بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد في مادة التربية الإسلامية وفي مقرر أعمال القلوب. هذه الحلقة أيها الأحبة هي تتمة للحلقة السابقة والتي تكلمنا فيها عن المحاسبة، عن محاسبة الإنسان لنفسه. وذكرنا في الحلقة الماضية ما يتعلق بهذا الأمر وعن أهمية المحاسبة في حياة الإنسان. وذكرنا أن هذه المحاسبة لها أصل من كتاب ربنا عز وجل، كما ذكر ذلك أهل التفسير، وهي قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]. ولتنظُر نفس ما قدمت لغد؛ ولتنظر يعني في أعمالها التي تعملها في هذه الدنيا، لأن النظر يوم القيامة عندما يقال للإنسان اقرأ كتابك فينظر في كتابه هنا لا ينفع. هذا النظر الذي ينفع الإنسان هو النظر في هذه الدنيا، أن ينظر في أعماله، أما النظر في الكتاب يوم القيامة فقد قضي الأمر، فقد قضي الأمر.
فالنظر الذي ينفع الإنسان هو نظره في أعماله في هذه الدنيا، ولتنظر نفس ما قدمت لغد، ينظر الإنسان في أعماله: هل هي صحيحة؟ هل هي موافقة لأمر الله؟ هل هي على سنة نبيه ومولاه صلوات ربي وسلامه عليه؟ هل هذه الأعمال فيها خطأ؟ فيها تقصير؟ فيها زلل؟ ينظر الإنسان في حاله. هذه هي هذا هذا هو حال المؤمن الموفق الذي يحاسب نفسه، الذي يحاسب نفسه والذي يريد النجة لنفسه. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الكيس» أي الفطن العاقل: «الكيس من دان نفسه» أي من حاسب من حاسب نفسه، لأن الإنسان إذا حاسب نفسه اكتشف الأخطاء والعيوب التي عنده، اكتشف الأخطاء والعيوب التي عنده، أما الذي يسير هكذا يعني دون هدى ودون بينة ودون بصيرة فهذا على ضلالة يمشي، قد يكون على ضلالة وهو لا يشعر وهو يعني يظن أنه من أحسن الناس عملا، وقد ينطبق عليه قول الله عز وجل: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8]، وأيضاً يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104].
فالإنسان إذا ما وقف مع نفسه وعرض أعماله على كتاب الله وعلى سنة رسوله صلوات ربي وسلامه عليه فقد يستمر في الخطأ والزلل والتقصير وهو لا يشعر ولا يدري أنه في يعني في خطر عظيم بسبب عدم مراجعة هذه النفس وعتابة هذه النفس ومحاسبة هذه النفس. ولهذا كانت هذه المحاسبة أيها الأحبة سبباً عظيماً، كانت هذه المحاسبة سبباً عظيماً في نجاة العبد يوم القيامة، في نجاة العبد يوم القيامة. فالإنسان إذا حاسب نفسه عرف تقصيره، عرف الخطأ الذي الذي عنده، عرف الزلل الذي وقع فيه فيتراجع عنه، فيمتثل لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: 201]. متى يتذكر؟ يتذكر إذا حاسب نفسه، إذا راجع نفسه، إذا عاتب نفسه، إذا لام نفسه، هنا يتذكر ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]، ووصفهم الله عز وجل بأنهم من أهل التقوى، هذا هو المتقي الذي يحاسب نفسه.
أيضاً المحاسبة في الدنيا أيها الأحبة يعني تكون سبباً لتخفيف الحساب يوم القيامة، يعني الإنسان إذا حاسب نفسه في الدنيا خفف عن نفسه من حساب يوم القيامة. كيف الآن؟ إذا حاسب الإنسان نفسه أنا حاسبت نفسي هذا اليوم وقعت في في معصية، وقعت في خطيئة، أخطأت على إنسان، تكلمت بكلام لا يليق، أو تجرأت على محرم، فهنا إذا أنا حاسبت نفسي وعرفت هذا الأمر هذا كان كان يعني مدعاة للتوبة، كان مدعاة للتوبة، وإلا لمضى اليوم ومضى هذا الخطا وخلاص طويت هذه الصحيفة وهو لا يتذكرها، وهو لا يتذكر. والانسان لا يمكن أن يسترجع ما مضى قبل أسبوع وققبل شهر وقبل سنة، لكنه في كتاب عند ربي، لا يضل ربي ولا ينسى، ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: 6]. نحن قد ننسى بعض أعمالنا لكنها محصاة ومكتوبة عند ربنا في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
فمن ثمرات المحاسبة أن الإنسان إذا عرف الخطأ استغفر، والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. ونبينا صلوات ربي وسلامه عليه يقول: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها». وهذا لا يكون ايها الأحبة إلا للإنسان الذي يراجع نفسه، يحاسب نفسه، عندما يقف الآن بعد موقف معين أو في آخر اليوم: طيب أنا قلت كذا، أنا فعلت كذا، أنا أخطيت في كذا، أنا قصرت في كذا. هنا يبدا الإنسان يستغفر، يستغفر ويتراجع، وإذا كان متعلقاً بالعباد فإنه لابد أن يتحلل منهم، يتحلل منهم، وهذه من شروط التوبة. فيبدأ الإنسان ويستغفر، وهذا ولا شك أن فيه تخفيف لصحيفة السيئات، لأن الله عز وجل من رحمته بالعباد أن الإنسان إذا تاب تاب الله عز وجل عليه، بل من رحمه الله بنا أنه يبدل السيئات حسنات، يبدل السيئات حسنات، وهذا فضل من المولى عز في علاه لهؤلاء الذين يحاسبون أنفسهم ويتوبون إلى الله ويلومون ويعاتبون أنفسهم عن الخطا على الخطأ والزلل.
ولهذا يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الكلمه المشهوره العظيمة الجليلة: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فانه أهون عليكم أن تحاسبوا أنفسكم في الدنيا، يعني حسابكم لأنفسكم في الدنيا أهون من حسابكم يوم القيامة. ثم قال رضي الله عنه وأرضاه: وتجهزوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية. الإنسان يحاسب نفسه، يراجع نفسه، يستغفر الله عز وجل من تقصيره، من ذنوبه، من أخطائه، وهذا كله استعداد ليوم العرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافيه، يعني لا يمكن أن يخفى شيء في ذلك اليوم ولا يغيب عن كتابك شيء فته صغيرا أو كبيرا في هذه الدنيا. ولهذا الانسان يتعجب يوم القيامة ويقول: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49]. كل ما عمله الإنسان يستغرب ويتحجب. الأمر الصغير يعني حاجات يرى أنها تافهه، أنها بسيطة، أنها لا قيمة لها، لكن يجدها في ميزان في كتابه يوم القيامة ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14]. وهذه يعني مرتبه عالية إذا حاسب الإنسان نفسه وصل اليها باذن الله عز في علاه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فما زال الحديث ايها الأحبة عن محاسبة النفس في هذه الدنيا والذي هو سبب لنجاتها يوم القيامة. المحاسبة في الدنيا تخفف حساب يوم القيامة كما ذكرنا في أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. قف مع نفسك وانظر في هذه الأعمال لانها ستعرض عليك يوم القيامة، فهل ترضاها؟ إذا كنت يعني ترى في أعمالك وفي أفعالك وفيما قدمت في يومك وليلك ترى ما لا يرضيك أن تراه يوم القيامة فعليك بمحاسبه نفسك الآن والاستغفار والتوبه، فانه بفضل الله عز وجل تمحى هذه من صحيفة أعمالك، بل من فضل الله وكرمه أنها تبدل إلى حسنات، أنها تبدل إلى حسنات وهذه ثمره عظيمة من ثمرات المحاسبة.
أيضاً الإنسان إذا كان هذا هو همه وهي المحاسبة يعني دائما منشغل بهذا الأمر، يراجع نفسه دائماً، يعاتب نفسه، يلوم نفسه، فانه بإذن الله يحافظ على إيمانه ويحافظ على تقواه، وهذه مسألة عظيمة جداً حتى لا يتمادى الإنسان في الخطا، يعني يتمادى في أخطائه ويتمادى في عصيانه ويتمادى في ضلاله بسبب عدم المحاسبة، لانه يسير على غير هدى، ويرى أن هذا الامر يعني قد قد يشعر بسبب تسلط الشيطان عليه أن هذا الامر ليس فيه شيء، مع أنه قد يكون مما يغضب الله عز وجل ومما لا يرضي الله عز وجل وهو سائر فيه بغواية وبضل وبعدم فقه في الدين والمحاسبة هي التي تعيد الإنسان وتحفظ عليه إيمانه.
