بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في مادة الآداب الإسلامية في التربية، في قناة زاد وفي أكاديمية زاد.
ما زال الحديث أيها الأحبة في هذه السلسلة عن آداب إسلامية عظيمة قويمة، يحسن بالمسلم أن يتحلى بها في حياته، وفي تعامله، وفي أخلاقه، وفي سلوكه كله. وأدب اليوم هو أدب عظيم من الآداب التي جاءت الآثار والأحاديث في ديننا لتنبه على أهمية هذا الأمر، وأنه في ديننا له منزلة ومكانة عالية لا بد للمسلم أن يعتني بها، وأعني بذلك أدب النصيحة.
النصيحة هي من حق المؤمن على المؤمن، ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حق المسلم على المسلم، قال: «إذا استنصحك فانصحه» أو «فانصح له». وهذا يدل على أن المسلم يكون ناصحا لإخوانه، يحب الخير لهم، يبين لهم الحق، ويدلهم على الطريق المستقيم، وهذا هو باب النصيحة. والمؤمن هو الذي يحب الخير لإخوانه كما يحبه لنفسه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فتقديم النصيحة هو نوع من أنواع المحبة والعطف والشفقة على الآخرين.
والنصيحة تكون ابتداءً بأن ينصح الإنسان إخوانه أو من يوجه لهم النصيحة، ينصحهم ابتداءً بأن يوجه ويبين ويوضح ويدل على الخير، أو تكون النصيحة في مقابل خطأ، بأن يرى خطأ مخالفا لشرع الله عز وجل أو مخالفا لأعراف الناس، فيوجه لهذا المسلم، لأخيه المسلم، يوجه له النصيحة في ذلك الموقف.
الله عز وجل في هذا الدين بين لنا أهمية هذا الأمر، وأيضا النبي صلى الله عليه وسلم، بين لنا في هذا الأمر بأن المؤمنين إخوة، وحق الأخ على أخيه أن ينصحه، وأن يبين له، وأن يوجهه، وأن يدله على الخير. أيضا النبي صلى الله عليه وسلم بين أهمية هذا الأمر بقوله: «الدين النصيحه، الدين النصيحة». وهنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث جعل الدين كأن الدين كله هو النصيحة، وهذا يدل على عظم هذا الأمر وأن له مكانة ومنزلة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة» لأنه أعظم أركان الحج. فمن أعظم الأمور التي تكون في ديننا هي النصيحة التي تكون بين المسلمين، لأنها تدل على الخير وتوجه، وهذه وظيفة الأنبياء، وهم أعظم الناصحين على وجه البسيطة، ولذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «الدين النصيحة، الدين النصيحة». فقال الصحابة: لمن يا رسول الله؟ يعني النصيحة تكون لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». كل هؤلاء توجه لهم النصيحة.
النصيحة لله بأن ينصح الإنسان في دين الله عز وجل، يكون صادقا، مخلصا، ناصحا لإخوانه في توجيههم لهذا الدين، ولكتابه أيضا بأن يوجه ويدل على كتاب الله وما فيه من الخير والنور والهدايه، ولرسوله أيضا بان يبين ما في سنة النبي صلى الله عليه وسلم من خير وهدايه وتوفيق وارشاد، ولأئمة المسلمين وعامتهم وهنا يأتي التوجيه المباشر لإخوانه المسلمين من أئمة حكام أو علماء، وعامة الناس أيضا من أخوانه وأصدقائه وزملائه وجميع من لهم حق عليه، هؤلاء يوجه لهم النصيحة وكل بحسبه. يعني تختلف النصيحة، فنصيحة الأئمة ونصيحة العلماء عن نصيحة عامة الناس والاصدقاء والاقارب والزملاء، يختلف من مكان الى مكان، ومن شخص الى شخص، وهكذا هو دين الله عز وجل يراعي احوال الناس ولا يكون الأمر متفقا في كل أحواله، بل هناك مراعاه لهذه الاحوال ولهذه المقامات.
