ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، معه نطوّر أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ينبوعها صافٍ اليوم غلة الظمأ ومكارم الأخلاق أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زد لك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وما زال الحديث في هذه السلسلة المباركة، في سلسلة الحقوق في مادة التربية في أكاديمية زاد المباركة. وحق اليوم الذي سنتكلم عنه بإذن الله، حق عظيم يعيشه الإنسان في حياته في يومه، لا بد له من معرفة هذا الحق لارتباطه بعبادة الإنسان أو بعمل الإنسان وعلاقته مع الناس وأيضاً في علاقته مع ربه عز في علاه.
والمقصود بذلك حق العامل وحق رب العمل، حقوق العمال وحقوق رب العمل. فهناك حقوق للعمال على صاحب العمل وهناك حقوق لصاحب العمل على العمال، فيحسن بالمسلم أن يعرف الحق الذي له والحق الذي عليه ليسلم له دينه؛ لأن هذه الأمور تتعلق بالجوانب المادية والمال يجب على الإنسان أن يحتاط فيه أيما احتياط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أيما جسد نبت من حرام فالنار أولى به». فلابد أن يراعي الإنسان هذا الأمر لأنه فيه علاقة بقضية الحلال والحرام. وهذا من أعظم ما يحاط به الإنسان لدينه.
العمل والكسب في الرزق هذه أمور مشروعة جاءت في ديننا، بل الأنبياء عليهم السلام كانوا يعملون بأيديهم ويكسبون من عمل أيديهم وهذا من أحب الأعمال إلى الله، أن يكسب الإنسان من عمل يده. ولو نظرنا في حال الأنبياء، كانوا يعملون، منهم من كان يعمل نجاراً، منهم من كان يعمل بزازاً، منهم من كان يعمل في الرعي كما هو حال نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا حال أكثر الأنبياء. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا ورعى الغنم». قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: «حتى أنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة».
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعمل والأنبياء من قبله كانوا يعملون، وهذا من أشرف العمل وأفضله وأحسنه، أن يكسب الإنسان من يديه ويأكل حلالاً من كده ومن تعبه، وهذا من أجل الأمور واعظمها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اليد العليا خير من اليد السفلى». اليد العليا التي تعمل وتطعم وتفق واليد السفلى التي تأخذ. فهذا حال المؤمن أن يكون يحرص دائماً أن يكون من أهل اليد العليا بأن يكد ويتعب ويشقى ليحصل المال الحلال الذي يعف به نفسه عن الناس.
الله عز وجل جعل هذا الأمر سنة في هذه الحياة، أن الناس يستخدَمون بعضاً ويستفيدون من بعض، وهذا نص الله عز وجل عليه في كتابه الكريم في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: 32]. يقول الله عز وجل: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا. الله عز وجل في هذه الدنيا قسم الأرزاق، هذا غني، هذا فقير، هذا صاحب منصب، هذا ليس عنده عمل، وهذه لحكمة يريدها الله عز وجل، قد يكون عطاء من الله لهذا العبد، قد يكون ابتلاء واختباراً، قد يكون عقوبة له في هذه الدنيا، فالله عز وجل حكيم في أموره كلها.
ولهذا المؤمن الموفق المسدد هو الذي يعلم أن رزقه مكتوب، وما عليه إلا أن يبذل الأسباب، لأن الله عز وجل قسم الرزق بين العباد. هذا الأمر في الدنيا وليس في الآخرة. ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات، الله عز وجل جعل الناس منازل في الدنيا هذا غني وهذا فقير هذا صاحب منصب وهذا ليس عنده عمل وهكذا يكون الناس باختلاف أحوالهم بينهم الفروقات التي تكون في المجتمعات وفي أحوال الناس كلها، وهذا أمر جعله الله عز وجل ليعمر الكون، لأن الغني يحتاج للفقير والفقير يحتاج للغني فالكل محتاج إلى الآخر. الغني يحتاج إلى الفقير ليعمل عنده ويحتاج إلى الانسان الذي يبحث عن اللقمة الحلال وعن الرزق الحلال ليعمل عنده، وكذلك هذا الانسان الذي ليس عنده المال الوفير هو يعمل ويبحث عن المال عند صاحب العمل لتكتمل الحياة، وهكذا الله عز وجل جعل هذا في الكون ليعمر الناس الكون بهذه الأمور.