أيضاً المحاسبة تجعل الانسان يرى تقصيره، يرى التقصير الحاصل عنده، ليست فقط هي تنقل الإنسان من جانب المعاصي إلى جانب الطاعات يعني يستغفر ويتوب من المعاصي، أيضاً يرى الانسان يحاسب نفسه، ينظر لأنه قد يكون مقصراً في عبادته مع ربه وهذا يسبب ضعف الإيمان في قلبه. على سبيل المثال يعني الإنسان الآن ينظر يعني أعظم ما يحاسب الإنسان نفسه في هذه الدنيا بها عليها يحاسبها في الواجبات، يحاسبها في الواجبات ثم يبدا بعد ذلك في نوافل العبادات. لكن لو نظرنا في حالنا الآن: الإنسان في آخر اليوم في الليل الآن ما هي أعظم واجبات كانت عنده في هذا اليوم؟ هي الصلاة، الصلاة هي أعظم الواجبات وهي أحب الأعمال إلى الله وهي التي يجب أن يعتني بها الإنسان أكثر من غيرها.
فينظر الإنسان الآن في هذه الصلوات الخمس: كم فريضة أدرك فيها تكبيره الاحرام؟ كم فريضة أدرك فيها الصف الاول؟ كم فريضة تخلف عنها أو كم فريضة فاتته ركعة أو ركعتان منها؟ فينظر الانسان دائما يحاسب نفسه، فهذه تعطي الإنسان نتيجة، لأن الإنسان قد يكون في غفلة، وأصلا يعني الغفلة من تسلط الشيطان، والدنيا أيضا تجعل الإنسان في غفلة دائمة. فالإنسان إذا حاسب نفسه قد يكون طوال اليوم كل الصلوات يعني لا يصلي إلا متأخراً، فاتته كل الصلوات وهو لا يشعر. أحياناً خلاص صلى الحمد لله يعني هذا من حديث النفس الأمارة بالسوء: الحمد لله صليت الصبح، الحمد لله صليت العصر، صليت الظهر. لكن لو رجع وقف مع نفسه: هذه الصلوات كم أدركت منها جماعة؟ كم أدركت منها في تكبيره الإحرام؟ كم أدركت في الصف الأول؟ كم أدركت التأمين مع الإمام الذي هو ست مرات في اليوم والليلة، الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه»؟
ينظر الإنسان يعني كم كم حصل من هذا الفضل، من هذا النعيم، من هذا الكرم والجود من ربنا ومولانا عز في علاه. الإنسان إذا ما راجع نفسه، خصوصاً أيها الأحبة أذكر نفسي وإخواني، خصوصاً في مسألة الفرائض، ليه؟ لأنه قد يستمر الإنسان اياماً وهو دائماً في الصفوف المتأخرة، دائماً متخلف، دائماً متأخر، دائماً مسبوق وهو لا يشعر، يعني يحرم الفضل العظيم في الصف الأول، يحرم تكبيره الإحرام، يحرم التأمين مع الإمام، يحرم هذه الفضائل وهو يشعر أنه خلاص مؤدي العبادة. هذا يا اخوان ترى إذا ما إذا ما انتبه الإنسان لنفسه وراجع وحاسب نفسه قد يستمر يستمر على هذا الأمر وهذا التقصير، وهو حال كثير من الناس إلا ما رحم ربي، الآن خلاص المهم أني صليت، لكن هل أنا يعني مبادر في صلاتي؟ هل أنا محافظ على الصف الأول وهذا الفضل العظيم الذي والله لو الإنسان جلس مع نفسه وتفكر يعني هذه نعم ايها الأحبة، هذه بركات، هذا هذا كرم ومنن من الله عز وجل علينا في هذه الدنيا.
الله عز وجل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الصف الأول بقوله: إن الله وملائكته يصلون على أهل الصف الأول، يصلون على أهل الصف الأول، يعني كم في اليوم والليلة يصلي الله عز وجل عليك والملائكة؟ يعني ينظر الإنسان يعني يومياً يومياً أنا محروم والله حرمان حرمان عظيم، يومياً محروم من هذا الفضل ومن هذا الكرم ومن هذا الجود ومن هذا العطاء من الكريم عز في علاه إذا ما حاسب الإنسان نفسه وراجع نفسه خصوصاً في هذه الفريضة العظيمة، لأنه إذا واظب على هذه الفريضة سياتي ستاتي بقية العبادات تبعاً لها. فالانسان إذا حافظ على الفرائض بإذن الله سيكون مبادراً في النوافل ومنافساً فيها ومسارعاً إليها. لكن إذا قصر في الفرائض فمن باب أولى أنه سيقصر في النوافل، من باب أولى أنه سيقصر في النوافل. فهذه فضيلة عظيمة وثمرة جليلة من ثمرات المحاسبة أن الإنسان كل يوم ينظر: ما هو حالي مع الصلاة؟ وهذا لا شك أنه من أعظم أنواع المحاسبة.