ولذا كانت هناك آداب في ديننا لهذه النصيحة، يحسن بالمسلم أن يتقيد بها طالما أن الإسلام حث على هذه النصيحة، والمسلم يريد أن يلتزم بهذا الأمر، فانه يراعي هذه الآداب التي جاءت في ديننا، أخذها العلماء من كتاب الله، أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو من أقوال العلماء الذين يعرفون هذا الامر ويفقهون هذا الدين حق الفقه.
أول هذه الآداب والتي أخذت من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أن يتاكد الانسان من وقوع الخطا من المنصوح قبل أن ينصحه، يعني قبل أن توجه النصيحة لشخص في أمر معين، وقد سمعت بأنه وقع في خطأ أو وقع في زلل أو حصل منه شيء يخالف سواء العرف أو الشرع، فان الانسان قبل أن يبادر بالنصيحه فانه يتأكد، هل وقع هذا الأمر أم أن هذا الذي نقل غير صحيح؟ فلا بد من التأكد ولابد من البينة.
ولذا النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه، أخبر أنه يقول: لأقوم الليل ولا أصوم النهار. وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه كان يشتهر بكثرة العبادة وقوتها والاجتهاد فيها، فكان يكلف نفسه فوق طاقته، وهذا حصل له في أكثر من حديث مع النبي صلى الله عليه وسلم. لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بمقولة عبد الله بن عمرو بن العاص، النبي صلى الله عليه وسلم طلب عبد الله بن عمرو وسأله، قال: «أانت الذي تقول ذلك؟» فهنا النبي صلى الله عليه وسلم تبيّن منه هل هذا الكلام صحيح أو غير صحيح قبل أن يبادر بنصيحته، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم الناصحين. فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص: قال نعم. فنصحه النبي صلى الله عليه وسلم ووجهه إلى الطريق المستقيم، وإلى التوسط في العبادة وأن لا يكلف الانسان نفسه فوق طاقته، وهذا موجود في كتاب الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
فهذا أمر أيها الأحبة قد يقع أحيانا الخطأ عند الإنسان الناصح فيبادر ويوجه وينصح، وقد يتكلم على المنصوح ويكون أصلا الكلام غير صحيح، وهذه إشكالية، فقد يأخذ هذا المنصوح في نفسه بأن هذا بادر بالتوجيه والنصح واللوم والعتاب قبل أن يتأكد من صحة هذا الكلام الذي وصل إليه.
الأمر الآخر، أن الناصح يفترض فيه حقيقه حتى تقبل نصيحته أن يكون مطبقا لهذه النصيحة، أن يكون مطبقا لما ينصح به، وهذا أمر مهم نتحدث عنه بعد الفاصل إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد توقف الحديث قبل الفاصل عند الأدب الثاني من آداب النصيحة، وهو أن يكون الإنسان مطبقا لما ينصح به ويوجه ويدل عليه، فلا يصح أن يتكلم الإنسان بنصيحة أو يدل على أمر أو على خير ويكون فعله مخالفا لكلامه، هذا لا ينبغي وهذا يكون مدعاه لعدم قبول نصيحته. ولهذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]. والله عز وجل نعى على بني إسرائيل هذا الفعل بأنهم يأمرون الناس بالخير ولا يفعلونه، فيقول الله عز وجل عنهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. يعني: أليس عندكم عقل في هذا التصرف، بأن تأمر الناس بأمر فيه خير وفيه هدايه وفيه توفيق وفيه رشاد، ثم أنت لا تفعله؟ هذا يعني نقص في العقل، وأيضا هو مدعاه لعدم قبول النصيحة، لأن الناس تنظر إلى افعال الناصح كما تنظر إلى، كما تسمع إلى أقواله، فينبغي ألا يخالف قوله فعله.
