تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله أيها الأحبة في مادة أعمال القلوب في أكاديمية زاد، وهذه الحلقة سنواصل بإذن الله الحديث في موضوع الحلقة الماضية، وهو الورع؛ الذي هو عبادة جليلة عظيمة، ذكر كثير من السلف أنها أصل الدين، وأنها من اعظم العبادات والاعمال وأجلها في تعامل الانسان مع ربه، وتحتاج حقيقة إلى وقفات كثيرة لتعلقها بالخوف من الله، وتعظيم الله، وتقوى الله، وخشية الله. فكل هذه عبادات مرتبطة ببعضها ليصل الانسان إلى مبتغاه من هذه الدنيا؛ أن يرضى الله عز وجل عنه، وأن يكون بإذن الله من أهل الفردوس الأعلى من الجنة.

الورع -أيها الأحبة- إذا تحقق في قلب العبد كان خير معين له على الطاعة، وخير معين له على العبادة؛ لأن التساهل هو الذي يضعف إيمان الانسان. أما الانسان الذي يتقي الله عز وجل، ويحافظ على قلبه، ويحافظ على دينه، ويحافظ على إيمانه، حتى من الشبه، حتى من الأمور التي قد تخفى ولا يعلم أحلال هي أم حرام، الذي يحرص على المحافظة على قلبه وعلى إيمانه وعلى دينه؛ لا شك أنه يصل إلى مراتب عليا في العبادة، وفي الخوف، وفي الخخشية، وفي التعظيم، وفي الإنابة، وفي الإجلال لله عز في علاه. وهذا أمر -يعني من قرأ في سيرة السلف الصالح- رآه عياناً في أي ما ثبت في سيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم.

فالانسان كلما تحقق الورع في قلبه وعظم في قلبه، لا شك أنه وصل إلى المراتب العليا. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة -وهو الصحابي الجليل الذي نقل لنا جل سنة نبينا صلى الله عليه وسلم-: «يا أبا هريرة، كن ورعاً تكن أعبد الناس». يا أبا هريرة، كن ورعاً تكن أعبد الناس. حقق الورع في قلبك تكن من أعبد الناس. لماذا؟ لأن الانسان إذا كان ورعاً فمعناه أن هذا القلب معظم لله، ويخشى الله عز وجل ويخافه. وهذا الذي يقبل على عبادة ربه؛ لأن الانسان ينشط في عبادته ليس بجسد، وإنما بقلبه. ولهذا نجد الآن كثير من الأصحاء الاقوياء ومن الرياضيين ومن أصحاب كمال الاجسام وغيرهم لكن ضعيف في عبادته. ليست القوة بقوة الجسم، وتجد في المقابل -كما نراه الآن في الاماكن العامة، في المساجد، في الحرم، وفي غيره- تجد إنساناً أحياناً ضعيف، كبير السن، وأحياناً مشلول مقطوعة رجله، فتجد أنه لا يتخلف عن ركعة واحدة في صلاة التراويح أو في صلاة القيام في رمضان، ويكثر من السنن والنوافل، ويتعبد الله عز وجل.

فالذي يدفع الانسان إلى عبادة الله هو القلب؛ القلب إذا عظم الإيمان فيه، إذا عظم الخوف من الله فيه، إذا تحققت التقوى فيه، فانه هذا الذي يقبل على عبادة الله ويكون من أتقى عباد الله. وهذا في مصداق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة، كن ورعاً تكن أعبد الناس». لأنه ما الذي يضعف الإيمان في القلب؟ هو التساهل الذي يحصل عند بعض الناس في بعض الامور؛ يعني يكون عنده جرأة على بعض الامور المشتبهات، يقحم نفسه في كل أمر وهو لم يتبين له، ويظن أنه على خير ويظن أنه على ضلال مبين أن يكون الانسان عنده جرأة على ما حرم الله عز وجل.

فالانسان الذي يخاف الله عز وجل ويريد أن تتحقق العبادة في قلبه -ولا شك أن العبادة تظهر- هذا الأمر له مقياس وله ميزان يعرف به المرء حاله. ينظر الانسان إذا أراد أن يعرف هل تحقق الورع وعظم في قلبه؛ ينظر إلى حاله مع ربه، ينظر إلى حاله في الطاعات والعبادات وفي النوافل وفي القربات. فهنا يعرف الانسان، هذا هو الميزان والمقياس في هذه الدنيا؛ تجد الانسان عنده إقبال على طاعة الله عز وجل، عنده همة في العباده، في قيام الليل، في صلاة النوافل، في الأذكار. هذا ولا شك دليل على أن الورع قد تحقق في قلبه، والخوف من الله تحقق في قلبه. لكن عندما يشعر الانسان بفتور وضعف وعدم إقبال وانشراح صدر للعبادة، فهذا يدل على أن هذا الانسان يخلط في يومه وليلته، يخلط في حياته، يخلط في تعامله، ليس عنده ذلك التعظيم الكامل لله عز وجل، فنتج عنه هذا الضعف وهذا الفتور في عبادة ربه ومولاه.

وبقدر ما يتحقق هذا الأمر في قلب الانسان من ورع وخوف وتقوى، بقدر ما يجتهد الانسان في الطاعة. وننظر إلى المثل الأعلى والأجل والأكبر في حياتنا، وهو نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان يقوم الليل حتى تتفطر قدمه -بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه- مع أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكن لعظم الإيمان في قلبه وهو سيد المتقين صلوات ربي وسلامه عليه، عابداً لله في كل أحواله وفي كل شؤونه، ومكثراً من النوافل ومن العبادات. وهكذا الانسان الذي يريد أن يسير على خطى حبيبنا وإمامنا محمد صلى الله عليه وسلم، لابد أن يراعي هذا الأمر وأن يتحقق في قلبه هذا العبادة الجليلة.

النبي صلى الله عليه وسلم حذر من ترك الورع؛ يعني عدم وجود الورع في القلب خطير جداً، وهو دلالة على أن الانسان على شفا جرف هار في هذه الدنيا، يخشى عليه من أن يطبع الله عز وجل على قلبه إذا لم يتحقق أصل الورع في قلبه. لأن الورع مراتب، كما قلنا: المرتبة الأولى هو ترك الحرام والابتعاد عنه، المرتبة الثانية أن يتقي الشبهات، ثم بعد ذلك المرتبة الأعلى أن يترك شيئاً من الحلال خوفاً من الوقوع في الحرام. فالمسلم الموفق هو الذي يترقى بذلك، وفي المقابل الذي يضعف الورع في قلبه، يضعف الخوف من الله في قلبه، فانه يشترئ على محارم الله لضعف الإيمان في قلبه، لضعف الورع والخوف من الله في قلبه.

ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جليل عظيم يحسن بكل مسلم أن يقف معه، أن يقف معه أن يتدبره، لانه أولاً من كلام الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه الذي دلنا على كل خير وحذرنا من كل شر. هذا الحديث -أيها الأحبة- حديث عظيم وجليل، وهو الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، يجعلها الله عز وجل يوم القيامة هباءً منثوراً». فخاف الصحابه، قالوا: من هم يا رسول الله؟ صفهم لنا، جلهم لنا؛ ألا نكون منهم، أمر خطير جداً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، وياخذون من الليل كما تأخذون». وهذه والله هي الطامة والمصيبة الكبرى؛ يأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، عياذاً بالله من ذلك. ونفصل في هذا الحديث إن شاء الله بعد الفاصل.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد توقفنا قبل الفاصل عند الحديث عن كلام نبينا صلى الله عليه وسلم العظيم في الحديث الذي وصف به أقواماً من أمته صلوات ربي وسلامه عليه، وهو حديث ذكرنا أنه حديث جليل عظيم، يحسن بكل مسلم يريد الخير لنفسه ويريد النجاه أن يقف مع هذا الحديث وأن يتفكر فيه وأن يتدبر في معانيه؛ لأن الأمر ليس بالهين، أمر خطير جداً. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون بحسنات مثل جبال تهامة بيضاء».

نريد أن نتخيل -يا إخوان- هذا الحديث الآن؛ انسان يأتي بحسنات يوم القيامة، أي أنه مسلم ويعمل من الطاعات وعنده عبادات، ولهذا كانت هذه الحسنات عظيمة مثل جبال تهامة، وهي سلسلة جبال السروات من اليمن إلى حدود الأردن. تخيل هذا الكم الهائل والعظيم من الحسنات! إذاً هم أناس عندهم طاعات وعندهم عبادات، يعني ليسوا هم من أهل الكفر والنفاق، وإنما هم أناس يعبدون الله عز وجل. وانظروا إلى هذه الأوصاف العظيمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الحسنات العظيمة: «يجعلها الله هباءً منثوراً»، تضيع كلها، لا تنفع الانسان. والهباء المنثور؛ الهباء هو القشر الذي يطير في الهواء، والوصف بالهباء جاء حتى في القرآن: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

الهباء هو القشر الذي يطير في الهواء. طيب، لماذا وصفت الأعمال بالهباء؟ لأن الانسان الذي ينفعه يوم القيامة هو العمل الذي يثقل به الميزان، الذي يوضع في الميزان ويثقل به الميزان. أما هذا القشر إذا وضع في الميزان فلا وزن له ولا قيمة، فتكون هذه الأعمال العظيمة مثل هذا الهباء، تطير ولا تثقل الميزان، إذاً هي لا تنفع الانسان. وهذا أمر خطير؛ أن الانسان يصلي، يصوم، يقرأ القرآن، يحج، يعتمر، ثم تضيع هذه وتصبح هباء منثوراً. لا شك والله أن هذا أمر عظيم جليل، ولهذا قال الصحابي راوي الحديث ثوبان رضي الله عنه وأرضاه: يا رسول الله، صفهم لنا جلهم لنا؛ ألا نكون منهم. يعني هذا أمر خطير، وجاء الوصف أطم وأخطر وأعظم أيضاً، والله يجعل الانسان يرتجف فؤاده عندما يسمع هذا الوصف الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أما إنهم إخوانكم»، ما قال من المنافقين، ما قال من الكفار من العصاة، قال: «أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، وياخذون من الليل كما تأخذون».

وهذا والله هذه الجمله ضع تحتها عشرين خطاً، جملة خطيرة جداً، هذا يدل على أن هذا الذي يحصل له يوم القيامة هذا الأمر، أن تكون حسناته هباء منثوراً، هو ممن يقوم الليل -عياذاً بالله من ذلك- أن نكون ممن يقع في هذا أو يحصل له هذا الأمر يوم القيامة. وياخذون من الليل كما تأخذون؛ إذاً انسان عنده شيء من العبادات، حتى العبادات الخاصة وهي قيام الليل، وياخذون من الليل كما تأخذون. ولكنهم -هنا ياتي الوصف- ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.

إذا هو أمام الناس عنده خوف، عنده ورع، يبتعد عن المعاصي والذنوب، يقبل على الله، يكثر من الطاعات، لكنه إذا خلى بمحارم الله ضعف الخوف من الله في قلبه. إذا كان لوحده وغاب الرقيب عن عينه، فانه يجرؤ على محارم الله. لماذا؟ لضعف المراقبة في قلبه، وضعف تعظيم الله في قلبه، وضعف الخوف من الله في قلبه؛ لانه لم يستشعر أن الله عز وجل مطلع عليه في كل أحواله وفي كل شؤونه، لا تخفى على الله منه خافية، والله عز وجل يعلم السر وأخفى ولا يمكن أن يختفي عن الله عز وجل. فهذا الذي حصل منه هذا الأمر، وقع في هذه الطامة العظيمة الكبيرة؛ أنه اشتر على محارم الله، اشترى على محارم الله. ليس أحياناً من تسويل الشيطان؛ قد يقع الانسان في المعصية، لكن هذا اشترى على هذا المحرم لضعف الإيمان في قلبه، وضعف الخوف من الله في قلبه، وضعف الورع في قلبه. فحصل منه هذا الأمر، فكانت هذه النتيجة وهذه الطامة والمصيبة يوم القيامة، أن تكون هذه الحسنات كالهباء المنثور.

لكن الانسان الذي يتعامل مع الله عز وجل، يتعامل مع الله بالخوف والورع والتقوى والخشية، فانه بإذن الله يكون من الناجين ويسلم من هذا الوصف الذي ذكره نبينا وحبيبنا صلوات ربي وسلامه عليه عن هؤلاء الاقوام الذين يخشى الانسان أن يكون منهم. ولهذا -أيها الأحبة- إذا خلى الانسان بنفسه يتذكر هذا الحديث؛ إذا خلى بنفسه، خلى في غرفته، خلى مع جهازه، خلى مع جواله، خلى وهو مسافر لوحده، فانه يتذكر هذا الحديث: ﴿إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها﴾. فيخشى الانسان على نفسه ويخاف أن يكون ممن وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وتكون هذه الحسنات وهذه الطاعة والعبادات التي قدمها واجتهد فيها وعمل وشقي في هذه الدنيا، تكون هباء منثوراً يوم القيامة عندما يكون أحوج ما يكون إلى حسنة واحدة.

حسنة واحدة يكون أحوج إليها من الدنيا وما فيها، يأتي إليه أعز الناس إليه، أمه وأبوه: يا ولدي حسنة. فيقول: نفسي نفسي! ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]. فكيف إذا كانت الحسنات العظيمة التي يرجو النجاه بها تكون هباء منثوراً؟ لا شك والله أن هذا هو الخسران المبين، هذا هو الخسران المبين، نعوذ بالله أن نكون من أهل الخسارة. أيضاً أخبر النبي صلوات ربي وسلامه عليه أن الانسان في هذه

الدنيا أيضا إذا لم يتحقق الورع في قلبه أنه يجتهد ويشقى، وقد يعبد الله عز وجل بعناء وتعب، ويكثر من الدعاء ويكثر من الأعمال الصالحة، لكن لا يقبل منه عياذا بالله بسبب تخليطه وبسبب أيضا قلة الورع في قلبه وعدم الخوف من الله. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، يا رب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ أنى يستجاب له! أنى يستجاب له!».

وللاحظوا أيها الأحبة هذه المقدمة العظيمة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يطيل السفر، ودعوة المسافر مستجابة، يعني تحققت عنده أشياء كثيرة؛ أولا: أنه مسافر ودعوة المسافر مستجابة، أشعث أغبر، فهو يعني فيه خضوع وذل لله عز وجل عند دعائه وعند عبادته، وهو يظهر الفقر لله عز في علاه، وهذا أيضا يعني دلالة على أن الإنسان محتاج إلى الله. أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، والله عز وجل يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أيضا هذا من أسباب إجابة الدعاء رفع اليدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر كما قلنا أن الله عز وجل حيي كريم يستحي من الععبد إذا رفع يديه أن يردهما صفرا.

ثم يقول: يا رب، يا رب، وهذا هو دعاء الأنبياء، وكثير من الأدعية في القرآن بهذا النص وبهذا الاسم من أسماء الله عز وجل أو بهذا الوصف من أوصاف الله عز وجل ووصف الربوبية: يا رب، يا رب. لكن أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام»، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنى يستجاب له!». يعني هذا استفهام إنكاري، يعني لا يمكن أن يستجاب له وهو واقع في هذه المصائب وفي هذه الطوام التي كانت بسبب عدم الخوف من الله وعدم الخشية من الله وعدم الورع في قلبه، الذي لم يحجبه عن هذه المحرمات وهذه المصائب التي وقع فيها، فاجترأ على ما حرم الله، فكانت النتيجة أنه حرم إجابة الدعوة، عياذا بالله من ذلك.

ونواصل إن شاء الله بعد الفاصل.

إن أردت النجاح في الدنيا والسعادة في الآخرة فاسلك طريق العلم، لكن الآفات على هذا الطريق كثيرة؛ منها الرياء: بأن يراد بالعلم الشهرة وثناء الناس، قال صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار». ومنها الكبر والعجب، قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر. ومنها الحسد، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19]، أي بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم. ومنها الانشغال بالدنيا وملهياتها وأشغالها عن تحصيل العلم النافع. ومنها التعالم والتصدر قبل التأهل؛ فإن التصدر يمنع من تلقي العلم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا. ومنها الفتور والكسل، قال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك». فالزم طريق العلم ولا تصدنك الآفات، واحذر من قطاع الطريق، قال تعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: 62].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فما زال الحديث أيها الأحبة عن عبادة الورع والخوف من الله عز وجل، الذي هو نتيجة لهذا الورع، وتعظيم الله عز وجل، الذي هو ثمره أيضا لهذا الورع الذي يتحقق في قلب العبد المؤمن الموفق الذي أراد الله عز وجل به خيرا. ذكرنا قبل الفاصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل عن ذلك الرجل الذي يمد يديه ويدعو الله عز وجل، وقد وقع في الحرام وخلط في ماله وفي أكله وفي ملبسه وفي شربه، ثم بعد ذلك كانت النتيجة أنه حرم إجابة الدعاء عياذا بالله من ذلك، وهذا والله من أكبر الشقاء والعناء والبلاء الذي يحصل للانسان في هذه الدنيا بسبب جرأته على محارم الله أن يحرم إجابة الدعاء.

ما منا أحد حتى العصاه إلا وهو يدعو الله عز وجل: يا رب؛ يريد الصحة، يريد العافية، يريد المال، يريد الذرية الصالحة، يعني يأمل بأشياء كثيرة وهو يسمع قول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غؤاف: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. لكن حرم هذا الأمر الذي وعد الله عز وجل به بسبب عدم وجود الورع في قلبه وجرأته على محارم الله، فحرم إجابة الدعاء، وهذا من أكبر العقوبات في هذه الدنيا أن يحرم الإنسان إجابة الدعاء.

ولهذا الإنسان إذا أراد أن يحصل على الخير والنجاة في الدنيا وفي الآخرة، يعني أن يحصل على خيري الدنيا والآخرة، فليتحقق هذا الأمر في قلبه؛ أن يكون ورعا تقيا خائفا وجلا معظما لله في كل أحواله وفي كل شؤونه. وينظر الإنسان في السلف الصالح رضوان الله عليهم في سيرهم، هم قدوات لنا، وأمامهم ومقدمهم نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، الذين هم اقتدوا به في حياته، نماذج عظيمة جدا من الورع، وهو الصادق المصدوق وهو التقي وهو الأمين الذي عصمه الله عز وجل وزكاه وطهره، ومع ذلك يطبق هذه العبادة في حياته ليمتثلها الناس وليكون قدوة لهم صلوات ربي وسلامه عليه.

قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحيانا عندما يعود إلى أهله يجد التمرة ملقاة إما على فراشه أو في الأرض، فيريد أن يأكلها لأنه من إكرام النعمة. النبي صلى الله عليه وسلم كان من صفاته أنه يكرم النعمة؛ يمسح الطعام الذي سقط على الأرض ثم يأكله، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يسمي ويأكله. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول، يعني يريد إكرام هذه النعمة، يريد أن يأكلها، لكن يتذكر أنها قد تكون من الصدقة، والصدقة محرمة على أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، على آل بيت النبي صلوات ربي وسلامه عليه، فيتذكر هذا الأمر فيتركها ورعا.

وهنا الأمر ليس ظاهرا، هذه من المشتبهات؛ هو لا يعلم الآن هل هي من الصدقة أم من طعام البيت أم من الهدايا التي تأتي إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم؟ والهدية ليست محرمة على آل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم، لكن مع ذلك يتورع النبي صلى الله عليه وسلم عن أكلها ليتحقق هذا الأمر في قلبه، تتحقق هذه العبادة العظيمة.

أيضا النبي صلى الله عليه وسلم كان يربي حتى الصغار على هذه العبادة العظيمة؛ كان الحسن رضي الله عنه وأرضاه في يوم من الأيام، وهو سبط النبي صلى الله عليه وسلم، أخذ تمرة من تمر الصدقة، فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما رآه قد وضعها في فمه قال: «كخ، كخ، ألقها!». فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره بطرحها وهو غلام صغير صبي غير مكلف رضي الله عنه وأرضاه، الحسن بن علي بن أبي طالب ابن بنت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بطرحها، فيقول له هذا الوصف الذي يقال للصغار: كخ، كخ، أي اترك هذا الأمر، يعني ليس طيبا. فامره النبي صلى الله عليه وسلم باخراجها وهو غير مكلف ليتحقق الورع في قلبه وليربي هذا الصغير أيضا على الورع، وهي تربية والله عظيمة.

الآن لو ربينا الصغار على مثل هذا الأمر لا شك أنه عظيم جليل؛ يعني يربي الصغار أحيانا في بعض الأماكن العامة وغيرها يتورع الإنسان عن اخذ شيء قد يكون في شبهة؛ يعني مثلا عندما يدخل بعض الناس الآن إلى محلات الفواكه والخضار، فتجد بعض الناس الآن عنده جرأة وتساهل كبير جدا؛ يأكل من هذا، ويأكل من هذا، ويأكل من هذا كأنه يتذوق، وهو يبرر لنفسه أنه يريد الشراء. لكن تخيل الآن لو دخل إلى هذا المحل مائة رجل وكل واحد أكل واحدة أو اثنتين أو ثلاث، كم بقي لصاحب المحل؟ فالورع والمروءة تمنعان الإنسان حتى من مثل هذه الأمور، وهذا والله مع الأسف نراه عيانا أحيانا؛ يأكل الإنسان في المحلات العامة، في محلات الطيب يتطيب ويكثر من الطيب فوق ما يريده، هذا لا شك أنه من ضعف الورع في قلب العبد.

إنسان يترفع عن مثل هذه الأمور حتى في الأاماكن العامة؛ لا يأكل في أماكن البيع والشراء، لا يأكل لأنه يعلم أن هذا المسكين هو يبحث عن الرزق، يبحث عن الربح، فأنت إذا أكلت، والثاني، والثالث، والرابع، قد يذهب مكسبه في هذه البضاعة بهذا التذوق. فالذي يتحقق في قلبه هذا الورع ويعني هذا الإيمان وهذا الترفع في هذا الجانب، وأيضا تكون عنده المروءة ويربي أبناءه إذا كانوا معه على مثل هذا الأمر، لا يأكلون من الأماكن العامة ليتحقق فيهم باذن الله، وهذه من التربية كما ربى نبينا وحبيبنا وامامنا محمد صلى الله عليه وسلم هذا الغلام الصغير الحسن بن علي، الذي هو سيد شباب أهل الجنة، رباه على مثل هذا الأمر وهو غير مكلف أصلا، وكذلك أطفالنا غير مكلفين لكن نربيهم على مثل هذا الأمر.

أيضا قصة عظيمة ورائعة وجليلة في هذا الجانب، وهي ما حصل في حادثة الإفك عندما ضجت المدينة بهذا الحدث العظيم الجليل، الذي حتى النبي صلى الله عليه وسلم أصبح في حيره من أمره شهرا كاملا وهو يطعن في عرضه بابيه هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه في عرض الطاهرة المبراه الشريفة العفيفة عائشة رضي الله عنها وأرضاها، الذي براها الله عز وجل من فوق سبع سماوات. لكن أثناء الشهر كان هناك لغط شديد في المدينة حول هذا الأمر، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستوثق، وهو أعلم بحبيبته، لكن الإنسان أحيانا يريد أن يتثبت، فسأل ضرتها زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها، سألها عن عائشة، قال: «يا زينب، ما علمت؟ ما رأيت؟» يعني ماذا تعرفين عن عائشة؟ هل رأيت شيئا؟ هل علمت عنها شيئا؟

فماذا قالت زينب رضي الله عنها؟ قالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا. فتقول عائشة رضي الله عنها عن كلام، بعدما علمت عن رد زينب رضي الله عنها، قالت وهي التي كانت تساميني، أي هي التي كانت تنافسني في محبة قلب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها كانت بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة جميلة، وكانت أيضا تقية نقية، وهي تسمى أم المساكين. ثم قالت عائشة رضي الله عنها: فعصمها الله بالورع.

والله قصة زينب هذه نموذج يدرس في تعامل الناس، خصوصا النساء، خصوصا الذين يكونون في خلاف وفي خصومة، ينظر، هذه زينب، بعض الناس يقول فرصة فرصة أن تتكلم فيها، لكن تقول رضي الله عنها وأرضاها: أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا، وهي صادقة. أي والله أنها عائشة رضي الله عنها، نحن أيضا الذين لم نرها والله لا نشهد لها إلا بالخير، فهي المبراه والصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وأرضاها.

فعصم الله عز وجل زينب إلى هذه المرأة التي هي عظيمة، والتي زوجها الله عز وجل من فوق سبع سماوات لنبينا صلى الله عليه وسلم، لم يتولى العقد أحد من الناس وليس هناك شهود، وإنما زوجها الله من فوق سبع سماوات لشرف هذه المرأة، وهي التي تسمى أم المساكين. فما أعظم أن يدرس هذا الموقف وأن يقف كثير من النساء المسلمين مع هذا الموقف في الشهادة لمن معهم خلاف أو خصومة! فهذه مراتب عظيمة أيها الأحبة وجليلة، يحرص الإنسان أن يصل إليها بامتثاله لأامر الله والمحافظة على سنة نبينا صلى الله عليه وسلم والبعد عن ما يخالف هذا الأمر، والحذر من الحرام البين، والحذر أيضا من الأمور المشتبهات، ليسلم دين الإنسان وتسلم تقواه بإذن الله ويحصل على المراتب العظيمة الجليلة يوم القيامة.

أسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يحقق الورع في قلوبنا، وأن يرزقنا التقوى ومن العمل ما يرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.