تحاسب نفسك في أعظم عبادة، في الركن الثاني من أركان الإسلام، في أول ما يوضع في الميزان يوم القيامة؛ وهو الصلاة. فهذا أمر أيها الأحبة لابد أن ننظر فيه، ولابد أن نتفكر فيه؛ لأنه سبب لتوفيق الإنسان في هذه الدنيا، وسبب لإقباله وإقدامه على طاعة الله، وعلى عبادة ربه ومولاه.
أيضا من ثمرات المحاسبة أن الإنسان يكتشف عيوبه. يعني عندما يحصل موقف مع شخص ما، وبعده قد يكون الإنسان في سكرة الموقف لا يشعر ماذا قال، ماذا فعل، بماذا رد؟ ولكن بعد أن تذهب السكره وتأتي الفكرة، يبدأ الإنسان يقول: هل الكلام الذي قلته صحيح؟ هل هذا الرد، هذا التعامل، هذا التصرف، هل هو صحيح؟ فيكتشف الإنسان عيوبه من خلال هذه المحاسبة.
لأن بعض الناس أيها الأحبة قد يظن أنه من أحسن الناس خلقا، وأنه محترم، وأن الناس تحبه، وهذا مخالف للواقع تماما؛ يرى أنه ليس فيه كبر، ليس فيه تعالي، ليس فيه ترفع على الناس. وقد يكون أيضا هذا مخالف لواقعه، لكن النفس الأمارة بالسوء زينت له هذا الأمر وغرته؛ لأن النفس تغر الإنسان، تغره بأنك على خير، وأنت متواضع، وأنت حسن الخلق مع الناس. مع أنه لو راجع بعض التصرفات التي يفعلها، يكتشف -إذا وفقه الله عز وجل- يكتشف العيوب التي عنده، يكتشف إذا كان في نفسه الكبر ولا لا، في تعامله مع البسطاء، مع الفقراء، مع المساكين، هل يسلم عليهم؟ هل يجلس معهم؟ هل يعطف عليهم؟ هنا يظهر.
أما أن الإنسان يظن أنه والله أنا ليست في هذه الصفة دون أن يتحقق في هذه الأمور، لا شك أن هذا من الغرور الذي يكون، ومن تسويل الشيطان، ومن أيضا التغميض الذي يحصل على هذه النفس بتسلط الشيطان عليها، أنه يرى أنه على خير وهو على غير ذلك. أيضا في تعامل حسن الخلق، قد يظن أنه في تعامله حسن الأخلاق، وهو أيضا في ردوده، في كلامه، في تعامله فيه شيء من الجفاء والغلظة مع الناس.
ونواصل إن شاء الله بقية هذه الثمرات بعد الفاصل.
لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأاتي الجبل فيأاتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه.
توجيه نبوي لعلاج أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعيه في واقعنا المعاصر؛ وهي البطالة، وترجع أسبابها إلى: احتقار بعض المهن أو رفضها بحجه عدم المناسبة، اعتماد بعض الشباب على الوالدين، المعدلات المنخفضة للنمو الاقتصادي، التقدم التكنولوجي والاستغناء عن العمالة، ضعف نظم التعليم والتدريب.
وتكمن خطورة تلك الظاهرة في آثارها والتي منها: الإصابة بالاحباط وعدم الثقة مما يولد اكتئابا وقلقا وشعورا بالفشل، التوجه للجريمه والانحراف كالمخدرات والسرقة والتطرف، إهدار الطاقات الإنتاجية، الفراغ القاتل الذي يؤدي إلى عواقب لا تحمد نتائجها.
ويتوقف علاج تلك الظاهرة على: تنشئة الشباب على حب العمل والإيجابية، تقديم القدوات الجادة الناجحة، توفير فرص العمل المناسبة، تقديم الدورات التدريبية المؤهلة للمشاركه في سوق العمل، الاقراض الحسن للمشاريع الصغيرة والأعمال الفردية وإنظار المعسرين منهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داوود عليه السلام كان يأكل من عمل يده».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فنواصل أيها الأحبة الحديث عن ثمرات المحاسبة، وكنا توقفنا قبل الفاصل مع شيء منها. فالمحاسبة لها ثمرات جليلة عظيمة، وذكرنا أن من أعظم ثمرات المحاسبة أن الإنسان يعرف عيوب نفسه. ما أجمل أن يقف الإنسان مع نفسه كأنه يقف أمام مرآة، وينظر في أعماله، في تصرفاته، في أفعاله، في أقواله، في ردوده مع الناس! ينظر كأنه يقف أمام مرآة ليكتشف -المرآة صادقة يعني- كذلك الإنسان إذا وقف مع نفسه يقف وقفة صدق: هل هذه الأعمال صحيحة؟ هل هذه الأفعال صحيحة؟ هل هذه التصرفات صحيحة؟ فيبدا الإنسان يحاسب نفسه محاسبه حقيقية وصادقة. إذا كان محقا وصادقا ويريد الخير لنفسه، ويريد أيضا التعديل من سلوكه وأخلاقه، لابد أن يقف كأنه يقف أمام مرآة ليكتشف هذه العيوب.
أيضا من الثمرات العظيمة أن الإنسان إذا حاسب نفسه عرف مواطن الخلل والتقصير، ونتج عنه بعد ذلك الاستفادة الكبرى والعظمى من وقته ومن حياته ومن عمره. لأنه عندما يحاسب: أنا ضاع مني وقت كبير في كذا دون فائدة. ينظر أحيانا ساعات -وكما يحصل الآن مع الأسف حقيقه، وهذه والله من البلايا التي ابتلين بها في هذا الوقت- الانشغال بهذه الأجهزة الحديثة ساعات طوال تذهب على الإنسان سدى، إن سلم فلا، لم يستفد منها شيئا وضياع وقت. وهذا العمر الإنسان مسؤول عنه، فيحاول الإنسان دائما يحاسب نفسه، ينظر يقلل من هذه الأوقات، يستغل هذه الأوقات في طاعة الله. ينظر أحيانا قد يكون فوت على نفسه بعض العبادات، بعض الطاعات؛ التبكير للصف الأول، الجلوس في المسجد، أذكار الصباح والمساء.
الإنسان عندما يراجع نفسه يجد شيئا من التقصير ومن تضييع الأوقات فيما لا ينفع. قد يخرج الإنسان من المسجد مباشرة بعد الصلاة كأنه مطالب أو مطرود، ثم يقف عند باب المسجد يتكلم بعشرات الدقائق، وهو كان في المسجد كأنه جالس على نار! وهذا والله أمر عجيب. لكن عندما يحاسب الإنسان نفسه، يراجع نفسه: أنا لماذا لا أحب الجلوس في المسجد؟ مع أن الجلوس في المسجد من أعظم المجالس، ويكفي أن الإنسان طالما أنه في المسجد أن الملائكة تدعو له: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث أو يخرج. هذه مجالس مباركة، فالانسان يضيع أوقات أحيانا خارج المسجد وهو قد خرج مستعجلا وكانه عنده أشغال الدنيا كلها.
فهذا أمر إذا راجع الانسان نفسه في جلوسه، في الان وقت يضيع بين المغرب والعشاء، قد يستفيد منه في قراءة القرآن، في حضور محاضرة، في سماع لدرس، في قراءة كتاب، أو في جلسة مع خيار صالحين يقربونه من الله عز وجل، لكن أحيانا تضيع في جلسات في أماكن لا فائدة منها. فالانسان إذا حاسب ورأى هذا الحجم الكبير من الأوقات -طبعا الإنسان ليس عنده القدرة أن يستغل كل وقت إلا من وفقه الله عز وجل، لكن نقول على قدر استطاعة الإنسان أن يستفيد من أكثر وقته، بقدر المستطاع أن يستغل هذا الوقت؛ لأن هذا وقت أنت محاسب عنه.
لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه. يعني يسأل عن هذا الوقت مرتين؛ العمر كاملا، وعن فترة الشباب التي هي فترة الصحة والقوة.
هناك أيها الأحبة أمors تعين على محاسبه النفس، منها: أن الإنسان يعلم أن الله عز وجل مطلع عليه ويراه في كل وقت وفي كل حين. هذا يجعل الإنسان يعدل من سلوكه، ويغير من تعامله ومن تصرفاته إذا حاسب نفسه وراقب الله عز وجل ووبخ هذه النفس أنه فعل هذا الأمر مع أن الله عز وجل مطلع عليه ولا تخفى عليه خافيه، فهذا مما يعين أيضا على كثره المحاسبة.
أيضا إذا عرف وشعر أنه إذا حاسب نفسه اليوم، أنه يسلم غدا. لأن حسابك لنفسك في هذه الدنيا يجعلك تستغفر وتتوب إلى الله عز وجل من كثير من الأخطاء والقصور الذي حصل عندك. أيضا الإنسان يعرف ويتفكر أنه سيسأل يوم القيامة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. فإذا عرف الإنسان أنه سيسأل عن عينه، عن سمعه، عن لسانه، عن يده، عن قدمه ماذا فعل؟ فإن الإنسان يراجع نفسه عن كل خطأ حصل منه، وهذا والله من توفيق الله للعبد، وهذا من صفات الأوابين، وهي من صفات عظيمة ذكرها الله عز وجل في وصف إراهيم عليه السلام والعباد الصالحين، أنه الإنسان يكون أوابا؛ يعني رجاعا إلى الله، كلما غفل، كلما نسي، كلما سهى، يعود مرة أخرى إلى الله عز وجل. وهذه صفة عظيمة من صفات عباد الله المؤمنين أنه يكون أوابا لله.
أيضا مما يعين على المحاسبة ويجعل الإنسان دائما يعامل نفسه بها، أنه يتذكر عظم يوم القيامة وعظم ذلك الموقف، ويستشعر نفسه أنه واقف بين يدي ربه عز في علاه ويسأله عن كل صغيره وكبيره، وسيكلمه الله عز وجل كفاحا يوم القيامة. إذا شعر الإنسان بهذا الامر وتذكر، وأيضا أن الله عز وجل سيسأل عن كل صغيره وكبيره ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]. أيضا الله عز وجل يقول: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6]. فكل مخلوق سيسأل، الأنبياء يسألون عن العباد وعن الاتباع، وأيضا الاقوام يسألون عن أنبيائهم ويسألون عن أعمالهم، فكل مخلوق سيسأل.
فأنا أستعد إذا وفقني الله عز وجل لمعرفه هذا الامر وبصرني بهذا الامر، أنا أستعد من الان لهذه الأسئلة، وأنظر ما هي الأسئلة التي قد تكون وبالا علي ولا أريدها يكون يوم القيامة، فأنا أراجع نفسي وأستغفر الله عز وجل من كل ذنب وخطيئة فانها تمحى بإذن الله ويسلم الإنسان يوم القيامة. وهذا ولا شك أنه حال الموفقين المسددين الذين أراد الله عز وجل بهم خيرا.
ولو نظرنا في حال السلف الصالح لوجدنا أمثلة رائعة وجميلة جدا في محاسبتهم لأنفسهم في أمور كثيرة، يحاسبون أنفسهم حتى على المباحات، وليس فقط في المحرمات، حتى في المباحات يحاسبون أنفسهم وفي تضييع الأوقات وفي التأخر وفي بعض الأشياء التي يراها الناس أنها من الأمور اليسيرة، هو يحاسب نفسه عليها، يحاسب نفسه عليها.
ولهذا يقول بعض السلف: لابد للإنسان من ساعتين. وهذه ولا شك أيها الأحبة من الأشياء العظيمة التي يححسن بنا جميعا أن نراعيها، لو لم نخرج من هذا العمل القلبي العظيم إلا بهذا الامر لكفى به فائده؛ أن يكون الانسان له في يومه ساعتان: ساعة يناجي بها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه. ساعة يناجي بها ربه، هذا يكون مثلا في صلاة الوتر، في قيام الليل، هذه ترى عبادة عظيمة جدا وجليلة وتربط الإنسان بالله عز وجل وتجعل القلب معلقا بالله. وساعة يحاسب الإنسان فيها نفسه، إذا وضع رأسه على المخدة يعرض شريط يومه، والله من تعود على هذا الامر وحافظ على هذه الساعة بإذن الله سيكون من الموفقين المسددين وممن ينجو ويخف حسابه يوم القيامة بإذن ربه ومولاه.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا التوفيق في الدنيا والاخرة، وأن يعيننا على محاسبة أنفسنا، وأن يجعل نفوسنا من النفوس المطمئنة التي تفرح بلقاء ربها يوم القيامة، انه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزياده الايمان وتُريده سهلا النوال مُيسرا ياتيك ميسور بأي مكان.
زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمان، ومكارم الأخلاق ندرسها معا أدب وتربية على الإحسان.
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني