذن الله تكون هذه الكلمة سببا لنجاته يوم القيامة ومغفرة الذنوب والخطايا التي حملها على ظهره وأتى بها عند ربه عز في علاه.

أيضا من ثمرات الإخلاص لله عز وجل في أعمال الإنسان حتى في نيته، أنه يدرك بنيته وإخلاصه ثواب شيء لم يعمله، وإنما بنيته الصادقة الخالصة لله عز في علاه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج في غزوة من الغزوات: «إن أقواما بالمدينة خلفنا، ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا حبسهم العذر». وفي رواية: «إلا أشركوكم في الأجر». لماذا؟ نيته خالصة صادقة في الخروج، لكن حبسه العذر؛ إما لمرض أو لفقر أو لعدم وجود الدابة أو لأي أمر من الأمور. فهذه النية الصادقة أوصلته إلى تحصيل الأجر مثل الذي خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكم في هذا من فضل وكرم من المولى عز في علاه بسبب هذه النية الصادقة.

ولهذا دائما الإنسان يحرص في داخل قلبه على أن يبتغي دائما الأجر ويبتغي الفضل من الله، وينظر في هذه الأعمال الصالحة ويتمنى ويرجو من الله أن يكون من أهلها حتى ولو لم يكن. الإنسان الفقير يرى غنيا يتصدق فيتمنى أن يكون عنده من المال حتى يتصدق. الإنسان رزق الله عز وجل أو ابتلاه الله عز وجل بالمرض ولا يستطيع أن يقوم ببعض العبادات، فيتمنى أن يكون عنده من الصحة والعافية ما يستطيع أن يقوم بهذا العمل، فإن الله عز وجل يعطيه من الأجر مثل ذلك العامل.

وهذا جاء نصا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النفر الأربعة الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، قال: «مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله علما ومالا فهو يعمل بعلمه وينفق من ماله ويتصدق...» وذكر من هؤلاء الأربعة رجل لم يؤته مالا، علما يعني عنده فقه في دين الله ويعرف فضل هذه النية وأجرها وقيمتها عند الله عز وجل، فهو يتمنى أن يكون مثل ذلك الرجل الذي آتاه الله عز وجل العلم والمال وتصدق بماله. فهو يتمنى أن يكون مثله، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا لعملت فيه مثل الذي يعمل؛ لو كان عندي هذا المال لعملت مثل هذا الرجل المتصدق المنفق الذي يعطي ابتغاء ما عند الله عز وجل. لكن ما عنده مال، لكنه يتمنى أن يكون مثل هذا الغني الذي يتصدق وينفق ويتمنى أن يكون مثله في الإنفاق في أوجه الخير. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فهما في الأجر سواء».

وهذا والله فضل عظيم من الله وكرم لا يحده حد، كرم عظيم أن يكون حتى الفقير يحصل ما يحصله الغني في نفقته وصدقته إذا نوى هذا الفقير، نوى أن الله لو كان الله عز وجل رزقه المال لفعل مثل فعل هذا الغني. فما أعظم هذه النية! ما أعظم هذا الإخلاص الذي كان في قلب هذا العبد وابتغاء ما عند الله عز وجل! فحصل هذا الأجر العظيم الذي لم يعمل في مقابلة شيء، وإنما فقط أنه نوى في قلبه فحصل هذا الأجر بهذه النية الصادقة الخالصة لله عز في علاه.

لماذا؟ لأنه قد يكون هناك من الفقراء من يرى غنيا يرتع في ماله في الحرام، فيتمنى أن يكون مثله، فهما في الوزر سواء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. كما أن النية الصادقة الخالصة أوصلت ذلك العبد الصالح إلى مقام ذلك الغني، فكذلك النية الفاسدة أوصلت هذا المسكين الذي لم يعمل، جعلته شريكا لذلك الرجل الغني الفاجر الذي يرتع في ماله في الحرام. فهذه النية أوصلته إلى هذا وإن لم يعمل. كذلك هذه النية الصالحة أوصلت ذلك الرجل الذي عنده العلم وعنده الخير وعنده الإخلاص في قلبه لله عز وجل، أوصلته إلى هذه المنزلة وهذه المكانة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «فهما في الأجر سواء».

ولهذا يحرص المسلم إذا رأى من أهل الخير من أهل الصلاح من أهل التقوى رأى أعمالا صالحة، يتمنى ويرجو من الله أن يكون مثل هؤلاء، وأن ينعم الله عز وجل عليه ليكون مثلهم في الأعمال الصالحة، سواء كان في عبادات الجوارح أو في العبادات المالية أو في غير ذلك من الأمور التي يؤديها وهو خالص فيها لله عز في علاه.

هنا نتوقف في الحديث عن الإخلاص في هذا اللقاء ونكمل إن شاء الله في اللقاء القادم بقية الحديث عن هذه العبادة القلبية العظيمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.