فهذا من الأمور الواضحة والجلية والتي يعرفها الكبير والصغير، أن الكل يستفيد من بعضهم، كما قال الله عز وجل: ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، سخرية بمعنى سخرة، يعني عمل واجتهاد وبذل، ويفعل الإنسان ما يغنيه ويكفه عن الناس، وهذا من أحب الأعمال إلى الله، أن يفعل الإنسان هذا الأمر، وليس في العمل عيب طالما أن الإنسان أكل من كد يده ويأكل مالاً حلالاً، وهذا من أحب الأعمال إلى الله في شرعنا وفي ديننا.
جعل الله عز وجل حقوقاً للعامل وحقوقاً لصاحب العمل. وهذا من حكمة الشريعة أن الله عز وجل جعل للعامل حقوقاً ليحفظ بها هذا العامل ويحفظ حقه ويحفظ مكانته ويحفظ كرامته، وكذلك لصاحب العمل، لصاحب العمل أيضاً له الحق على العامل في أن يؤدي ما عليه من أمانة ومن بذل لهذا المال الذي يعمل به العامل أو يعطيه للعامل فيؤدي له ذلك العمل. فهناك حقوق للعامل وهناك حقوق لرب العمل. ونبدأ بحقوق العامل.
نبدأ بحقوق العامل الذي يعمل عند صاحب العمل، عند رب العمل الذي يعمل عنده، هذا العامل له حقوق لا بد أن يراعيها صاحب العمل ولابد أن يعتني بها ولابد أن يؤدي هذا الحق لهذا العامل الذي يعمل عنده صغيراً كان أو كبيراً أياً كان هذا العمل، فصاحب العمل عليه حق لهذا العامل لا بد أن يؤديه. من أول هذه الحقوق ومن أعلاها وأجلها: عدم تكليفه فوق طاقته. لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. الله عز وجل ما كلف الإنسان فوق طاقته في العبادات والشرائع التي هي أوجب ما يكون على الإنسان، التي من أجلها خلق، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. الله عز وجل في جانب العبادات لم يكلف الإنسان إلا ما يطيق وما يستطيع، فمن باب أولى أن صاحب العمل لا يكلف العامل إلا بما يطيق إلا بما يستطيع، لا يكلفه فوق طاقته ولا يشق عليه ذلك.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفموهم فأعينوهم». هنا النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الحديث يجعل هذه الرابطة بين العامل وبين صاحب العمل أنهم إخوان قبل ذلك كله، وقبل هذا العمل هم إخوة في الدين، إنما المؤمنون إخوة، فلا بد أن يراعي المسلم حق الإخوة. إذا كان الله عز وجل فضله بالمال أو بالمنصب أو بالجاه أو بغير ذلك، فهذا لابد أن يؤدي الحق الذي عليه لهذا العامل لأنه أولاً وأخيراً وقبل كل شيء هو أخوه في الإسلام، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يأكل حقه ولا يخذله، فلا بد أن يؤدي الحق الذي عليه. ولهذا جاء هذا النص وهذه الكلمة وهذه العبارة في أول الحديث لتقرر هذا الأمر في أذهان كل مسلم، أنهم إخوان بداية الأمر، لا بد أن تعلم أن هذا هو أخوك في الإسلام.
إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم. هنا النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب، والخطاب مستمر للمسلمين إلى قيام الساعة، وهذا الخطاب يكون في العمال ويكون في الخدم الذين يكونون في البيوت وفي غير ذلك من أحوال الناس التي يجتهدون ويعملون فيها ليكسبوا الرزق الحلال. فمن كان أخوه تحت يده، إذا كان عند الإنسان خادم أو عنده عامل، عنده سائق، عنده خادمة، المدير عنده الموظف، الموظفون، المسؤول الكبير عنده من يعمل تحت يده، فلا بد أن يستحضر هذا الأمر، لا بد أن يستحضر هذا الأمر أن هناك إخوة، أن هناك علاقة في الدين أعظم من هذه العلاقة المالية والتجارية لابد أن يراعيها.
وهناك خصوصية للعمال الذين يكونون تحت يد الإنسان، الخدم والحراس والسائقين وغيرهم، هؤلاء لهم خصوصية في التعامل مع الإنسان لأنهم يعيشون معه في بيته، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليطعمه مما يأكل». وهذا فيه الرفق واللين والرحمة والعطف والشفقة التي تكون من المسلم لأخيه المسلم حتى ولو كان خادماً عنده. فليطعمه مما يأكل، وهذا فيه بر وإحسان بهذا العامل المسكين، وفيه منزلة عالية. وكثير من الناس في أحوال المسلمين اليوم قد يكون عندهم بعض الخدم في بيوتهم، إما من العمال أو من الخادمات أو من السائقين، فيحسن بالمسلم أن يتعامل معهم بهذا الحديث وبهذا الهدي النبوي الجميل الذي يجعل الألفة والمحبة تنتشر بين المسلمين حتى ولو كان هناك خلاف في فروقات في جانب المال أو في جانب المنصب.
فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم. يعني لا يكلف الإنسان العامل فوق طاقته أكثر من جهده كأن يجعله يعمل في اليوم نصف اليوم أو عشر ساعات أو عشرين ساعة في اليوم، وهذا من الظلم الشيء الكثير، وهذا قد يحصل أحياناً في بيوت المسلمين في جانب الخدم، الخادمة تعمل من الصباح إلى الليل دون راحة ودون فترة هدوء يكون من حق هذا الخادم أن ينالها في ذلك البيت.
لا تكلفوهم ما يغلبهم، أيضاً إضافة إلى طول الوقت الذي يعمل به وهذا لا ينبغي، لا بد أن يحدد له وقتاً معيناً للعمل، كذلك لا يكلفه بما لا يستطيع فوق كأن يكلف مثلاً بعمل شاق بحمل أشياء ثقيلة، وهذا مع الأسف قد يحصل في بعض بيوت المسلمين ويجب أن يراعى مثل هذا الأمر، الخادمة تحمل شيئاً ثقيلاً، تحمل بعض الأدوات في البيت، تحمل شيئاً من أسفل البيت إلى أعلاه، وهذا لا ينبغي، لا ينبغي أن يكلف فوق طاقته، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفموهم فأعينوهم» أي ساعدوهم في هذا الأمر. نقف عند هذا النص ونواصل بإذن الله بعد الفاصل.
من أحسن ما يحمي المتربي مما يضره، أشغاله بما ينفعه حتى تطمئن نفسه إليه وتألفه، لأن من تعود الطاعة استوحش المعصية، ومن أَلِف المعصية ثقلت عليه الطاعة. قال ابن رجب: ومن هنا كان بعض السلف كسليمان التيمي يرون أنه لا يحسن أن يعصي الله. وأوصت امرأة بنيها فقالت: تعودوا حب الله وطاعته، فان المتقين أَلِفوا الطاعة فاستوحشت جوارحهم من غيرها.
كل إنسان له خصوصيته وأسراره، وقد شرع الإسلام الاستئذان وحرم التجسس حفظاً للعورات واحتراماً للخصوصيات. وفي زمن انفجار المعلومات أصبح السر يطير في الآفاق بثوان معدودة، فانتهكت الخصوصيات وانتشرت الأسرار وضاعت حقوق. فاختراق المواقع والمنتديات جريمة، والتلصص على البريد الإلكتروني وحسابات المستخدمين جريمة، والعبث ببيانات المستخدمين واستعراض محتوياتها دون إذن أصحابها جريمة. ففي الحديث: «من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته». والمسلم اللبيب يأخذ حذره ويأخذ بكل الأسباب التي تحفظ أسراره وخصوصياته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، توقفنا قبل الفاصل عند حق عظيم للعمال، وهو ألا يكلفوا فوق طاقتهم. ألا يكلفوا فوق طاقتهم، وذكرنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفموهم فأعينوهم».
إذا كلف هذا العامل شيئاً فوق طاقته فإنه يعان على ذلك ويساعد، وليس بعيب على الإنسان أن يساعد العمال وأن يقف معهم وأن يعمل معهم، هذا ليس بعيب، بل هذا فيه من حسن الخلق وكرم الرجولة والمروءة التي تكون عند صاحب العمل وعند رب العمل.
أيضاً من الحقوق التي تكون للعامل على رب العمل: أن يعامله بالحسنى. أن يعامله بالحسنى ألا يكون فيه غلظة وفيه شدة وفيه قسوة على ذلك العامل، هذا لا ينبغي. الله عز وجل مكنك ورفعك على هذا العامل، فلا ينبغي للإنسان أن يجعل هذا ليتسلط عليه أو ليقسو عليه أو أن يمد يده عليه، هذا لا ينبغي، ويحرم على الإنسان ولا يجوز له بأي حال من الأحوال أن يظلم هذا العامل أو يتطاول عليه أو أن يمد يده.
فعلى هذا لا يجوز أبدا. ولهذا في قصة أبي مسعود رضي الله عنه عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب غلاما له، فكان يناديه النبي صلى الله عليه وسلم: أبا مسعود، أبا مسعود، وهو لا يسمع من شدة الغضب وهو يضرب في هذا الغلام. فانتبه فالتفت وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي ينادي، النبي صلى الله عليه وسلم خوفه وحذره من هذا الأمر، كيف تمد يدك على هذا المسكين؟
فقال يا رسول الله: هو حر لوجه الله. يعني يريد الآن أن يخرج من هذا الإشكال الكبير، وأن يخرج من هذا الإشكال الكبير وهذا الوعيد الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل بفعله هذا وتطاوله على هذا المسكين الذي لا قوة له ولا حيلة فهو ضعيف. وهذا هو سيده، وهو ربه في العمل، تطاول عليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم حذره من هذا الأمر.
فخروجا من هذا البلاء الذي قد يصيبه بسبب ظلمه لهذا العامل، قال: يا رسول الله هو حر لوجه الله. أعتقه، وهو عبد عنده، كان أعتقه لوجه الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لم تفعل للفحتك النار». يعني بمعنى أنك ستصبح من أصحاب النار بظلمك لهذا المسكين. لا ينبغي ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتطاول الإنسان على العمال، على هؤلاء المساكين، على من هم تحت يده؛ لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتطاول بالضرب بيده عليهم.
إذا كان هذا في قصة أبي مسعود وهو مولى وهو عبد عند أبي مسعود، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: لو لم تفعل بأن أعتقه لوجه الله مقابل هذا الضرب لنفحتك النار. فكيف بمن يتطاول على من هم أحرار، على من هم أحرار من العمال، من الخدم، من السائقين، من غيرهم؟ لا شك أن هذا أعظم وأكبر وأجل عند الله عز وجل، قد يصيب الإنسان من البلاء ومن العقوبة ما لا يتصوره في عقله بسبب ظلمه، والظلم عظيم عند الله. الله عز وجل نزه نفسه عن الظلم، وما ربك بظلام للعبيد، ولا يظلم ربك أحدا، يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، فالظلم عظيم عند الله عز وجل.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان من أحواله أنه لا يمد يده على أحد، تقول عائشة رضي الله عنها: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بيده قط، ولا امرأة ولا خادما. ما كان يتطاول بيده، وكذلك بلسانه صلى الله عليه وسلم ما كان يعنف ويقسو على الخدم الذين تحت يده أو من العمال الذين يكونون عنده. النبي صلى الله عليه وسلم كان رحيما لينا شفيقا رفيقا بأصحابه عموما، وخصوصا من كان تحت يده كأنس رضي الله عنه الذي خدم النبي صلى الله عليه وسلم ما يقارب من عشر سنوات. يقول أنس رضي الله عنه في خدمته للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه طوال هذه السنوات ما قال لشيء لم أفعله: لما لم تفعله؟ ولشيء فعلته: لم فعلته؟
فكان النبي صلى الله عليه وسلم رحيما شفيقا عطوفا بهؤلاء العمال وبهؤلاء المساكين يرحمهم، وهو الرحمة المهداة صلوات ربي وسلامه عليه، الذي وصفه الله عز وجل بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فظا ولم يكن غليظا، وإنما كان رحمة مهداة صلوات ربي وسلامه عليه.
فهذا مما ينبغي رب العمل أن يعتني في تعامله مع من ولاه الله عز وجل عليهم، من الخدم، من العمال، من السائقين، من كل من كان تحت يده في عمل ما؛ فينبغي للإنسان أن يعامل بالحسنى، وأن يراعي الله عز وجل في هذا الأمر، ويراقب الله عز وجل في هذا الأمر. فقد لا يستطيع هذا المسكين أن يأخذ حقه، لكن لن يضيع حقه عند الله، لن يضيع حقه عند الله. فإذا ظلمه فانه وقع في بلاء عظيم، ودعوة المظلوم مستجابة ليس بينها وبين الله حجاب، ترفع فوق الغمام ويقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين. فقد يظلم الإنسان عاملا مسكينا أو موظفا أو غير ذلك ثم يدعو عليه، فيحل البلاء بهذا الإنسان بسبب هذه الدعوة التي خرجت من لسان المظلوم والتي يستجيبها ربنا عز في علاه.
هذا حق عظيم من حقوق العمال يجب أن يعتني به المسلم في تعامله مع إخوانه. أيضا من الحقوق العظيمة أيضا والتي تتعلق بالمال، وأكبر بلاء وأعظم شقاء يصيب الإنسان أن يظلم الناس في أموالهم، فمن الحقوق ألا يبخس العامل حقه وألا يعطيه أجره على قدر عمله، هذا أمر لا بد أن يعتني به المسلم أيما عناية، لأن هذا يتعلق بقضية المال، والمال فيه حلال وحرام، والإنسان لا بد أن يطيب مطعمه.
أكبر مصيبة تحل بالانسان أن يأكل حراما، فهذا والله من الشقاء ومن البلاء العظيم، يحرم أشياء كثيرة قد لا يتخيلها وقد لا يتصورها وهو لا يدري، يحرم استجابة الدعوة، اطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة. والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الرجل يمد يديه أشعث أغبر يطيل السفر، يقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فأنى يستجاب له؟».
ومع الأسف هذا قد يقع من بعض الناس عندما يتعامل مع العمال ينقصهم حقهم، يؤخر هذا الحق، حتى التأخير محرم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». يعني المبادرة في إعطاء الأجير حقه، لأن هذا هو الحق، وهذا ما يريد أصلا، هو لم يعمل عند هذا الإنسان من أجل معزته أو حبا فيه، هو عمل ليحصل هذا المال، فلا ينبغي للإنسان أن يؤخر حقه إلا إذا رضي الأجير بهذا أو يكون بينهم اتفاق معين فلا بأس في ذلك، أما في غالب الأحوال فلا بد أن يعطيه حقه المتفق عليه كاملا وألا يبخسه حقه.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته». ذكر منهم: «ورجل استأجر أجيرا فاستوفى حقه منه ولم يعطه أجره». وهذا قد يحصل من بعض ضعاف النفوس أن يعمل عنده العامل ثم يظلمه هذا الحق ولا يعطيه ذلك المال بسبب سلطته، قوته، قدرته عليه، لأي سبب من الأسباب، فهو بذلك ينال هذا العقاب العظيم، وسيكون النبي صلى الله عليه وسلم خصمه يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته، أي بلاء يحل بالإنسان أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو خصمه في ذلك اليوم!
وذكر أن هذا الرجل الذي استأجر أجيرا، اتفق معه على عمل معين، ثم استوفى العمل أتم العمل، إما أن يكون أتم عملا معينا اتفقا عليه وانتهى منه، أو يكون هناك اتفاق على مدى الأيام، يعني في راتب شهر كامل أو في راتب أسبوع كامل، فينتتهي الأسبوع وينتهي الشهر ولا يعطيه حقه ثم يظلمه هذا الحق، فلا شك أنه يقع في هذا البلاء العظيم الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون خصمه يوم القيامة. ولا تسأل عن إنسان نبينا صلى الله عليه وسلم هو خصمه في ذلك اليوم، الذي يفزع فيه الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون منه الشفاعة، تخيل أن يكون هذا النبي الرحمة المهداة في ذلك اليوم هو خصم ذلك الإنسان الذي أكل أموال عماله بغير وجه حق!
أيضا من الحقوق التي يجب أن يعتني بها المسلم وأن يراعيها في تعامله مع عماله، إعطاء هذا العامل حقه من الراحة، وهذا يدخل في الحق الأول وهو عدم التكليف فوق الطاقة، خصوصا أن يأخذ العامل حقه من الراحة في العمل وألا يكلف فوق طاقته، كما مر معنا في الحق الأول. لكن هنا حق جسدي للعامل، له حق في ذلك، فهو بشر يتعب، وهو بشر يصيبه من الكلل والتعب والعناء كما يصيب غيره من الناس، فلا بد أن يراعي هذا الجانب. وما أجمل قول شعيب أو قول والد الفتاتين اللتين أتى موسى وخدمهم وقدم لهم الخدمة في السقاية، يقول له لما جاءهم موسى عليه السلام وعرض عليه هذا الرجل أن يزوجه إحدى ابنتيه، قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: 27] أي ما أعمل أن أكلفك فوق طاقتك. لأن شعيبا وهو ذكر في اسمه في والد هاتين الفتاتين، طبعا شعيب هذا غير شعيب النبي، وإنما هو رجل آخر اتفق اسمه مع اسم نبي الله عز وجل شعيب. فقال: وما أُرِيدُ أن أشوق عليك عندما قال له: إني أُرِيدُ أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشرا فمن عندك، ثم قال: وما أُرِيدُ أن أشوق عليك، يعني في العمل وفي رعي الغنم وفيما اتفق معه شعيب هذا الرجل فيما اتفق مع موسى عليه السلام، وهذا من حسن خلقه ومن أدبه، وهو من أعظم ما يتعامل به الإنسان مع عماله ومع من ولاهم الله عز وجل عليهم وكانوا تحت يده.
هذا ما يتعلق بحق العامل، وهناك حق آخر وهو حق رب العمل سنتكلم عنه إن شاء الله بعد الفاصل.
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 10]. من رحمة الله تعالى بعباده رخص لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء، بدلا من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى وأعلى الخف الأيسر باليسرى مفرجا أصابعه، مبتدئا من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه. يمسح على الخفين معا، أو يبتدأ بالخف الأيمن ثم الأيسر، الأمر في ذلك واسع بشرط أن يكون الخف طاهرا من النجاسة، وأن يكون ساترا للقدم مع الكعبين، وأن يلبسهما على وضوء كامل، ومدته يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء. فلو توضأ لصلاة الفجر مثلا ولبس الخفين، ثم انتقض وضوءه الساعة التاسعة صباحا وتوضأ في الساعة الثانية عشرة ومسح على الخفين، فيبدأ احتساب المدة من الساعة الثانية عشرة لا من الساعة التاسعة، ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل. ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح فوضوؤه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر، فإن أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضأ أولا وضوءا كاملا يغسل فيه قدميه ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.
قناة زاد العلمية، العلم في كل وقت.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. توقفنا أيها الأحبة قبل الفاصل عند حق العامل على صاحب العمل، وسنتكلم إن شاء الله الآن عن حق صاحب العمل على العامل. العامل كما أن له حقا على صاحب العمل، فأيضا لصاحب العمل حقا عليه، وهو واجب على العامل لصاحب العمل.
والعامل الذي يعمل ويكدح من كسب يده هو في عبادة عظيمة إذا احتسب الأجر عند الله عز وجل، واحتسب أيضا أن يعف نفسه وأن يترفع عن تكفف الناس المسألة، لا شك أنه إذا احتسب هذا الأمر فهو في أجر عظيم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20] قرنه الله عز وجل بالجهاد وبقراءة القرآن، وهذا يدل على أنها عبادة إذا احتسب الإنسان الأجر عند الله عز في علاه.
من الحقوق التي تكون لصاحب العمل على العامل أن يؤدي الأمانة في عمله، والأمانة عظيمة جدا، الأمانة عظيمة إذا كلف الإنسان بعمل فهو مؤتمن على هذا العمل، فلا بد أن يؤديه على الوجه الذي يريده صاحب العمل على حسب الاتفاق الذي بينهم، لا يجوز له أن يخل بهذا الأمر، وإلا أخل بشيء من الأمانة. والأمانة عظيمة، الأمانة عظيمة تبرأت منها الجبال وتبرأت منها السماوات وحملها الإنسان، ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. الأمانة عظيمة، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. إذا اؤتمن الإنسان على عمل فلا بد أن يؤديه على الوجه الذي يطلب منه، وإلا كان رزقه حراما إذا أخل بهذا العمل. أيضا مما...
يكون حقا لصاحب العمل على العامل ألا يغش هذا العامل في عمله، ألا يغش هذا العامل في عمله، يؤدي الأمانة ويبتعد عن الغش. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من غش فليس منا».
هنا النبي صلى الله عليه وسلم يخرج الغاش من هذه الأمة التي تستجيب لأمر نبينا صلى الله عليه وسلم وتكون تابعة له في كل أمورها. فالنبي صلى الله عليه وسلم يحذر كل إنسان، عاملاً كان أو غير عامل، في أي جانب من جوانب الحياة، يحذرهم من الغش: «من غش فليس منا».
وليحذر الإنسان من الغش لأنه يقع في هذا البلاء العظيم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه من أمته الخاصة التي هي تستجيب لأمر نبينا صلى الله عليه وسلم وتطيعه في كل أحواله وفي كل شؤونه.
والغش له صور كثيرة؛ قد يغش الإنسان في الوقت، قد يغش في المال، قد يغش في السلعة والبضاعة، الغش أنواعه كثيرة جداً، قد يغش حتى في الأوصاف وفي الكلام، يخادع الناس في أوصافه وفي كلامه، هذا كله داخل في باب الغش الذي يجب أن يحذر منه.
وهذا كله خلاف الأمانة التي اؤتمن عليها في هذا العمل، فهو يخالف هذا الأمر ويقع في هذا البلاء والعناء، والذي قد يكسبه حراماً بسبب هذا الغش؛ فهو مؤتمن على عمله ويجب أن يؤديه على وجهه الصحيح، وألا يغش في هذا العمل، سواء في الأداء أو في الكيفية في داخل هذا العمل.
إذا كان مثلاً في صناعة أو في تجارة أو في أي أمر من الأمور، أو في خياطة، أو في عمل سباكة أو حدادة أو نجارة، أي عمل من هذه الأعمال، فيجب عليه أن يؤديه على وجهه الصحيح وألا يغش في ذلك العمل حتى لا يقع في المال الحرام بسبب غشه وعدم أمانته.
وأظهر ما يكون ذلك في المال؛ إذا غش الإنسان في المال فهذا والله على خطر عظيم لأنه يأكل حراماً ويؤكل أولاده حراماً، وهو من الخطورة بمكان في فعله هذا؛ لأنه يأكل الحرام ويأكل أولاده الحرام، و«أيما جسد نبت من الحرام فالنار أولى به».
وسيأخذ صاحب العمل هذا المال يوم القيامة حسنات، كما أن رب العمل أو صاحب العمل إذا ظلم العامل في حقه سيأخذ هذا العامل حقه يوم القيامة، وكذلك لصاحب العمل إذا غشه العامل فإن صاحب العمل سيأخذ حقه يوم القيامة حسنات.
فلابد أن يراعي الإنسان، سواء كان عاملاً أو صاحب عمل، أن يراعي هذا الأمر؛ لأن قضية الأموال هذه لها شأن عظيم عند الله عز وجل، ويوم القيامة لا يوجد لا دينار ولا درهم، وإنما حسنات يوم القيامة.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وحج وعمرة، حسنات عظيمة جداً، لكن يجعلها الله عز وجل هباء منثوراً، يعني تذهب هذه الحسنات لهذا الرجل الذي أخذ في الأجور العظيمة من عباداته الخاصة من صلاة أو صدقة أو صيام أو حج.
ويأتي يوم القيامة وقد ظلم هذا وأخذ مال هذا وغش هذا وتطاول على هذا وتعدى على هذا، فيأتي يوم القيامة فيأخذ هؤلاء الذين ظلمهم من حسناته، يأخذون من حسناته؛ لأنه لا يوجد يوم القيامة دينار ولا درهم، وإنما هناك حسنات وسيئات فيأخذون من حسناته.
فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه فطرح في النار بعد ذلك عياذاً بالله من ذلك، وهذا هو المفلس الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأل الصحابة: «من المفلس فيكم؟»، قالوا: الذي لا درهم له ولا متاع، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المفلس الحقيقي هو الذي يكون يوم القيامة ظالماً للناس، آخذاً لأموالهم، غاشاً لهم، فهذا هو المفلس الحقيقي الذي تؤخذ منه حسنات ولا درهم ولا مال هناك، وإنما هي حسنات وسيئات.
فالإنسان الحريص على دينه، الذي يخاف الله ويتقيه ويخشاه، يبرأ ذمته في الدنيا قبل الآخرة، ويتخلص من مظالم الناس، ويؤدي ما عليه من حقوق إن وقع في ذلك، ويراعي الله عز وجل في تعامله كله، ويكون مظلوماً ولا يكون ظالماً.
يدعو الإنسان ألا يكون ظالماً لأحد حتى لا يأخذ أحد من حسناته يوم القيامة، يحفظ له حسناته يوم القيامة بعدم ظلمه للناس. أيضاً من صور الغش التي تكون عند العمال أحياناً: قد يأخذ رشوة في هذا العمل دون أن يدري صاحب العمل، الرشوة يعمل شيئاً مخالفا لما يريده صاحب العمل، وهذا أيضاً من الغش الذي لا ينبغي والغش المحرم، بل وقع في شر عظيم وبلاء كبير؛ أنه جمع بين مصيبتين: مصيبة الغش ومصيبة الرشوة، والنبي صلى الله عليه وسلم لعن الراشي والمرتشي.
أيضاً من صور الغش التي تكون عند العمال مع صاحب العمل: هو أن يأخذ هدايا مقابل العمل من غير صاحب العمل في شيء يتعلق بالعمل، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هدايا العمال غلول».
لماذا؟ لأن هذه الهدية قد تكون سبباً في تنازله عن شيء من الحق أو عن ظلم صاحب العمل في شيء من ماله، فيأخذ هذه الهدية ليتنازل وليراعي بعض الناس الذين أعطوه هذا المال، وهو قريب من الرشوة.
وهذه قصة حصلت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من رجل يسمى ابن اللتبية، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم ليأخذ صدقات قومه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ الزكوات، فقد أعطى الزكاة وأداها كاملة، لم يغش في هذا الأمر ولم يأكل مالاً بالباطل في هذا الأمر خصوصاً في الزكاة، إنما أدى الزكاة كاملة.
لكن قال للنبي صلى الله عليه وسلم عندما أتى بالمال: هذا لي وهذا لكم، يعني هذه هي الزكاة، وهذا لي أنا أعطوه لي أنا. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال كلمته المشهورة عندما خطب في الناس، قال: «أفلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه وينظر هل أهدي إليه؟»، إنه قال: هذا لكم وهذا أهدي لي.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يبين هنا لو كان في بيت أمه أو بيت أبيه هل سيهدى له هذا المال؟ وإنما بسبب أنه ذهب لهذا العمل خصوصاً فأعطوه هذه الهدية ليتغاضى عن شيء من الحق أو ليغض الطرف عن شيء من الواجب لصاحب المال، فهذه الهدية هي نوع من الغلول، وهي محرمة وخطيرة جداً في ديننا.
هذه جملة من أنواع الغش التي قد يقع فيها العامل مع صاحب العمل فيحذر من ذلك، وهذه الحقوق يجب أن يراعيها الإنسان، سواء كان عاملاً أو صاحب عمل، ليسلم له دينه وليأكل حلالاً لينجو عند الله عز وجل يوم الحساب.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم ألا يجعلنا ظالمين ولا مظلومين، وأن يرزقنا الحلال وأن يكفينا بحلاله عن حرامه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
يا راغباً في كل علم نافع متطلع لزيادة الإيمان وتريد أن يأتيك ميسوراً بأي مكان، زاد زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معاً، أدب وتربية على الإاحسان، بشرى لنا زدنا كاذبين بالعلم كالازهار في البستان
د. عبد العزيز بن محمد الجهني