والله عز وجل حكى عن شعيب عليه السلام الذي يلقب بخطيب الأنبياء، شعيب عليه السلام، في نصيحته لقومه كلام فيه دلالة على هذه الآداب والتزام شعيب عليه السلام، ولا شك أنه من الأنبياء الذين هم أعظم الناصحين في هذه الدنيا. شعيب عليه السلام يقول عندما قال لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: 88]. ثم قال لهم في آيات عظيمة، قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88]، يعني: أنا لا أخالف في أفعالي ما أقوله، وهذا هو دلالة الموافقة بين القول والفعل دلالة على صدق الناصح، وأنه يدل على خير، والذي يبين ذلك ويدل عليه أنه هو أول من يطبق، أول من يطبق ويقوم بهذا الأمر. قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِن أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]. فهذا هو قول شعيب، وهو قول عظيم حكاه الله عز وجل في كتابه الكريم، ولذا جاء في بعض الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى شعيبا بخطيب الأنبياء.
وأيضا الشاعر يقول في هذا المعنى في بيت جميل، يقول: وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو عليل
يعني هذا لا يصح عقلا، غير تقي يأمر الناس بالتقى، هذا لا يصح عقلا أن يدل على الخير ويوجه له وهو غير ملتزم بهذا الامر، شبهه بالطبيب الذي يداوي الناس وهو عليل لا يداوي نفسه.
الأدب الثالث الذي يحسن أن يعتني به المسلم في باب النصيحة، أن يخلص النصيحة لغيره من إخوانه المسلمين، وأن يبتغي بذلك وجه الله، لا يريد منهم جزاء ولا شكورا، وإنما يريد ما عند الله، وهو يسير بذلك على هدي الأنبياء والمرسلين وعلى هدي العلماء والصالحين من سلف الأمة ومن خلفها أيضا، الذين ينصحون الناس ويوجهون ابتغاء الخير، ولا يريدون إلا ما عند الله من الخير والتوفيق والبركة التي هي بيد الله عز وجل. ولذا جاء في الآية التي ذكرناها قبل قليل على لسان شعيب عليه السلام يقول: ﴿إِن أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88]، يعني ما أريد منكم شيئا، لا أريد مالا ولا جزاء ولا شكورا ولا ثناء ولا مدحا، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، يعني هدفي من هذه النصيحة الإصلاح الذي هو طريق الأنبياء.
وأيضا يقول عمر بن عبد العزيز: من وصل أخاه بنصيحة له في دينه ونظر له في صلاح دنياه فقد أحسن صلته وأدى حقّه، فقد أحسن صلته وأدى حقه عندما نصحه ودله على الخير دون أن يريد من هذه النصيحة أي مطلب دنيوي يرجوه من هذا المنصوح.
أيضا من الآداب الجليلة التي يحسن بالمسلم أن يتقيد بها في باب النصيحة، أن تكون النصيحة عن علم وليس عن جهل، ما يدل الناس على شيء وهو مخالف لدين الله، مخالف لشرع الله، مخالف للأعراف والتقاليد، لابد أن يكون على علم بهذا الأمر الذي ينصح به. والله عز وجل حكى عن نوح عليه السلام قوله في خطابه وحواره مع قومه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 62]. أي أعلم من شرع الله ومن دين الله ما لا تعلمونه أنتم، ولهذا أنا أنصحكم وأوجه لأني أعلم من دين الله ما لا تعلمون. وهذا طبعا ابتداء يدخل فيه الأنبياء الذين هم يملكون أعظم العلم الذي هو الوحي والنبوة والرسالة، ثم بعد ذلك العلماء الذين ينهلون من هذا العلم وهم ورثه الأنبياء، ثم من سار على طريقهم من أهل الخير والصلاح والتقى والإيمان.
أيضا من الآداب العظيمة التي يحسن بالمسلم أن يراعيها، التزام الأمانة والصدق في النصح، يعني أن يكون أمينا في نصحه للاخرين، لا يغش ولا يخادع ولا يضلل، وإنما يدلهم على الخير ويوجههم إلى الطريق المستقيم، ويكون ناصحا لإخوانه، ليس في نصيحته غش ولا خداع ولا تلبيس ولا تدليس، لأن هذا من الخيانة التي لا تنبغي وليست هي من صفات المؤمنين. ولهذا ذكرنا عن نوح عليه السلام وغيره من الأنبياء كانوا يقولون: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: 68] والنبي صلى الله عليه وسلم.
يقول في الحديث الصحيح: «المستشار مؤتمن». يعني إذا استنصحك أخوك فانصح له، وأنت مؤتمن في هذه النصيحة. أيضا، جنب الإنسان الكذب والغش في كلامه وفي نصيحته؛ فهذا ليس من صفات المؤمنين، وليس من الصدق الذي هو من صفات المؤمنين أيضا. فالانسان يكون صادقا لا يكذب ولا يغش في نصيحته؛ لأن هذا الغش والخداع من صفات أهل النفاق، ومن صفات أهل الضلال والغواية، الذين يتقدمهم وعلى رأسهم إبليس -عليه لعائن الله- الذي أقسم أمام أبينا آدم، لما قال وقاسمهما -الله عز وجل حكى عنه-: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 21]. فهو أقسم أمام آدم أنه ناصح له في أكله من تلك الشجرة التي دله عليها، وهو كذاب وخادع وغشاش، غش آدم -عليه السلام- وأقسم أمامه، وهذا هو حال الذي يكذب ويغش في نصيحته، فسلفه في ذلك هو إبليس -عليه لعائن الله-.
أيضا، الإنسان يكون في صدقه في هذه النصيحة أنه يكون واضحا، لا يداهن ولا يجامل في نصيحته إلا بقدر ما هو في العرف، يعني في كلامه وفي نطقه، أما في الحق فلا بد أن يكون ناصحا صادقا، يبين الحق ولا يغش ولا يخادع ولا يداهن أيضا. ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال في الحديث الذي ذكرناه في أول الحلقة: «إذا استنصحك فانصح له». يعني كن صادقا، ناصحا، مخلصا في هذا الكلام، لا تداهن ولا تدلس في الحق الذي تدل عليه.
أيضا، ينبغي للانسان حقيقة أن يبادر إذا رأى ما يضر الإنسان في دينه أو في دنياه أن يبادر إلى النصيحة، طبعا بالأدب والأخلاق والكلمة الطيبة والشيء المتعارف عليه بين الناس. ولهذا حكى الله عز وجل في قصة موسى لما قتل ذلك الرجل الفرعوني، جاء رجل وعلموا به، قال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: 20]. فكان ناصحا له في ذلك، لكون أن ملا قوم فرعون بدأوا يأتمرون للقبض والامساك بموسى -عليه السلام- ومعاقبته على قتله لذلك الرجل، فخرج موسى منها خائفا يترقب. ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. وقد توقف الحديث قبل الفاصل عند أدب عظيم من آداب النصيحة، وهي أن الإنسان يبادر إذا رأى الخطأ والزلل من أخيه المسلم، يبادر بنصيحته، خصوصا إذا كان في هذه النصيحة منفعة له، كما ذكرنا في قصة موسى -عليه السلام- عندما جاءه ذلك الرجل مباشرة يطلب من موسى بأن يخرج من المدينة، إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين، حفاظا على حياة موسى -عليه السلام- جاء هذا مسرعا ناصحا له.
أيضا من آداب النصيحة -أيها الأحبه- أن يراعي الإنسان منزلة المنصوح ومكانته، وهذا أمر موجود في ديننا: أنزلوا الناس منازلهم. فيراعي منزلة الإنسان عندما يتكلم مع الكبير، عندما يتكلم مع من هو أعلم منه، عندما يتكلم مع الوالدين، ينبغي للانسان أن يختار الألفاظ والعبارات والكلام؛ ما يصح الإنسان أن يأتي مثلا ينصح والده ووقع في معصية من المعاي، ليس الوالد أو الوالدة مثل بقية الناس، وإنما يختار من الألفاظ والعبارات الجميله والأسلوب الجيد والذي فيه تورية وفيه تلطف في العبارة. وهنا لابد من مراعاة هذا الأمر، الرفق واللين في هذا الأمر أمر مطلوب حقيقة، ولا يتعجل الإنسان ولا يبالغ ولا يرفع صوته في نصيحته.
أيضا، اختيار الألفاظ الجميلة والدعاء والثناء على الإنسان قبل، وتكون هذه بين يدي النصيحة. ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قيل له في شأن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- عندما رأى الرؤيا وقصها على أخته حفصة أم المؤمنين -رضي الله عنها- فالنبي -صلى الله عليه وسلم- من هذه الرؤيا رأى شيئا يريد أن يدل عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- عليه، فقال: «نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل!». هنا النبي -صلى الله عليه وسلم- يريد أن يوصي عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- بقيام الليل، لكن بدأ بعبارة جميلة، قال: «نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل». فهنا أثنى عليه أولا وانه سيكون من خير الرجال إذا فعل هذا الفعل، وهذا يدل على أن النصيحة يقدم بين يديها بثناء أو مدح أو غير ذلك.
أيضا، الناصح لابد أن يكون عنده شيء من الصبر والحلم والرأفة والرحمة والعطف والإحسان وعدم العجلة، أن هذه كلها لابد أن تكون في الناصح، وإلا يترك النصيحة إذا لم يكن عنده هذه الأدب؛ فقد تاتي النصيحة بنتيجة عكسية، لكن لابد له من الصبر. ولهذا الله عز وجل ذكر في وصايا لقمان لابنه وصية عظيمة، عندما قال له: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]. الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر -وهذه هي النصيحة في دين الله- فإنه لا بد أن يصبر. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم في سورة عظيمة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]. بعد أن يتواصل مع إخوانه بالحق يدلهم على الخير يوجههم، لابد أن أيضا يكون عنده الصبر الذي يعينه على تحمل هذه المشاق.
أيضا، أن يكون عنده شيء من التواضع عندما ينصح إخوانه، ويبتعد عن التعالي والخطاب الذي فيه ترفع وفيه علو على المنصوح؛ هذا لا ينبغي ولا تقبل أصلا نصيحة الإنسان بهذه الصورة. أيضا، يستر على المنصوح ولا يفضحه إذا رأى منكرا أو رأى خطأ، فإنه يستر ولا يفضح، ومن اعظم ذلك أن تكون النصيحة في السر، أن تكون النصيحة في السر؛ لأن النصيحة أمام الناس نوع من الفضيحة والتشهير، الذي لا يقبله المنصوح أبدا. ولهذا يقول الشافعي -رحمه الله-: تعاهدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع ... من التشهير لا أرضى استماعا فإن خالفت قولي وعصيت أمري ... فلا تجزع إذا لم تعط طاعة
يعني إن خالفت ونصحتني امام الناس وعلى الملا وفضحتني امام الناس فلا تجزع إذا لم تعط طاعة، يعني إذا لم أقبل نصيحتك. وهذا هو حقيقة المتعارف عليه أو الذي موجود عند الناس، أنك إذا نصحته أمام الملأ فإنه قد تاخذه العزة بالإثم ويرفض هذه النصيحة، بخلاف لو أخذ لوحده ونصح سرا، فإنه يتقبل ويشكر لهذا الناصح.
هذه -أيها الأحبة- بعض الأدب التي يحسن بالناصح أن يتقيد بها. وهناك بعض الأدب التي يحسن بالمنصوح أيضا أن يتحلى بها، وهو أن يكون عنده قبول لهذا النصح، وأن يطلب -المؤمن الموفق هو الذي يطلب النصح من الآخرين- إذا رأيت من أهل العلم والفضل والمكانة والمنزلة، فإن الإنسان الموفق المسدد هو الذي يطلب منهم النصح ليسدد أقواله وأعماله ويعرف الخطأ الذي في حياته، وهذا من توفيق الله عز وجل للعبد. فالانسان يطلب النصيحة، وأيضا يقبل النصيحة، يقبلها ويبادر بفعلها، ولا يكابر ولا يعاند، خصوصا إذا كان هذا الناصح يعلم منه أنه لا يريد إلا الخير، ولا يريد من هذا المنصوح لا جزاء ولا شكورا، وإنما ينصح لوجه الله.
وانظروا في قصة موسى التي ذكرناها قبل قليل، عندما جاء الرجل لموسى -عليه السلام- قال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: 20]. موسى -عليه السلام- تقبل النصيحة مباشرة، فقال الله عز وجل في الآية التي بعدها مباشرة: ﴿فَخَرَج منها خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21]. قبل النصيحة وخرج مسرعا خائفا يترقب من القبض عليه والامساك به من ملأ فرعون، وهذا من قبول النصيحة ومن توفيق الله للعبد أن يقبل النصيحة.
أيضا، محبة الناصح، أن تحمد لهذا الرجل الذي جاء ونصحك ودلك على الخير وبين ما عندك من خطأ. ورحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي؛ هذه نعمه -أيها الأحبة- والمؤمن مرآة أخيه، وكون الإنسان ياتي ويبين لك خطأ في كلامك أو في أفعالك أو في سلوكك وأخلاقك، والله هذه نعمة حتى يقوم الإنسان هذا الخطا الذي عنده، ولا يكون ذلك لأن أحيانا الإنسان قد لا يرى الخطا في أفعاله وأقواله، لا يرى خطأ نفسه، وإنما يرى الآخرون، فإذا وجه ونصح فإنه يستجيب لهذه النصيحة.
أيضا، شكر الناصح، الاعتراف بفضله وشكره، أيضا أقل القليل أن الإنسان يدعو له: جزاك الله خيرا. هذا أقل القليل، ولهذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم كافأتموه». يعني هذا أقل القليل، ليس المعروف أنه كونه يعطيك مالا أو يسعى لك في شفاعة، ليس هذا فقط هو المعروف، المعروف حتى قد يدخل فيه -من أعظم ما يدخل فيه- هو توجيه الإنسان ونصحه في الأخطاء العبارات والألفاظ والكلام الذي يقع فيه الإنسان، فهذا والله من أعظم المعروف الذي يقدمه الإنسان لإخوانه أن يدلهم على الخير، وأن يوجههم، وأن ينصحهم، وأن يبين لهم الحق. وهذا -أيها الأحبة- كما قلت سابقا هو طريق الأنبياء، الذين هم النصحة الأمناء على أممهم، ينصحون للناس ويوجهون، ولا يريدون منهم جزاء ولا شكورا، لا يريدون منهم مالا ولا يريدون منهم منصبا ولا يريدون شيئا، وإنما يريدون ما عند الله -عز في علاه-.
وهذا حقيقة من أعظم ما يكون في حياة المسلم، ولذا كان من الأدب والأخلاق القويمة مع هؤلاء الناصحين على الأقل أن يشكر لهم الإنسان هذا النصح، وأن يدعو لهم، وأن يثني عليهم بهذا الفعل وهذا الإحسان الذي قدموه له. فاسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا من الناصحين الصادقين، وأن يجعلنا أيضا ممن يتقبل النصيحة وممن يشكر للناصحين نصحهم وأن يتقبلها بصدر رحب، وأن يجعلنا دائما موفقين في حياتنا جميعا في كل أعمالنا وفي كل أقوالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني