بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد؛ أيها الأحبة، ما زال الحديث في هذه العبادة العظيمة الجليلة التي تحدثنا عنها في ثلاث حلقات سابقة، وهي عبادة الخوف من الله عز وجل في علاه، وهي من أعمال القلوب التي تكون في هذه المادة، مادة التربية الإسلامية في أكاديمية زاد. وما أعظم الحديث عن أعمال القلوب، وما أعظم الحديث عن هذه العباده خصوصا وهي الخوف من الله.
هناك عبادة قلبية عظيمة جليلة متعلقة بعبادة الخوف من الله، ولا يمكن أن تنفصل عنها، لابد أن تتعلق بهذه العبادة، فهما كجناحي طائر، وأقصد بذلك الرجاء، الرجاء في الله عز وجل في علاه. فالخوف والرجاء عبادتان مقترنان لا ينفك عنهما قلب المؤمن، وإلا وقع في زلل وخطأ عظيم. لابد أن يتحقق الخوف من الله في قلب العبد وأيضا الرجاء في الله في قلب العبد.
ما هو الرجاء؟ الرجاء هو حسن الظن بالله، هو هذا الأمل الذي يكون في قلب العبد والذي يحدوه إلى الإكثار والمسارعه والاستبشار بالطاعة. هذا الأمر لابد من وجوده في قلب المؤمن: أن يرجو الله عز وجل، أن يعلم أن الله عز وجل رحيم، أن الله كريم، أن الله لطيف، أن الله غفور، أن الله عفو. هذا الأمر استشعاره في قلب العبد هو الذي يجعل الإنسان يرجو ما عند الله، يرجو ما عند الله من الخير والبركة والرحمة، ويسارع ويبادر وينافس في الطاعات بهذه العبادة القلبية العظيمة، لأنه يعلم أن الله عز وجل أرحم بنا من أنفسنا.
فهذا الرجاء الذي يكون في قلب المؤمن هو الذي يحدوه إلى عمل الطاعات، ويشجعه ويدفعه إلى الإكثار منها والمسارعة في الخيرات. فهذه عبادة عظيمة، لكن لابد أن تقترن بالخوف من الله عز وجل. فقلب المؤمن لابد أن يكون بين الخوف والرجاء، ولهذا يمثل العلماء ذلك بجناحي طائر؛ لا يستطيع الطائر أن يطير بجناح واحد، لابد من الجناحين. كذلك القلب في سيره إلى الله لابد أن يستحضر وأن يكون فيه هذان الأمران: الخوف من الله والرجاء؛ الخوف من الله الذي يردعه ويمنعه من معصية الله، والرجاء في الله عز وجل هو الذي يدفعه ويقوده إلى الإكثار من طاعات الله عز وجل والإكثار من الحسنات ومن العبادات.
فهذان الأمران تحققهما في قلب العبد لا شك أن له أثرا عظيما جدا في قلب الإنسان وفي سيره إلى الله عز وجل. فالرجاء أيها الأحبة عظيم جدا، الرجاء يفتح آفاقا من الخيرات والبركات على الإنسان، يفتح له أبواب الرحمة، هذا الرجاء بالله عز وجل. ولهذا يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء». ونحن والله لا نظن بربنا إلا خيرا، فهو أرحم بنا من أنفسنا، فالإنسان يظن بربه الخير، يظن بربه البركات والرحمات التي هي بيده، والله عز وجل لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو غني عن عبادتنا وغني عن طاعتنا، لكن يريد فقط منا هذا الإقبال.
فالله عز وجل يقبل علينا ويعطينا أضعاف أضعاف ما نرجو من أعمالنا الصالحة. فالله عز وجل جعل لنا هذا الباب من الأمل، جعله مفتوحا إلى يوم القيامة، الإنسان إذا أخطأ أو وقع في الزلل فإنه يتذكر رحمة الله عز وجل، ويتذكر ما عند الله من الفضائل والخيرات والبركات والرحمات، وأن باب التوبه مفتوح إلى يوم القيامة وليس هناك لا يأس ولا قنوط من رحمة الله، فانه بإذن الله يقبل على الله عز وجل بقلبه. ولهذا ذكر العلماء أن أرجى آية في كتاب الله هي قوله عز في علاه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
لاحظوا أيها الأحبة هذا الخطاب الجميل الجليل العظيم الرحيم، يخاطب الله عز وجل هؤلاء العباد الضعفاء المساكين الذين هم أحوج إلى الله عز وجل وأفقر إلى الله عز وجل من كل مخلوق. الله عز وجل يقول: يا عبادي الذين أسرفوا. لاحظ هنا هذه الآية كم فيها من الرجاء ومن الخطاب، ليس فقط لأهل الإيمان بل لمن أسرف على نفسه حتى بالذنوب والمعاصي، فالباب مفتوح والله عز وجل يقبل التوبة، والله عز وجل رحيم بالعبد، يريد الله عز وجل له الخير والبركة والرحمة.
ولهذا جاء هذا الخطاب من العظيم عز في علاه الغني عنا وعن عبادتنا، ونحن الفقراء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. فالله الغني ينادي العباد الفقراء الذين أسرفوا على أنفسهم: لا تقنطوا من رحمة الله، لا تيأس من رحمة الله. فإن اليأس من رحمة الله والقنوط من رحمة الله هذا سوء ظن بالله عياذا بالله، هذا سوء ظن بالله أن يقنط الإنسان ويياس من رحمه الله عز في علاه.
فالإنسان الموفق المسدد هو الذي يعيش بين هاتين العبادتين، بين الخوف وبين الرجاء، لا يغلب الخوف في قلبه ولا يغلب الرجاء دائما في قلبه. من غلب الخوف في قلبه يئس وقنطه الله إذا غلب جانب الخوف دائما من الله، واذا غلب جانب الرجاء أمن من مكر الله، فلا بد أن يجمع الإنسان بين هاتين العبادتين الجليلين العظيمتين، ليكون بإذن الله من أهل الخير ومن أهل الصلاح.
ولهذا الله عز وجل يخاطبنا دائما، يخاطبنا بهذا الأمر ليجمع لنا بين هاتين العبادتين وبين هاتين الفضيلتين الكبيرتين، وهما اللتان يكون فيهما سبب سعادة العبد يوم القيامة. الله عز وجل يقول: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50]. يعني لا نقف عند أني أنا الغفور الرحيم، بل أيضا نواصل: وأن عذابي هو العذاب الأليم. فالله غفور رحيم والله شديد العقاب أيضا، الله عز وجل غفور رحيم وشديد العقاب.
فهاتان عبادتان عظيمتان يتعبد الإنسان الله عز وجل بهما، لكن لو غلب جانب على جانب أو عبادة على عبادة من هذه العبادات القلبية فإنه قد -إذا ذهب أصل هذه العبادة من قلبه، يعني ذهب أصل الخوف من قلبه- فانه يخرج من دين الإسلام، كما ذكر الطحاوي رحمه الله في عقيدته، ذكر أن الإنسان إذا لم يتحقق أصل الخوف في قلبه فإنه خرج من دين الله، وإذا لم يتحقق أصل الرجاء في قلبه فإنه يخرج من دين الله، إذا لم يتحقق أصل هذا الأمر تماما.
لكن لو كان في قلبه شيء من الرجاء لكن غلب الخوف حتى وصل إلى القنوط واليأس من رحمة الله فهذا خطير جدا، خطير جدا وسوء ظن بالله عز وجل. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم عن الكفار: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]. ونواصل الحديث عن هذا التوازن في حياة المسلم بعد الفاصل إن شاء الله.
يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من اوقاتهم واموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم. فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم.
لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم؛ قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبنائهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة. وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديما يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم.
قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعمم مني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهاره القلب عن مساوئ الأخلاق. ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب، وذلك حتى يتاكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بآدابه، ويظهر عليه سمت العلم وادبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه.
ومما يدلك على منزله الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والأدب فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد؛ فقد توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند الحديث عن التوازن الذي يكون في قلب العبد بين الخوف والرجاء. لا بد من تحقق هاتين العبادتين ليسير الإنسان في طريقه إلى الله عز وجل على بصيرة على نور من الله، حتى لا يغلب جانبا على جانب فيحصل عنده الخلل في دينه.
فهناك أيها الأحبة -وهو قليل- من يغلب جانب الخوف من الله ويحكم هذا في قلبه حتى يصل إلى مرحلة القنوط واليأس من رحمة الله، يعني هذا سوء ظن بالله، يظن أن الله عز وجل لن يغفر له، يظن أن الله عز وجل لن يرحمه. هذا يا اخوان سوء ظن بالله لا ينبغي ولا يجوز. فالخوف من الله عز وجل هو العبادة القلبية التي تعجزك عن معاصي الله عز وجل، تعجزك عن المحرمات وتكون دافعا للطاعات، أما الخوف إذا كان يسبب في قلب العبد اليأس والقنوط فهذا سوء ظن بالله عز وجل، فقد خرج من كونه عبادة قلبية إلى كونه ضلالا وغواية في العبادة. ولهذا قال الله عز وجل مخاطبا العباد: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].
لا يمكن لمؤمن يعرف ما عند الله عز وجل من الرحمة، من الفضل، من الكرم، من المن، من الجود؛ الله عز وجل رحيم لطيف بعباده، الله لطيف بعباده، لا يمكن أن يقع في قلب العبد أن الله عز وجل لا يغفر الذنوب، أن الله عز وجل لا يتوب على العباد، أن الله عز وجل لا يريد إلا تعذيب العباد. هذا سوء ظن بالله عز وجل لا ينبغي ولا يجوز في حق المسلم الذي يعرف الله ويقدر الله عز وجل حق قدره. ولهذا الله عز وجل جعل هذا اليأس من صفات الكافرين، أنه لا يكون إلا في قلب الكافر، أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
يعني اليأس التام الكامل الذي لا يبقى معه رجاء في الله، هذا كما ذكرنا قبل قليل وذكره الطحاوي رحمه الله أنه إذا ذهب الأصل تماما فإن الإنسان يخرج من دين الله. إذا ذهب أصل الرجاء في الله وحسن الظن بالله في قلب العبد فإنه يخرج من دين الله ويقع في الكفر، كما أنه إذا خلى من قلبه أصل الخوف من الله فإنه يخرج من دين الله. يقول الله عز وجل أيضا مخاطبا العباد: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56]. قال على لسان إراهيم عليه السلام: ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. الذي يقنط وييأس ولا يحسن الظن بالله هذا لا يكون إلا من أهل الضلالة، إلا في قلوب أهل الضلال والغواية، والذين لم يعرفوا رحمة الله ولم يعرفوا ما عند الله عز وجل من الخيرات والبركات والرحمات والرفق بالعباد المساكين.
فهذه هذا الجانب إذا غلب الإنسان جانب الخوف فإنه يسيء الظن بالله، ييأس ويقنط من رحمة الله. وإذا غلب جانب الرجاء وقل الخوف في قلبه هذا أيضا ضلال وأيضا غواية، فانه يسبب له الأمن من مكر الله، ولا يخاف الله عز وجل، ولهذا يتجرا على المعاصي، يتجرا على المحرمات، لأنه لم يقع في قلبه الخوف من الله، وإنما دائما يجنب جانب الرجاء، جانب التوبة، جانب أن الله عز وجل غفور رحيم. لكن في نفس الوقت الله عز وجل غفور رحيم، لكنه شديد العقاب، فلا بد أن يجتمع الامران في قلب العبد.
ولهذا قال الله عز وجل عن حال هذا المخذول الذي غلب جانب الرجاء وضعف الخوف من الله في قلبه: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 99]. يخاف أن يطبع الله على قلبه بتجبره على محارم الله. إذا كان المؤمن وهو يعمل ويجتهد ويبذل ويخاف الله عز وجل ويخشى ألا يقبل منه، كما ذكرنا في الآية السابقة في حلقة سابقة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60]، هؤلاء هم أهل العبادة، أهل الإيمان، أهل الصلاح، أهل الصلاة، أهل الزكاة، أهل الحج، أهل الطاعات، هؤلاء يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة. كيف الذي يقع في معاصي الله؟ كيف الذي يتجرأ على محارم الله وهو يأمن مكر الله؟ فلا بد أن يتحقق هذان الأمران في قلب العبد ليكون بإذن الله من اهل الخير والفلاح.
أهل التقوى ومن أهل الإيمان؛ ليجتمع في قلبه هذان الأمران. والله عز وجل أثنى على عباده المؤمنين الذين يدعونه خوفاً وطمعاً؛ يعني لابد أن يكون في قلب العبد هذا الأمر: الخوف من الله، والطمع فيما عند الله. الله عز وجل أثنى على أنبيائه بقوله إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً. لا بد أن يكون هذا في القلب؛ في قلب العبد. إذا كان هذا في القلب؛ في قلب الأنبياء الذين هم أطهر الخلق يدعون ربهم خوفاً وطمعاً؛ خوفاً من الله ومن عقاب الله، وطمعاً فيما عند الله من الخير والبركة والرحمة والفضل والجزاء العظيم والثواب الكبير الذي يكون عند ربنا عز في علاه.
ولهذا استحضار هذا الأمر في قلب العبد هو الذي يعينه؛ يعين على اجتناب المعاصي والمحرمات والمسارعة في الخيرات والطاعات. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد». لاحظوا أيها الأحبه؛ لو هذا هذا جانب الخوف من الله، هذا جانب الخوف من الله. لو علم؛ لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة؛ ما عند الله عز وجل من العذاب، ما عند الله عز وجل من من أنواع العقوبات التي أعدها لأهل الضلالة وأهل الغواية وأهل الزيغ والفساد؛ لو يعلم المؤمن مما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد. هذا جانب لابد أن يعرفه الإنسان، ولابد أن يستحضره في قلبه ليخاف من الله عز وجل.
لكن في المقابل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد». لو يعرف الإنسان ما عند الله عز وجل من الرحمة ما كان ييأس أحد من الجنة؛ فالله عز وجل رحيم غفور لطيف عفو، وهو أيضاً شديد العقاب، وهو شديد العقاب. فلا بد أن يجتمع الأمران، وهذا ما جاء نصاً في كلام نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. فالإنسان دائماً يستحضر -أيها الأحبة- يعني هذا الأمر؛ أنه من صفات المؤمنين المتقين الذين يعرفون الله عز وجل حق المعرفة، والذين يقدرون الله عز وجل حق قدره؛ أنه يخاف من الله، أن يتحقق الخوف من الله عز وجل في قلبه، وانه أيضاً يرجو ما عند الله، يرجو ويحسن الظن بالله.
ومن أعظم العبادات -أيها الأحبة- حسن الظن بالله؛ حسن الظن بالله من أحسن العبادات. ولهذا يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء». ونحن والله لا نظن بربنا إلا خيراً. فهذه عبادة جليلة عظيمة كبيرة لابد أن تجتمع في قلب العبد، وهي عبادة الخوف والرجاء. عبادة خوف الله عز وجل، خوف عقابه، وأيضاً الطمع فيما عند الله عز وجل؛ عبادة الرغبة والرهبة. لابد أن تكون في قلب العبد: الرغبة في فضل الله وفي رحمة الله، والرهبة من عقاب الله عز في علاه. وهذه ذكرها الله عز وجل في كثير من الآيات في صفات الأنبياء، وفي صفات المتقين والمُنيبين الذين يجمعون بين هذين الأمرين ليحصل الإنسان المنزله العالية الرفيعة، ولينجو بإذن الله في حياته وفي سيره إلى الله.
وكما ذكرنا أن العلماء ذكروا أن الخوف والرجاء كجناحي الطائر بالنسبة للعبد في سيره إلى الله عز في علاه؛ فيدعو الإنسان الله عز وجل رغباً ورهباً، يخاف الله عز وجل ويرجو رحمته، يخاف ربنا عز في علاه، يخاف من عقابه، وأيضاً يرجو ما عند الله عز وجل من الثواب ومن الخير ومن البركة ومن الرحمة. أسأل الله عز وجل أن يحقق الخوف والرجاء في قلوبنا منه عز في علاه، ونقف عند هذا الحد ونواصل إن شاء الله بعد الفاصل بإذن الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. فما زال الحديث -أيها الأحبة- عن هاتين العبادتين العظيمتين من العبادات القلبية وهما الخوف والرجاء، وهما مقامان عظيمان من مقامات العبودية لله. يستجمع الإنسان هاتين العبادتين في قلبه ليسير إلى الله عز وجل على بصيرة وعلى نور من الله. لأن تغليب جانب -كما ذكرنا قبل الفاصل- تغليب جانب الخوف من الله عز وجل يؤدي إلى القنوط؛ إلى اليأس من رحمة الله، وهذا سوء ظن بالله. وتغليب جانب الرجاء هو أمن من مكر الله عز وجل، وتجرؤ العبد على المعاصي والذنوب بسبب تغليب هذا الجانب وعدم وجود الخوف من الله عز وجل في قلبه.
هناك أحوال -أيها الأحبة- هناك أحوال يغلب الإنسان فيها جانب الخوف من الله عز وجل، وأحوال يغلب فيها جانب الرجاء، وهناك أحوال يكون الإنسان فيها يعني متوازناً بين الخوف والرجاء، وهي غالب حياته؛ يعني غالب حياة الإنسان هو يغلب أو أو يوازن بين الخوف وبين الرجاء في قلبه، ويتعبد الله عز وجل بالخوف منه، ويتعبد الله عز وجل بالطمع فيما عنده من الخير ومن ومن الفضل. لكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال أن الإنسان يغلب جانباً على جانب؛ عندما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عندما يكون الإنسان في حال المرض؛ في يعني في حال يعني نهاية الحياة إذا شعر بقرب أجله وبنهاية حياته وباقتراب موته ودنو أجله، فانه في هذه الحالة يغلب جانب الرجاء وحسن الظن بالله.
وحسن الظن بالله لأن الإنسان في هذه الحالة لا يمكن أنه يكون يعني آمناً من من من من مكر الله عز وجل؛ يعني يعني الخوف يكون في حال الإنسان أنه عنده القدرة على معصية الله عز وجل، هنا يغلب جانب الخوف. لكن في نهاية الإنسان، حتى العاصي، حتى المذنب عندما تقترب وفاته فانه يتعلق قلبه بالله بقوة، ويتعلق قلبه بالله عز وجل بشدة. لكن يعني ولا تحين مناص إذا كان ممن طبع الله عز وجل على قلبه عياذاً بالله من ذلك. وهذا -نعوذ بالله- قد يكون عند بعض الناس من سوء الخاتمه، لكن المؤمن المؤمن في حال دنو أجله فانه يغلب جانب الرجاء وحسن الظن بالله. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه». لا يموتن أحدكم معناه يعني لا يكون الإنسان في حاله اقتراب الأجل وفي حاله المرض الذي يشعر أنه نهاية حياته، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه»، يستشعر ما عند الله عز وجل من الخير، من البركة، من الرحمة، فإن هذا فإن هذا يجعل القلب في آخر حياته يستبشر ويأنس بالله عز وجل ويفرح بلقاء الله عز في علاه.
ولهذا ذكر العلماء أنه يستحب لمن حضر الذي شارف على الموت في نهاية حياته أن يذكره برحمه الله، أن يذكر عنده أحاديث الفضائل والخيرات والبركات والأعمال الصالحة التي قدمها وفعلها لتكون دافعاً إلى إحسان ظنه بربه؛ إحسان ظنه بربه ليتحقق فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه».
أيضاً هناك جانب يغلب فيه الإنسان أو يوصي به بتغليب جانب الرجاء إذا كان الإنسان قد أسرف على نفسه في المعاصي والذنوب وهو يريد أن يتوب إلى الله عز وجل، وهو يريد أن يتوب إلى الله عز وجل، يريد أن يُقبل؛ كما فعل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً وذهب إلى ذلك العابد الذي لم يرزقه الله عز وجل الفقه في الدين فقال له: هل لي من توبه؟ قال: لا، فكمل به المائة، ثم ذهب إلى العالم وقال: ومن يحجب عنك التوبة؟ من يمنعك من من رحمة الله؟ فهذا الرجل بعد أن أسرف على نفسه هو يريد أن يُقبل على الله عز وجل، يريد أن أن أن يتوب إلى الله عز وجل، فهنا إذا كان الإنسان في هذه الحالة فانه يعني يذكر بجانب الرجاء وباب التوبة مفتوح، وأن الله عز وجل رحيم بالعباد. فهنا يغلب جانب الرجاء إذا كان الإنسان مسرفاً على نفسه ثم شعر بقصوره وتقصيره، وشعر بالخلل في حياته، وأراد أن يُقبل على الله عز وجل، فانه يفتح له أبواب الخيرات؛ يفتح له باب الرجاء إلى الله عز وجل حتى لا يقنط ولا ييأس.
ومع الأسف يعني هذا قد يحصل عند بعض الناس عندما يسرف على نفسه في الذنوب والمعاصي ثم بعد ذلك لمن في قلبه هذا الرجاء الذي ينبغي أن يكون في هذه الحالة، فانه يعني عياذاً بالله بعض الناس يقدم على الانتحار؛ يقدم على الانتحار لأنه يشعر أنه خلاص يعني لا يمكن أن يتوب الله عليه، فيأتي بمصيبة وطامة أعظم من مصيبته السابقة؛ أنه يبادر بنفسه إلى الله عز وجل ويقتل هذه النفس ليلقى الله عز وجل وهو ظالم لنفسه وهو قاتل لنفسه، وهذا والله من أعظم الكبائر عياذاً بالله من ذلك. فهنا أيضاً يغلب جانب الرجاء حتى عند أهل العلم، عند أهل الفقه، عند أهل الصلاح، عند أهل الدعوة، عندما يأتي إنسان وقد أسرف على نفسه في الذنوب ويريد أن يُقبل على الله عز وجل، يريد أن يتوب، فانه يذكره بجانب الرجاء والفضل والرحمة التي تكون عند ربنا عز في علاه.
أيضاً يغلب الإنسان جانب الخوف من الله إذا كان في إقبال على المعاصي والذنوب؛ إذا وقع في في في معصية، إذا جلس في مجالس فيها المحرمات والمنكرات، فانه هنا يتذكر الخوف من الله عز وجل ليرتدع ويخشى الله عز وجل وينصرف عن عن هذا عن هذه المحرمات. هنا إذا غلب هذا الجانب؛ جانب الخوف من الله عز وجل، فانه بإذن الله يكون من أهل الخير ومن أهل التوفيق.
هناك -أيها الأحبة- كما ذكرنا أن من الضلال تغليب جانب الرجاء تماماً حتى يصل الإنسان إلى مرحله اليأس والقنوط، ومن الضلال أيضاً أن يغلب الإنسان جانب الرجاء والأمن من مكر الله عز وجل حتى يستمر على معاصي على معاصي الله عز وجل. هذا ضلال وهذا ضلال، والعدل والإحسان والتوفيق والميزان القسط هو أن يجمع الإنسان بين الأمرين في قلبه.
هناك هناك حالة أعظم وأطمع فيها بعض الضلال -عياذاً بالله من ذلك- ممن غلوا في هذا الجانب، كغلاة الصوفية وغيرهم؛ عندما يلغي جانب الخوف وجانب الرجاء، يقول: أنا لا أعبد الله عز وجل لا خوفاً ولا رجاء، وإنما محبة في الله عز وجل. وهذا والله سفه في العقل وضلال مبين! الأنبياء الذين هم أعبد الناس لله لله عز في علاه، الله عز وجل يقول عنهم إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً. الأنبياء يدعون الله عز وجل رغبة فيما عنده ورهبة من من عقابه، فيأتي هذا الضال الذي لم يُرزق الفهم ولا العقل ولا الدين ولا الإيمان ولا البصيرة فيقول: أنا أنا لا أعبد الله عز وجل لا خوفاً ولا طمعاً، وإنما أعبده حباً! وهذا يعني يكفي أن أن أن يعرف الإنسان أن يعرف دين الله، أن يعرف يعني العبادات القلبية، ويقرا القرآن، ويسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، يكفي فقط في في رده وإلغاء هذا الكلام، عدم تعبد الله عز وجل به، ويعرف أن هذا نوع من الضلالة والغواية ومن تزيين الشيطان ولعبه بعقول هؤلاء الضلال الذين ألغي عندهم هاتين العبادتين القلبين؛ الخوف والرجاء من الله عز وجل.
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمع في قلوبنا الخوف منه والرجاء فيه، وأن يجعلنا ممن يعبده رغبة ويدعوه رغبة ورهبة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني